رؤى

رقمنة الجسد من الخيال إلي الحقيقة

طالعتنا العديد من القصص وروايات الخيال العلمي التي تعتمد علي الإثارة من خلال الخيال العلمي، بالأشخاص أصحاب القدرات الفائقة التي تعمل من خلال أجهزة الكمبيوتر المغروسة داخل أجسادهم، ولكن يبدو أن الأمر خرج من مجال الخيال إلي الواقع، وأصبح هؤلاء الأفراد يعيشون بيننا الآن. إنها لحظة فارقة في برامج الذكاء الاصطناعي. فالعالم يخوض اليوم غمار ثورة تكنولوجية واسعة النطاق، يواصل الإنسان سعيه نحو تعزيز ذاته بالتفنية. نعلم جميعاً التطور الذي لحق بتكنولوجيا الروبوت، وأنه أصبح الآن حقيقة واقعية، وتحول الروبوت من مجرد آلة تؤدي مهمة معينة إلي كيان واعي, ونحجت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلي حد كبير في محاكاة العقل البشري في الروبوت بأجياله المختلفة. إلا أن الأمر يبدو في هذا المقال أكثر إثارة وغرابة في ذات الوقت، فإذا قبلنا فكرة الروبوت علي أنه إنسان آلي يمتلك قدر من الوعي يحاكي به الإنسان، فإن الأمر فاق الحد في الحديث عن الجسد المعزز بآلات رقمية  Augmented bodies، فما المقصود بالجسد المعزز، وما حقيقيته؟ ما أنواع هذا التعزيز؟ وما تداعيات ذلك؟ تساؤلات مهمة تفتح المجال أمام التأمل والتفكير.

معني الجسد المرقمن

دخلت برامج الذكاء الاصطناعي في مجال الطب بشكل كبير في الثورة التكنولوجية الرابعة، ولعبت السيبرانية دورا أساسيا في الأجهزة الطبية التي تقدم الرعاية الصحية للمرضي، كما تم استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في ابتكار الأجهزة الداعمة للمرضي في العديد من الأمراض. وثمة استخدامات عديدة للأجهزة الرقمية في مجال الطب، منها ما يستخدم في التشخيص، ومنها ما يستخدم في العلاج، ومنها ما يقدم الدعم للجسد بشرائح تقنية. إن التكنولوجيا الرقمية وصلت إلي درجة فائقة وتحولت من مجرد أدوات وأجهزة طبية تستخدم في الكشف والتشخص والعلاج إلي كونها أجهزة داعمة للذكاء وللقدرات الإنسانية.

نجح الإنسان في تعزيز جسده من أجل الحماية والوقاية، فنجد الجندي يلبس درعه الواقي، ويرتدي السترة الواقية، والأحذية ذات المواصفات الخاصة، ويرتدي القبعة لحماية الرأس. وكما نستخدم سماعات الأذن التي تنقل الترجمة، وأجهزة وأعضاء بديلة لمساعدة المرضي علي تجاوز الإعاقة. كل هذه الآلات أو الأجهزة مكانها خارج الجسد، ولكن الجسد المعزز مختلف في إطار الرقمنة حيث أن الأجهزة ليست خارج الجسد ولكن داخله. ويمكن إيجاز معني الجسد الرقمي المعزز بأنه «الجسد الذي يزرع داخله أجهزة رقمية تعوض قصور داخل الجسم، أو تزيد من قدراته».

الجسد الرقمي بين الجبرية والطوعية

ينقسم التعزيز الجسدي الرقمي إلي نمطين يتمثل الأول في التعزيز الرقمي الجبري والثاني يتمثل في التعزيز الرقمي الطوعي. أما الأول؛ فنجد أن بعض الناس من ذوي الإعاقة يلجأون إلي تعزيز الجسد بأجهزة تعويضية، حيث نجحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الطب في ربط الأجهزة التعويضية بالجسد, فقد نجحت برامج الذكاء الاصطناعي في ربط الأجهزة العويضية بالوصلات العصبية، وجعل المتحكم في حركة الأطراف الصناعية هو الوصلات العصبية المخية، فبمجرد أن يفكر الإنسان في تحريك الطرف الصناعي يرسل المخ عبر الوصلات العصبية إشارة إلي الأطراف الصناعية للتحرك في الزمن الحقيقي، فالأعصاب عبر برامج الذكاء الاصطناعي لها القدرة علي إرسال إشارت إلي الطرف الصناعي ليقوم بالمهمة التي يريدها العقل، إن هذا الأمر ليس خيال ولكنه بات حقيقة واقعية، وأحد أبرز انجازات الذكاء الاصطناعي في مجال الطب.

ونجد أيضا عدسات  -دقيقة للغاية – تزرع في عين المكفوفين، ليست للإبصار ولكنها تعطي له إشارات بالتوقف إذا كان أمامه خطر يهدده، ويستقبل المخ هذه الإشارة ويصدر بناء علي ذلك الكفيف رد الفعل المناسب. كما نجحت برامج الذكاء الاصطناعي في ابتكار أجهزة تزرع داخل الجسد لقياس الضغط ونبضات القلب ومتابعة حركة القلب من خلال أجهزة دقيقة تزرع داخل الجسم لمتابعة حال مرضي القلب، وحمايتهم من المخاطر.

 أما النوع الثاني فيتمثل في التعزيز الجسدي الرقمي الطوعي. يكشف واقع تطور الذكاء الاصطناعي في الطب عن تحول جديد مثير للدهشة، ويقترب من الخيال الذي جسدته الأفلام السينمائية، إذ أن هناك العديد من الأفراد يتجهون إلي زيادة قدراتهم الجسدية من خلال غرس بعض الأجهزة داخل الجسد بشكل إرادي. ويمكن أن نضرب بعض الأمثلة التي تؤكد علي ذلك، فهناك مجموعة من الأشخاص قاموا باختراق الجسد بالتكنولوجيا من خلال غرس بعض الرقائق الصغيرة، ودمجها بأجهزة رقمية داخل الجسد، تتراوح هذه الأجهزة بين الأجهزة البسيطة الصغيرة كالمغناطيس إلي أجهزة كمبيوتر كاملة، و قام بعض الأصحاء الذين ليس لديهم أي مشكلات في الابصار أو كفاءة العين، بغرس عدسة داخل العينة دقيقة لمجرد أنها تكشف الأشعة تحت الحمراء، وترتبط هذه العدسة بالوصلات العصبية للإبصار، كما أن هناك بعض الرقائق التي تزرع تحت الجلد تستخدم لفتح أجهزة الكمبيوتر بمجرد التلويح، وفتح الأبواب والنوافذ لمستخدميها. وثمة مجموعة من الأجهزة الصغيرة التي تزرع داخل الجسم تقوم علي المشاركة بين القدرة المخية والكمبيوتر، فما تفكر فيه تجده موجودا علي الشاشة دون أن تصدر أوامر إلي الكمبيوتر أو أجهزتك المرتبطة بالجهاز المغروس في الجسد.

ويتبادر إلي الذهن سؤال منطقي مرتبط برقمنة الجسد مفاده من الذي يقوم بتعزيز الجسد بالأجهزة الرقمية؟ للإجابة علي هذا السؤال نجد أن العديد من الشركات العاملة مجال التكنولوجيا العصبية اتجهت إلي ربط الجسد بالتكنولوجيا، ومن الملاحظ أن أرباب هذه الشركات وأصحابها والعاملين فيها لديهم قناعات كبيرة في ضرورة تحسين قدرات الإنسان المخية والعصبية بالتكنولوجيا الرقمية، وأكبر دليل علي ذلك أن معظم أصحاب هذه الشركات، والعاملين فيها لديهم أجهزة مغروسة في أجسادهم، ونضرب علي ذلك مثال بشركة بيورالينك Neuralink  وهي شركة أمريكية أسسها مجموعة من الأشخاص بقيادة إلون ماسك، في مدينة سان فرانسسكو عام 2016، وأعلن عنها عام 2017، تتمثل أهدافها في تطوير العلاقة بين الدماغ والحاسب الآلي. وهناك شركة أخري تسمي “أشياء خطرة”، أسسها شخص يدعي جرافستر، وهو ذاته لديه جهاز مغروس في يده يسهل له فتح الأبواب والتعامل مع الكمبيوتر الخاص به والسيارة، وغيرها من الأمور الشخصية التي يتعامل معها.

 

اجتماعات الأجساد المرقمنة

حاول أصحاب التعزيز الجسدي بالرقمنة علي تأسيس كيان يجمع بينهم، واستخدموا وسائل التواصل التقني المختلفة في الجمع بينهم، كما حرصوا علي الاجتماع وجهاً لوجه للمناقشة والتعرف علي أحدث ما وصلت إليه أجهزة الرقمنة الجسدية، واتفقوا علي عقد اجتماع أو ملتقي سنوي تحت إسم “حفلات الغرس”، Implant party  ، وهو حفل سنوي يعقد في مدينة أوستن الأمريكية، وبدأت هذه الاجتماعات في مارس من عام 2016، وجمعت الأفراد المدعومة أجسادهم بالتكنولوجيا، أو الراغبين في ذلك، وشهد الاجتماع الأول غرس أجهزة في حجم صغير تشبه حبة العدس، تربط بين الجسم وبين جهاز الكمبيوتر الخاص بالأفراد، وتزاحم الشباب علي هذا الغرس الحيوي. ويهدف الاجتماع بالأساس لعرض تجارب الأفراد المغروس في أجسادهم أجهزة أمام بعضهم البعض، ويعرض كل فرد نوع الجهاز المغروس في جسده وكفاءته ووظيفته, وغيرها من القضايا. وكشف الاجتماع عن العديد من النوادر الخاصة بالزرع الرقمي، فقد حكي شاب عن أنه قام بغرس هاتف محمول كامل تحت جلد يديه، ومنهم من زرع أجهزة في حجم عملة معدينة. وكشف الاجتماع الثاني – في نفس المكان – عام 2017 عن تطور في الغرس الرقمي، حيث قام بعض الأفراد بغرس عدسات دقيقة في أعينهم. علي كل حال تحول الأمر برمته إلي واقع، وإلي مجموعات تتشكل وتحفز غيرها علي الغرس الحيوي، ويبدو أن الأمر له تداعيات علي مستويات عديدة.

 

رقمنة الجسد في الميزان

لقد خلقنا الله تعالي بقدرات وإمكانيات متفاوتة، ومما لاشك فيه أن تدخل الإنسان في الجسد الذي خلقه الله تعالي من أجل تغيير القدرات سيقود إلي تداعيات ومشكلات دينية واجتماعية واقصادية وعاطفية، لا أريد أن أتحدث عنها بشكل ديني فهذا الأمر له أربابه، ولكن أتناوله من الناحية الاجتماعية, وأحاول أن أفند بعض التداعيات المترتبة علي الغرس الجسدي بشكل تلغرافي. فمما لاشك أن هناك تداعيات إيجابية من التعزيز الرقمي للجسد، ولكن الأمر مرهون بالنواحي الصحية العلاجية، فالوصلات العصبية للأجهزة التعويضية له أثر كبير علي صحة وحركة من فقد يده أو ساقه، كما أنه مهم للمرضي الذين يعانون من أمراض علاجها غرس أجهزة داخل الجسم.

إلا أن الأمر يبدو مختلفا في الأفراد الذين لايعانون من أي مرض، ولكنهم يتجهون بشكل إرادي اختياري إلي تعزيز قدراتهم بالتكنولوجيا، إن هذا الأمر سيخلق قدرا كبيرا من التفاوت بينهم وبين غيرهم، حيث أن أصحاب هذه القدرات سيتأثرون بفرص أكبر من غيرهم، وسيخلق قدر كبير من التفاوت. كما أن ذلك سيؤثر بلاشك علي المشاعر والعواطف الإنسانية، فتحول الإنسان إلي كائن مصنوع سيفقده العديد من خصاله الإنسانية. وستثير قضايا اجتماعية مرتبطة بالزواج والإنجاب والتنشئة الاجتماعية للأبناء، ولاشك أن هذه الأجهزة لها تداعياتها علي صحة الأفراد، ويبقي السؤال ماذا لوتعطلت هذه الأجهزة داخل الجسد؟ لايسعنا إلا أن نقول أن المستقبل مرهون بالكثير من الفرص والمخاطر في هذا السبيل.

وليد رشاد زكي

أستاذ مساعد علم الاجتماع - المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق