رؤى

«تحت أعين غربية».. النسوية والدراسات التاريخية

كتابة التاريخ عملية تتضمن نوعا من عدم الموضوعية، ذلك أن أي رواية تاريخية تأتي محملة بوجهة نظر ورؤية القائم بتلك الرواية، وقد رأت الباحثات النسويات أن الكتابة التاريخية تقترب من عالم النصوص الأدبية، وبالتالي يمكن التعامل معها بواسطة أدوات ومناهج التحليل الأدبي بهدف التوصل للمعاني المضمرة والدلالات المتعددة للنص.

وعبر سنوات من الجهد المتصل تمكنت بعض الباحثات النسويات من إنجاز العديد من الدراسات تتناول طبيعة مشاركة النساء في الأحداث التاريخية التي تم تهميشها في الروايات الرسمية.

النساء عندما حصلن على حق التصويت

في إطار إهتمام مؤسسة «المرأة والذاكرة» بتوفير مادة علمية تعين الباحثات والباحثين في مجال الدراسات النسوية أصدرت المؤسسة سلسلة من الكتب المترجمة تحت عنوان: «ترجمات نسوية» كان من بينها كتاب «النسوية والدراسات التاريخية» الذي حررته الدكتورة هدى الصدّة مديرة المؤسسة وترجمته عبير عباس، تضمن الكتاب عدد من الأوراق البحثية حول العلاقة بين المناهج النسوية وكتابة التاريخ أو بمعنى أدق إعادة كتابة التاريخ.

الدكتورة هدى الصدّة

تحت أعين غربية

جاءت دراسة «تحت أعين غربية» الصادرة سنة 1986 والتي أُعيد نشرها أكثر من مرة وتمت ترجمتها لثماني لغات مختلفة للباحثة النسوية تشاندرا موهانتي ابنة مومباي في الهند والتي باتت تقيم وتعمل بالمجال الأكاديمي بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، لتعلن تلك الدراسة عن ميلاد واحدة من أهم المنظرات النسويات بالعالم.

انتقدت موهانتي في دراستها «تحت أعين غربية» تلك الحالة من الهيمنة التي فرضتها الباحثات النسويات الغربيات على صياغة وتحديد أجندة العمل النسوي في مناطق متفرقة من العالم متجاهلات طبيعة الاختلافات بين النساء وتباين علاقتهن بالسلطة في المناطق الجغرافية المختلفة، كما انتقدت محاولات النسويات الغربيات المتعلقة بالحديث نيابة عن نساء العالم الثالث والدفاع عن قضاياهن، وهو ما نجم عنه حالة من التعتيم على العديد من القضايا المتعلقة بالنساء المهمشات في العالم الثالث، لصالح إبراز قضايا النساء اللاتي يمتلكن درجة عالية من التعليم والوعي التي تمكنهن من التعبير عن أنفسهن والقدرة على التواصل مع النسويات الغربيات وطرح قضاياهن عليهن.

موهانتي

باتت قضايا النساء المطروحة بالعالم الثالث في المراحل الأولى على الأقل، وليدة تصورات الباحثات النسويات الغربيات لما يجب أن تكون عليه أولويات العمل النسوي، دون أي التفات حقيقي لأولويات احتياجات النساء بالعالم الثالث، الناجمة عن تنوع واختلاف انتماءتهن ومواقعهن الطبقية.

فندت موهانتي في دراستها طبيعة الخلفيات الفكرية الكامنة وراء استخدام مصطلحات بعينها دون غيرها، فتوقفت عند تناول مصطلحات العالم الأول في مقابل العالم الثالث، والشمال مقابل الجنوب ثم عالم الثلث وعالم الثلثين لتنتهي إلى أنها تفضل استخدام ثنائية «الثلث والثلثين»، ويشير عالم الثلث إلى الأقليات الاجتماعية التي تمتلك القوة والسيطرة، أما عالم الثلثين فيشير إلى الأغلبيات الاجتماعية الموجودة بجميع أنحاء العالم.

ركزت موهانتي في دراستها على العمل النسوي العابر للثقافات، ومن ثم دعت لضرورة مراعاة المسائل المتعلقة بالسياق والذاتية، مع محاولة دراسة كيف أن ما قد يتصف بالخصوصية كثيرا ما تكون له أهمية ودلالة كونية، واستشهدت في ذلك بتلك الدراسة التي أجرتها ماريا ميس سنة 1982 عن «صانعات الدنتيلا» في بلدة نارسابور بالهند، بوصفها نموذجا يبين كيفية إجراء نوعا من التحليل متعدد الطبقات، في سياق محدد لتبيان تلك العلاقة بين الخاص والكوني، دون استخدام ما هو كوني لمحو ما هو خصوصي.

بعد مرور ستة عشر عاما تعود موهانتي لتسلط الضوء على دراستها «تحت أعين غربية» مستعينة بكافة الانتقادات التي قدمتها العديد من الباحثات النسويات لأطروحتها، لتتناول من جديد ذات الموضوعات التي سبق وأن طرحتها، ما جعل الدكتورة هدى الصدّة تشير في مقدمة كتاب «النسوية والدراسات التاريخية» إلى أن القاموس النسوي ملىء بمفردات مثل المراجعة وإعادة النظر أو إعادة التقييم، وهى كلمات تُبرز خصوصية هامة في الفكر النسوي وطبيعة العلاقة بين الانتاج المعرفي والموقع الجغرافي والتاريخي المتغير.

نحو منهجيات نسوية جديدة

في دراستها «نظرة ثانية إلى تحت أعين غربية.. التضامن النسوي من خلال النضالات ضد الرأسمالية» بعد أن تعيد موهانتي تقديم قراءة لدراستها التأسيسة «تحت أعين غربية» تطرح على القارىء رؤيتها لطبيعة المنهجيات الجديدة التي يمكن لباحثات وباحثي النسوية اتباعها للوصول لفهم أعمق لطبيعة القضايا التي تخص عالم النساء.

اضراب عاملات ضد انخفاض اجورهن

تستهل موهانتي دراستها بطرح تساؤل مؤداه: «ما أنواع المنهجيات النسوية والاستراتيجيات التحليلية التي تفيد في إظهار آليات (القوة- السلطة) وإبراز حياة النساء داخل خطابات تتسم بالخلو من التحيز النوعي أو العنصري؟»، ومن ثم تلفت النظر إلى أن اختيار حياة النساء المهمشات كمرتكز تحليلي يمكن من خلاله الوصول إلى منظومة فكرية أكثر قدرة على احتواء الكيفية التي يمكن من خلالها التفكير في قضية العدالة الإجتماعية، وهو ما من شأنه إفساح المجال نحو طرح منظور أكثر واقعية واتساعا لرؤية العدالة الكونية.

تطرح موهانتي قضية سد الفجوة المعرفية بين «المحلي» و«العالمي» في الدراسات النسوية، وتضرب مثلا بالنماذج التعليمية الثلاث المستخدمة في «تدويل» منهج دراسات النساء داخل الجماعات الأكاديمية النسوية بالولايات المتحدة الأمريكية.

النموذج الأول ويطلق عليه «نموذج النسوية السائحة» وهو يشمل استراتيجية تعليمية تقوم على إجراء دراسات استكشافية قصيرة سريعة داخل الثقافات غير الأوربية والأمريكية، ومن ثم التعرض إلى ممارسات ثقافية تعكس نموذجا من التمييز الجنسي وفقا لنظرة تحكمها بالنهاية المركزية الأوربية الأمريكية الموجودة بدراسات النساء، وهو ما ينجم عنه دعم الانطباع السائد لدي الدارسين والقائمين بالتدريس على حدا سواء، بوجود مسافة بين «المحلي» أي كل ما هو غربي و«العالمي» بصفته الآخر اللاغربي، وبذلك يتم تعميق التمثيل الغربي بوصفه السياق المعياري الذي يتم القياس عليه، ومن ثم يعاد إنتاج تلك النظرة المتعلقة بالمركز والهامش وذلك حفاظا على استراتيجية علاقات (القوة – السلطة) وتراتبياتها على ما هى عليه بالفعل.

النموذج الثاني ويطلق عليه «نموذج النسوية المستكشفة»، ويشبه النموذج الأول في كونه يقوم على إجراء دراسات خارج نطاق المجتمعات الأوربية والأمريكية، غير أنه يتميز عن سابقه بكونه يتم في إطار مشروع بحثي واسع يتمكن من تقديم فهم أكثر عمقا وأبرز سياقا لبعض القضايا النسوية الموجودة بالعديد من المناطق الثقافية، مستعينا بمنهجية التنوع الثقافي، غير أن ما يعيب هذا المنهج أنه يلتزم الصمت حين تطرح قضايا (القوة، السلطة، العدالة، والمعايير المشتركة)، كما يستبعد الولايات المتحدة الأمريكية حين تطرح على سبيل المثال قضية العنصرية والعرقية.

نضال المرأه الأندوسيه 

النموذج الثالث ويطلق عليه «التضامن النسوي أو الدراسات النسوية المقارنة»، تعتمد باحثات وباحثي هذا المنهج على الدراسات المقارنة في محاولة لتحليل مسار (القوة – السلطة) و(الخصوصي- الكوني) كاستراتيجية تحليلية للتعامل مع قضية المحلي والعالمي، ومن ثم يرى هذا المنهج أن الاختلافات والمساحات المشتركة مسألتان تتواجدان في كل سياقاتهما داخل علاقة ارتباط وتعارض، فتصبح علاقات التبادل والمسئولية المشتركة والمصالح المشتركة أمورا يتم إبرازها فيما يتعلق بقضايا التضامن النسوي.

وفقا لذلك المنهج تُلقي كل تجربة تاريخية نضالية الضوء على تجارب الآخرين، ومن ثم تجد منظومة عالم الثلث وعالم الثلثين المعني بالتعرف على الأقلية الاجتماعية والأغلبية الاجتماعية معناها ومكانها الطبيعي داخل نموذج التضامن النسوي، وبدلا من اللجوء لثنائيات العالم (الغربي/ العالم الثالث)، أو (الشمال/ الجنوب)، أو (محلي/عالمي)، التي تعد ثنائيات متعارضة وغير وافية، يسمح تمييز عالم الثلث وعالم الثلثين باكتساب المعرفة وإكسابها داخل جماعات النساء «المهمشة» وجماعات النساء «المميزة»، وفيما بينهما على مختلف الأصعدة المحلية والعالمية.

تنتهي موهانتي بتقديم توصية بإستخدام منظومة (الثلث/الثلثين) التي يستخدمها نموذج التضامن النسوي كلما وأينما أمكن ذلك، فنضال النساء حول العالم وفقا لرؤيتها قد يجد له موقعا داخل عالم الثلث المعني بالأقلية الاجتماعية، مثلما يجد له موقعا داخل عالم الثلثين الممثل للأغلبية الاجتماعية حول العالم، وبذلك يصبح على الباحثات والباحثين في مجال الدراسات النسوية أن يتحلوا بالمرونة والاستعداد التام للحركة والتنقل بين القضايا المختلفة، حتى يمكن التعرف على المسارات المختلفة ومحطات الوصول البديلة.

وللحديث بقية،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق