رؤى

هل فرغ النظام الرأسمالي «الحركة النسوية» من مضمونها الطبقي والوطني؟

يقدم كاتب المقال رؤية مغايرة للسائد بشأن المسار الراهن لقسم مهم من الحركة النسوية العالمية، إذا يرجح أن هذا القسم خرج عن تقاليد الحركة النسوية في مطلع القرن العشرين وستينياته، وهي التقاليد التي اتسمت بربط المناضلات النسويات الرائدات بين كفاحهن لتحرير المرأة، وبين كفاح تحرير الوطن من الاستعمار ومن العنصرية العرقية والظلم الطبقي والاستغلال الاجتماعي.

ويحدد المقال مرحلة ما بعد حرب فيتنام، التي انصهر فيه الكفاح النسوي مع كفاح الرجال من أجل الاستقلال أو العدالة الاجتماعية، كمرحلة اُستفز فيها العقل الرأسمالي في الولايات المتحدة  للتحرك المراوغ لاختطاف قسم وازن من الحركة  النسوية إلي مطالب ذات طابع فردي وليس ذات طابع جماعي .

ومن منطلق تقدمي يميل لمناهضة النظام «النيو ليبرالي» غير العادل، يري الكاتب أن هذا الاستدراج الذي تم لفصل النضال النسوي عن النضال العام للرجال والنساء يصب في صالح استمرار نظام الاستغلال العالمي.

أصوات

 

 

في عام ١٩٤٢ وفي أوج الحرب العالمية الثانية، زار الولايات المتحدة الأمريكية ضيف غير عادي، ضيف لا يجيد الإنجليزيه على الإطلاق ويمثل دولة طالما خشيت واشنطن منها وهي الاتحاد السوفيتي السابق.

‎لم يكن الضيف سوى الجندية السوفيتية ليودميلا بافليشنكو، البطلة الأوكرانية المولد التي تطوعت في صفوف الجيش الأحمر وصارت في فتره زمنية وجيزه نسبياً أبرز القناصة في فرقتها العسكرية.

‎تمكنت بافليشنكو من حصد رؤوس أكثر من ٣٠٠ ضابط وجندي نازي في فترة الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي إبان الحرب، وهو ما جعلها رمزاً تلقفته آلة الدعاية السوفيتية وأبرزته كنموذج لما ينبغي أن تكون عليه المرأة السوفيتية.

الجندية السوفيتية ليودميلا بافليشنكو

‎لم تكتف موسكو بذلك بل أرسلت بطلتها إلى بلاد العم سام، حيث التقت الرئيس روزفلت واصطحبتها زوجته في جولة عبر الولايات المختلفة كان الغرض منها الدعاية للحرب ولجهود الحلفاء على الجبهة الأوروبية.

 

إليانور روزفلت

وخلال الجولة فوجئت بافليشنكو بالصحفيين الأمريكيين يسألونها أسئلة لا علاقة لها ببطولاتها العسكرية من قريب أو بعيد، وإنما تركز على نوعها كامرأة، حيث سألها أحد المراسلين إن كانت القيادة في بلادها تسمح لها بوضع الماكياج؟. ‎شكل السؤال صدمة لبافليشنكو لكنها أجابت بهدوء: «لا توجد أي قواعد تمنعنا من ذلك ولكن من منا لديها الوقت لتفكر في لمعان أنفها وسط معركة؟».

‎كان الموقف طريفاً إلى حد السخرية، فالولايات المتحدة التي طالما صورت نفسها عبر دعاية ممنهجة باعتبارها الدولة الراعية لحقوق الإنسان ومن بينها بطبيعة الحال حقوق النساء، لم ير  صحفييوها في بطلة سوفيتية سوى امرأة، في حين أن الاتحاد السوفيتي الذي صورته نفس الدعاية كنموذج للحكم الشمولي القمعي، لم يقيم تلك الجندية وفقاً لنوعها بل كرمها كزملائها من الرجال وفقا لأدائها المبهر في ميدان المعركة.

بعد سنوات عد،٫ تكرر موقف مماثل مع الفدائية الفلسطينية ليلى خالد، التي روت في شهادتها إنها وبعد تمكن رفاقها الفدائيين من تحريرها من سجنها في بريطانيا، وأثناء مؤتمر صحفي عقدته إثر الإفراج عنها، صدمت لدى سماع أسئلة للصحفيين الأجانب من قبيل: «هل جربت الحب من قبل؟».. ‎تساءلت خالد ما علاقة هذا بكونها فدائية؟ هل يتصور هؤلاء المراسلون إن الفدائي شخص بلا قلب أم أن هذه الأسئلة توجه لها بالذات لكونها امرأة؟

الفدائية الفلسطينية ليلى خالد

ومن الملاحظ أن الإعلام ذاته الذي سفه مراسلوه من نضال بافليشنكو وخالد، هو الذي يحتفي اليوم بنماذج نسائية مغايره. فهو يفرد مساحة واسعة للناشطة الباكستانية الشابة ملالا يوسفزي التي استهدفها تنظيم طالبان باكستان في محاولة اغتيال لدورها في تعليم الفتيات في بلادها، وهو احتفاء أثار تساؤل النائب البريطاني اليساري جورج غالاوي الذي غرد عبر موقع «تويتر» قائلاً إن هذا الاحتفاء يرجع لكونها استهدفت من قبل عدو الولايات المتحدة، أما لو كانت ملالا واحدة من بين عشرات النساء الأفغانيات والباكستانيات اللواتي لقين مصرعهن في الغارات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار لما سمعنا عنها على الإطلاق.

ملالا يوسفزي

‎ومن الطريف أن الإعلام الامريكي الذي يبرز دور مقاتلات ميليشيات البشمركه الكرديه اللواتي يقاتلن ضد داعش في العراق يستنكر نفس الدور إذ لعبته نساء فلسطينيات، وهو يحتفي بالمرأة الإيرانية مثلا فقط إن ناضلت ضد النظام الحاكم حالياً، ولا يبرز إطلاقا حقيقة تاريخية بسيطة مفادها أن المرأة الإيرانية التي ترتدي الشادور -الزي التقليدي الإيراني- كانت في مقدمة الصفوف في ثورة عام ١٩٧٩ رغم إدراكها التام لإمكانية أن تلقى مصرعها على يد قوات أمن الشاه، وهو الدور الذي أدركه تماما قائد الثورة آية الله خميني حين وجه خطابه الى النساء الإيرانيات لدى عودته من منفاه قاىلاً لهم «لولاكم لما انتصرنا».

نساء ايرانيات يشاركن في الثوره 

‎ولا يقتصر التجاهل هنا على النساء المسلمات أو العربيات وإنما يمتد أيضاً إلى النساء السود، إذ أثارت حركة «حياة السود مهمة» الناشطة حاليا في الولايات المتحدة قضية «تناسي» الإعلام الإرث النضالي لنساء سود من أمثال هارييت توبمان الناشطة ضد العبودية، وصولاً الى أنجيلا ديفيس المناضلة اليسارية التي سجنت في السبعينات لدورها في دعم حزب «الفهود السود» الداعي إلى الكفاح المسلح لنيل المساواة.

‎ولعل السبعينات تحديداً هي المدخل لفهم هذا المنهج الإعلامي في انتقاء نماذج نسوية بعينها دون غيرها، فمع منتصف ذلك العقد وجد النظام الرأسمالي الأمريكي ذاته يواجه تحديات على أكثر من صعيد.

‎ففي الخارج، كان يخوض حرباً شرسة في فيتنام ضد شعب بأكمله، تمكنت قيادته من تجييش رجاله ونسائه على حد سواء في حرب شعبيه استنزفت الجيش الأمريكي على مدار عشر سنوات،

النساء الفيتناميات يشاركن بقوة في الحرب ضد امريكا

‎وفي الداخل كانت حركة مناهضة حرب فيتنام تتوسع وتضم قطاعات مختلفة من المجتمع الأمريكي متجاوزة العرق (اللون) والنوع (ذكر أو أنثى).

لم ينجح القمع الأمني العنيف للغاية، الذي وصل إلى حد قتل النشطاء في بعض الأحيان، في عهد الرئيس نيكسون في وقف الحرك، لذا لجأت إدارة الرئيس كارتر المنتمي إلى الحزب الديمقراطي إلى أسلوب آخر وهو احتواء الحركة من خلال «تقسيم» النضال إذا صح التعبير.

الرئيس كارتر

فبدلاً من النضال المشترك الذي يجمع البيض والسود والرجال والنساء، تصاعدت منذ أواخر السبعينات فكرة النضال على أساس فئوي أو نوعي على غرار الحركه النسوية.

ألا أن قسما من «النسوية» الجديدة  كانت مختلفة هذه المرة  تمام الاختلاف عن تلك التي شهدها مطلع القرن العشرين وطالبت بالحق في التصويت والانتخاب على أساس المواطنة أو التي شهدتها الستينيات وحملت طابعاً يسارياً مطالباً بالعدالة الاجتماعية.

النساء يحصلن على الحق في التصويت مطلع القرن العشرين

‎فهذه الشريحة من النسوية الجديدة لا تتحدى النظام الاجتماعي الرأسمالي، ولا تدعو لتغييره ولا تطرح بديلاً له اكثر عدالة وإنما ينصب تركيزها على الفرد، على الأنثى في حد ذاتها وعلى علاقتها بالرجل بمعزل عن المجتمع الذي ينتمي إليه كليهما.

في مقال لها في جريدة «الجارديان» البريطانية عام ٢٠١٣ ترى أستاذة الفلسفة والسياسة في معهد نيويورك للأبحاث الاجتماعية نانسي فرايزر أن «شريحة من النسوية الحالية بتركيزها على ضرورة عمل المرأة ورفضها وانتقادها لفكرة تفرغ المرأة  لتربية أولادها فترة كافية، قد صبت بالمزيد من النساء إلى سوق العمل موفرة للنظام الرأسمالي النيوليبرالي عماله رخيصة».

‎وتضيف: هذا النوع من النسوية قدم خدمة أخرى للنظام، فبدلاً من النضال ضد الظلم الناجم عن أسباب اقتصادية محددة مثل التفاوت في مستوى الدخل، يركز هذا النوع من الحركات النسوية حالياً على قضايا الظلم الواقع على الأفراد لا الفئات، والذي لا شأن له بالسياسات الاقتصادية أي من نوعية العنف المنزلي أو الحق في الاجهاض…الخ.

‎وتخلص فرايزر إلى أن هذا النوع من النسوية تنتصر لفكرة مناسبة تماما للنهج النيوليبرالي وهي «الفردية»، حيث أصبح النضال الفردي بديلاً عن النضال الجماعي.

نانسي فرايزر

‎لقد أدرك النظام العالمي المهيمن  -في رأيي الشخصي – منذ أمد بعيد مدى خطورة نماذج مثل خالد وبافليشنكو وديفيس وغيرهن، فكان من الطبيعي التعتيم على نضالاتهن وتصدير نماذج مغايرة تماماً لا تتعارض مع أجندته ولا تهدد سياساته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق