ثقافة

عبد الرحيم منصور … شاعر الحب والغربة الذى قتلته الحكمة

فى صباح يوم 28يوليو 1984 تلقى الوسط الأدبى والفنى خبرا صادما حيث تناقل الجميع خبر الوفاة المفاجئه والمفجعه للشاعر “عبد الرحيم منصور ” لتنتهى المسيرة القصيرة الغنيه بالعطاء

رحل بعد مشوار قصير سيطر عليه شعور دائم بالغربة والإغتراب فى المدينة التى قست عليه رغم ما قدمه لها من أغنيات طازجه ما تزال تملأ الأسماع وتعطر الوجدان برائحة الوطن وعمق التجربة الإبداعية

لقاء للشاعر عبد الرحيم منصور

هو واحد من الذين تعرضوا للظلم حيا وميتا .. لم يهتم به نقاد الأدب بما يكفى ولم يمنحه النقد الفنى مكانته التى يستحقها … كان الأغنيه الشجيه التى صنعت  الأمل فى لحظات الهزيمة والإنكسار وغردت للنصر بحماس وبهجة منقطعة النظير .. ورغم ذلك فقد  قتلته الغربة التى سكنت قلبه وظلت تعتصره حتى اللحظة الأخيرة .

” لفوا بينا قالوا لينا قالوا بينا ع المدينة

لما جينا ألتقينا كل شئ فيها ناسينا

القلق جوة العيون وشها له ألف لون

حزنها غير حزننا منها وإحنا وحدنا

فى المدينة هنا لفوا بينا لفوا بينا

وجينا هنا لفوا بينا وتهنا هنا “

الحقيقة والميلاد

ولد الشاعر عبد الرحيم منصورفى 15 يونيو 1941 بقرية دندرة بمحافظة قنا. عانى فقد الأب فى طفولته المبكرة فصارت علاقته بالأم التى تحفظ كل تراث الجنوب الشعبى شديدة الخصوصية فهى الوطن والأم وتعلم منها جزء كبير من ذلك الموروث ويحمل الفتى الصغير هذا الإرث الهائل وتخطفه مدينته القاسيه بلا عودة

كانت مصر خلال حقبة الخمسينيات والستينيات  صالحة لأن تنبت الأحلام .. تبحث بشغف عن أصوات جديدة فى كل المجالات لتعبر عن مشروعها الوطنى وكان الكاتب الراحل “لويس جريس ” أحد الكشافين الكبار الذين جابوا قرى مصر بحثا عن كنوزها البشريه وشاركه فى هذا  الدور أيضا كل من سعد كامل – مؤسس الثقافة الجماهيرية –  والفنان التشكيلى الكبير “عز الدين نجيب ” وآخرين من النبلاء

كان “لويس جريس ” يجوب قرى الصعيد بحثا عن مواهب جديدة وكان الفتى “عبد الرحيم منصور ” واحد من هؤلاء ” المعذبين بالفن  ” هكذا كان شعار المبادرة التى اطلقتها مجلة “صباح الخير ” وتبنت تقديم هؤلاء ” المعذبون” لقرائها

 

لويس جريس

أطلق ” عبد الرحيم منصور ” عنان ساقيه للفضاء وخطى أول خطواته فى القاهرة تاركا إحساسه بالأمان فى أحضان أمه بحثا عن ملاذ دافىء لم يجده أبدا .

عانى الجوع وقسوة الحياة كما عانى تجاهل النقاد رغم ما حققه من نجاح فى مجال كتابة الأغنيه لكنه ظل يعانى  الفقر والغربه

شارك كل من مجدي نجيب وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب في بث أشعارهم العامية عبر الإذاعة وفتحت القاهرة آذانها وعقلها بكل حب لكلمات “منصور ” البسيطة العميقة لكنها لم تفتح قلبها للفتى الصعيدى الغريب !!

“طعم البيوت في الشوارع

طعم الشوارع بيوت

الخطو طالع وراجع

بيتولد ويموت “

فى عام 1967 نشر “منصور ديوانه الشعرى الأول والأخير وكان على نفقته الخاصه بعنوان “الرقص ع الحصى ” وصدره بإهداء لأمه قال فيه “إلى أمى .. بنت الشيخ اسماعيل الخلاوي ” وقال عنها لصديقه ” مجدى نجيب ” (أمى هى الجذور الشعرية التى أمسكت بها ، فعندما كنت صغيرا كنت أجلس بجوارها أمام الفرن وهى تجهز رغيف الخبر على نيران خشب السنط .. وكانت تغنى أمام النار  فأشعر بغنائها مثل النقوش والرسومات الملونة المحفورة على جدران معابد الفراعنة )

ديوان الشاعر عبد الرحيم منصور

كان هذا الجيل الجنوبى الذى نزح إلى قاهرة المعز يضم كل من “عبد الرحيم منصور – عبد الرحمن الأبنودى – يحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل ” جميعهم من محافظة قنا وفى نفس العمر تقريبا

سار كل منهم فى طريقه رغم صداقتهم إلا أن كثير من التوتر كان بينه وبين الأبنودى ووفقا لوراية “مجدى نجيب ” فى كتابه “من صندوق الموسيقى – زمن الغناء الجميل ” وهو كتاب اشبه بالشهادة على مرحلة كاملة من تاريخ مصر المعاصر ويقول (كانت الست نعيمة تغطى الجميع بحنانها .. وكنت أنا وعبد الرحيم ويحى الطاهر عبد الله والشاعر أمل دنقل والكاتب المسرحى على سالم الذى كان يعمل وقتها فى مسرح العرائس نزورها كثيرا لنستريح بعد ان ينهكنا تعب المشاوير فيحتضنا سكنها المكون من صالة صغيرة وحجرة نوم ، يتوسطها سرير كبير ، نجلس ونشرب الشاى ونتناقش فى الفن والشعر .. ونختلف ونغضب ونفرح ، بينما كان بعضنا يحلم بوجبة ساخنة  كانت لا تبخل بها نعيمة وتقدمها بحنان الأم من مرتبها الضئيل) ويضيف نجيب واصفا علاقته ببصديقه عبد الرحيم منصور (أخشى على ضياعه فى القاهرة التى لا ترحم النازحين وأعلنت حمايتي له  وخصوصا بعد أن تزوج من الست نعيمة محركة العرائس ، والتى قد تزوجها قبله بلدياته الشاعر عبد الرحمن الأبنودى الذى أعلن عليه حربا خفية بعد ذلك )

كتاب صندوق الموسيقى- زمن الغناء الجميل

فى السبعينيات رشحه الشاعر صلاح عبد الصبور ليلقى أشعاره أمام الرئيس السادات فى أحد أعياد الفن  فقدم أشعاره ،وصفق له الجميع

وبعد انتهاء الحفل  لم يجد من يأخذه معه فى سيارته ليوصله إلى منزله  وبينما كان الجميع يركبون سيارتهم ، كان هو الوحيد الذى استقل قدميه وعاد حزينا قائلا ” موهبتنا مش بتأكلنا ولا بترحمنا من المشى على الأقدام !”

  الشاعر صلاح عبد الصبور

 أغنية الأمل والغربة

امتلك “منصور ” روحا شعرية رحبه ومفردات شديدة العذوبة والطزاجة . جمعت  عبق الجنوب وتفاصيل المدينة .. واقتحم عالم كتابة الأغنيه فصار فى وقت قصير أحد أهم الأصوات ومن أكثركتابها تميزا وصدقا

شكل مع الموسيقار “بليغ حمدى ” ثنائى فنى حيث  قررا التفرغ للمشاركة المقازمة بالغناء ورفع الروح المعنوية قبيل  1967  وعمل معسكر مستمر فى دار الإذاعة لكى يشارك الفن فى المعركة وكان من نصيب الشاعر عبد الرحيم منصور 225 نشيداً  غنت له أغلب الأصوات … وفى لحظات التوهج الفنى صدمته  الهزيمة  وكسرت روحه كما كسرت كل الجيل وظل يردد  ” لم تفلح أشعارنا فى شق الطريق لانتصارنا ”

عبد الرحيم منصور و بليغ حمدي

عبر بصدق عن الهزيمة كما عبر عن النصر وعرفه معظم المصريين  بعد النجاح الكبير لأغينة “وردة ” وأنا على الربابة بأغنى ” كما كانت أغنيه “بسم الله .. الله أكبر ” شهادة مرور إلى شهرة أوسع

فقد تحولت أغنيات “منصور – بليغ ” أثناء  العبور العظيم 1973 إلى أنشايد يرددها الجميع احتفالا بالنصر وكانت أغنية “أم الصابرين ” التى غنتها “شادية ” نقلة مهمة فى مسيرة “منصور ”

 “من دهبك لبسني العقد حبيبي

من نيلك سقاني الشهد حبيبي

من قمحك وكلني اللقمة حبيبي

من صبرك علمني الحكمة حبيبي

يا مصر يا امنا،، يا مصر يا ارضنا، يا مصر يا حبنا

يا مصر يا عشقنا “

وفي العام 1977 تعاون مع الكاتبة ” سنية قراعة”  والمخرج “نور الدمرداش ” وقدما المسلسل التليفزيوني “مارد الجبل” الذى يعد أحد كلاسيكيات ماسبيرو  وكتب منصور الحوار والأشعار للمسلسل وكان بطولة نور الشريف، محمود المليجي . كما قدّم العديد من الأغنيات في فى السينما  بدأها في العام 1968 بفيلم “عدوية” للفنان محمد رشدى وكتب له أغنية “ما على العاشق ملام”

 

وفى عام 1976 قدم عدد من أنجح أغنيات فيلم “مولد يا دنيا ” مع الملحن بليغ حمدى والمخرج حسين كمال عن قصه يوسف السباعى .

وفي العام 1985 قدم مع المخرج عاطف الطيب، وكتب سيناريو وحوار وأشعار فيلم “الزمار” وشاركه في كتابة السيناريو السيناريست رفيق الصبان، ووضع الموسيقى التصويرية للفيلم بليغ حمدي، بطولة نور الشريف، صلاح السعدني، بوسي ومحسنة توفيق

وكتب منصور أغنيات لمعظم الأصوات المصرية منها عبد الحليم حافظ ونجاة وفايزة أحمد ومحمد قنديل ومحمد حمام ومحمد نوح وعفاف راضى وشاديه وغيرهم  وكان له الفضل فى تقديم التجارب الأولى لكل من “على الحجار ” فى أغنيه “على قد ما حبينا ” وعمرو دياب الذى قدم له “ياطريق يا طريق ” و”قلوع ” كما قدم لكل من سميرة سعيد وأنغام ومدحت صالح وهانى شاكر وآخرين

حروف “منصور ” وحنجرة “محمد منير “

“وكل شئ بينسرق منى

العمر ما الايام

والضى ما الننى

وكل شئ حواليا يندهلى

جوايا بندهلك

ياترى بتسمعنى .. فينك ”

تمثل تجربة الشاعر عبد الرحيم منصور مع الفنان محمد منير هى الأبرز فى مسيرة كل منهما فيرجع الفضل لمنصور فى تقديم “منير ” ومساندته فى بداياته فكان يجوب به جميع أماكن الصعلكه وفى جلسات المثقفين  ويرى فيه الجديد القادم من الجنوب لتجديد دماء الأغنية وخروجها من مأزق التكرار لتكون أقرب للناس وحياتهم اليومية  كما ظل يتعامل بروح الأب وقدمه للملحن “أحمد منيب ” حيث شكل الثلاثى أهم تجربة خلال منذ الثمانينيات حتى الآن .

قدم هذا الثلاثى عشرات الأغنيات التى حملها صوت منير لتكون  مشروعا فنيا مغايرا للسائد ثائرا على النمطية فى مفردات الأغنيات واللحن وطريقة الآداء

“كام عام ومواسم عدوا

وشجر اللمون دبلان على أرضه

فينك .. بينى وبينك

أيام وينقضوا

شجر اللمون دبلان على أرضه”

من بين ما قدمه مع منير كان ”  شجر الليمون واتكلمى، الحقيقة والميلاد، ، الكون كله بيدور، أمانه يا بحر، برئ، بنتولد، أمانه يا بحر، حاضر يا زهر، حدوتة مصرية، يا ليله عودي تاني، شمس المغيب، ضل الطريق، في عنيكي، ، قول للغريب، ، ع المدينة، عروسة النيل، عطشان، علموني عنيكي، عنيكى تحت القمر،  وجميعها تعبر عن حالة الغربة وأوجعاها وكأن الثلاثى “منصور – منيب – منير ” كان يجمع بينهم ذات الإحساس القاسى

وتبقى رائعة “حدوته مصرية ” التى تغنى بها منير فى فيلم يحمل نفس الإسم للمخرج يوسف شاهين أحد المحطات المهمة فى تجربة كل منهم بل وفى تجربة الأغنية الحديثة

” دى الحكمة قتلتني و حيتني وخلتني أغوص في قلب السر

قلب الكون قبل الطوفان ما ييجي خلتني أخاف عليك يا مصر

واحكيلك على المكنون

مين العاقل فينا مين المجنون

مين الي مدبوح من الألم

مين اللي ظالم فينا مين مظلوم

مين اللي ما يعرفش غير كلمة نعم “

رحل “عبد الرحيم منصور منذ 36 عام ولم ينل ما يستحق سواء من الدولة أو من النقاد لكن إمام شعراء العاميه “فؤاد حداد “كان قد منحه قدره فى قصيدة رثاه فيها قائلا :

” عبد الرحيم ما راحش من بالى

الليل عتر فى الشمس قايمه لى

على حيلها لا بتقعد ولا بتمشى

والدمع ما بيسقطش من وشى

ولا خد ميزان الخير على غشى

ولا خداعى

ولا عاتبنى وقال مافيش داعى

والليل عتر فى الشمس بالصدفه

القاهره فى ديل المعزيين

يوم ما الحبايب يشبهوا المعازيم

وعساكر البلديه والتنظيم

بيشيلوا بالقفه

عيونى وعيونك يا عبد الرحيم

حفظنى دور الأوله بتحلم “

فؤاد حداد

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: