رؤى

المراة الهندية ومازق الثقافة الهندوسية المحافظة

«سواء كنا نعاني من القهر أو نُعامل بوصفنا سلعا وماشية ونُرغم على الاحتراق مع جثامين أزواجنا، فإن أمر خلاصنا يبقى في أيدينا، سوف نحطم الأسوار التي تسجننا ونمزق الأستار التي تحجبنا وتخنقنا، وسوف نفعل ذلك عبر المعجزة الموجودة فينا بوصفنا نساء، ولم نطلب من أي صديق أو عدو متخفٍ في زي صديق أن يأتي ليستغلنا وهو يتظاهر بأنه يفسر أمرنا بوصفنا نساء وينجدنا ويواسينا».. هكذا عبرت إحدى النساء الهنديات في النصف الأول من القرن العشرين عن موقفها من كتاب «الهند – الأم» للكاتبة الأمريكية المولد كاثرين مايو الذي تناولت فيه حياة المرأة الهندية.

الدكتورة هدى الصدّة مديرة مؤسسة المرأة والذاكرة في تقديمها للكتاب الذي قامت بتحريره تحت عنوان «النسوية والدراسات التاريخية» الصادر ضمن سلسلة «ترجمات نسوية» عن مؤسسة المرأة والذاكرة وترجمته إلى العربية عبير عباس تشير إلى أن كتابة تاريخ النساء من واقع خبراتهن وأصواتهن يظل من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل داخل الأدبيات النسوية، فمع تسليط الضوء على عدم الحيادية في كتابة التاريخ التي أدت إلى استبعاد الفئات المهمشة من الرواية التاريخية، سعت الباحثات النسويات إلى التركيز على الاستكشاف والإنصات إلى أصوات النساء بشكل مباشر وليس عبر كتابات تتحدث عنهن، وربما كان هذا ما يفسر سر الاهتمام بالسير الذاتية واليوميات وكل ما يجىء على لسان صاحبات الشأن أنفسهن.

الدكتورة هدى الصدّة

الهند- الأم

الباحثة الهندية مريناليني سينها في دراستها «النوع وانتقادات نزعتي الاستعمار والقومية.. تحديد موقع المرأة الهندية» الصادرة ضمن دراسات كتاب «النسوية والدراسات التاريخية»، حاولت تحديد موقع المرأة الهندية والسياسات النسوية إبان فترة الاستعمار، وذلك عبر مسح أجرته لعدد من الدراسات التي تناولت سياسة الاستعمار والقومية، إلى جانب تلك الكتابات التي صدرت خلال الجدل حول كتاب المؤلفة الأمريكية المولد كاثرين مايو الصادر عام 1929 تحت عنوان «الهند-الأم» وذلك في محاولة لاستجلاء صوت النساء الهنديات ومعرفة قضاياهن وكيف تم التعبير عنها.

وسط تلك الخطابات الاستعمارية التي كانت سائدة والقوميات المتصارعة لفتت مريناليني سينها النظر إلى تلك الدراسة التي أجرتها كلا من كومكوم سانجاري وسوديش فيد حول «البطريركية» في بلاد الهند خلال عصر الاستعمار، مشيرة إلى أن التأريخ النسوي لا يعد مجرد كتابة «تاريخ النساء»، فطبقا للمؤلفتين تتولى الكتابة التاريخية النسوية التفكير في مسألة الكتابة التاريخية برمتها من منطلق جديد يهدف إلى تناول الاختلاف «النوعي»، بوصفه عاملا في تشكيل مجموعة العلاقات الاجتماعية العريضة التي هو أيضا من تشكيلها. فالتأريخ النسوي وفقا لتلك الدراسة ليس اختيارا كاختيار نطاق الدراسة أو مجالها ولا هو مجرد تضمين للنساء ولا تقييم لمدى اشتراكهن في حركات معينة، وإنما هو بمثابة منهاج في طرح الأسئلة ينبغي أن يشكل أساس كافة المساعي الرامية إلى إعادة كتابة التاريخ من جديد.

الاستعمار البريطاني للهند

ركز كتاب «الهند – الأم» على شتى مظاهر الإجحاف التي تفرضها الثقافة الهندوسية على النساء، ومنها على سبيل المثال ضرورة زواج الإناث في سن مبكر إلى جانب الإنجاب المبكر، كما فتح الكتاب نقاش واسع حول مختلف «الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والسياسية» التي كانت تعاني منها الهند والتي أرجعتها المؤلفة إلى طبيعة الثقافة الهندوسية ذاتها، حيث خلصت الباحثة من الكتاب إلى أن «الهند بصفتها أبعد شىء عن كونها مهيأة لأن تحكم نفسها بنفسها»؟! فهى على حد وصفها: «لا تزال في حاجة إلى استمرار تأثير الاستعمار البريطاني العامل على إدخال الحضارة إليها»؟!.

في خضم حالة الجدل حول كتاب «الهند – الأم» نشرت صحيفة «التايمز» اللندنية مقال بعنوان: «نساء الهند: هل هن بلا صوت؟» .. في المقابل سارع البعض بالرد على ذلك التساؤل فخرج كتاب «الهند-الأخت» الذي حرص على إبراز حجم الرفض النسائي لكتاب «الهند-الأم» تم فيه توثيق العديد من الاجتماعات النسائية بحضور زعيمات الحركة النسوية الهندية آنذاك التي عُقِدَت احتجاجا على الوصف الذي صورت به الكاتبة حياة النساء الهنديات.

توالت الكتب التي اتخذت من معارضة كتاب «الهند –الأم» منطلقا لها، كان منها كتاب «جنس بلاد الهند الناعم»، ردا على «الهند –الأم» للكاتبة تشارولاتا ديفي التي حرصت على تقديم صور مشرفة لنساء هنديات بارزات في مواجهة الصورة الكئيبة التي رسمتها كاثرين مايو.

كاثرين مايو

الجمعيات والروابط النسائية الهندية نظرت لكتاب «الهند-الأم» بوصفه إهانة وجهت للنساء الهنديات وتجلت تلك الرؤية عبر ذلك القرار الذي اقترحته السيدة ميرزا إسماعيل خلال مؤتمر «مايسور لتعليم النساء» باعتبار كتاب كاثرين مايو: «يتباين مع قيم ومثل المرأة الهندية التي تلهمها طريق الحياة بشكل أسعد كثيرا مما يبدو أن النساء في بلدان أخرى تعرفه».

الحركة النسائية بالهند

هيأ النضال السياسي الذي خاضته الحركة النسائية الهندية في سياق الجدل حول كتاب «الهند – الأم» الساحة لاشتباك نساء الطبقة الوسطى الهندية بالقضايا النسوية، حيث بات المناخ العام مُهيأ لاستقبال أجندة عمل نسوية تعتني بقضايا النساء، ومن ثم أصبح الحديث عن ضرورة إصلاح وضع النساء في الهند أمرا مشروعا.

أبدت المنظمات النسائية حرصا على أن تبتعد عن الدعاية الإمبريالية التي عكسها موقف كاثرين مايو، غير أنها استغلت تلك الجلبة التي أثارها الكتاب لتسهيل حملتها المتعلقة بالتشريعات الخاصة بالزواج المبكر للإناث وبعض التشريعات الأخرى المعادية للنساء.

الزواج المبكر للإناث

انتقدت مريناليني موقف الحركة النسائية الهندية آنذاك، ووصفته بأنه يكشف عن طابع نخبوي، ذلك أن الحركة النسائية كانت قد حرصت على إثارة قضية الزواج المبكر للإناث وتجاهلت بالوقت ذاته بعض القضايا مثل قضية الأجور المنخفضة للعاملات، مثل الحكيمة أو الداية التي تتقاضى أجر غير كاف.

عاملات هنديات

على الجانب الأخر لم تلق الحركة النسائية الهندية بذلك الوقت أي اعتراف بدورها في تعديل تشريعات سن زواج الإناث، حيث ساد رأي عام عالمي أرجع الفضل كله في تعيين لجنة تحديد سن الإدراك ومرور مشروع قانون «ساردا» الخاص بسن زواج الإناث إلى كتاب «الهند – الأم» وصاحبته كاثرين مايو، حتى أن جريدة «النيويورك تايمز» نشرت تقريرا يحمل عنوان: «كتاب الآنسة مايو عن الهند يحرك الأمور في قضية زواج الإناث في سن الطفولة»، وأشار التقرير إلى أن كاثرين مايو وأنصارها كان لهم دورا فاعلا في الترويج لرأي القائل بأن الهنود اضطروا اضطرارا إلى مناصرة التعديلات التشريعية حرجا وخزيا بفضل شجاعتها التي «فضحتهم» في كتابها.

عملية الكتابة التاريخية وفقا لمريناليني تنطوي بالأساس على القيام بالتأريخ لتلك الشروط التي تنشأ في سياقها السياسات والهويات، إلى جانب كونها عبارة عن ممارسة تدخلية تعيد خلق الماضي لحساب الحاضر، وعلى ذلك فإن الكتابة التاريخية التي تنطلق من المنظور النسوي إنما تتيح إمكانات جديدة تتعلق بطبيعة تصور تحديد «موقف/موقع» النساء والسياسات النسوية المتبعة.

تطرقت الدراسة لقضية صياغة هوية المرأة الهندية خلال القرن العشرين ومأزق الإصلاحيين الذين سعوا إلى تحديث الأمة وفقا للنموذج الغربي وفي ذات الوقت حاولوا التمسك بهوية قومية جوهرية لدعم مطلب الاستقلال، كان الحل من وجهة نظرهم يتمثل في اعتبار المرأة الهندية رمزا للهوية الهندية الأصلية التي تنفتح على العالم الحديث ولكنها تظل متمسكة بتقاليد وأسس «الأسرة الهندية».

تختتم مريناليني سينها دراستها بلفت النظر إلى أن السنوات الأخيرة قد شهدت قيام عدة حركات شجعت على الولاء للطائفة أو الجماعة الإثنية، فضلا عن حركات تعزيز الثقافة الوطنية في الهند المعنية بتشكيل وإعادة تشكيل المرأة «الهندية/الهندوسية» بوصفها ذاتا وموضوعا في ظل خطاب مناوىء للديمقراطية، الأمر الذي يحتم على الباحثات والباحثين الذين يتبنون المنظور النسوي في دراستهم ضرورة تقديم نظرة نقدية إلى دلالات إعادة ظهور هوية محالة إلى جوهر ثابت ومحاطة بنظرة غير تاريخية، هوية تم فصلها عن السياقات السياسية والاقتصادية التي يجري انتاجها فيها، هوية معادية تماما للموقع المستحق للنساء الهنديات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: