رؤى

النسوية بين الاساطير والصور النمطية الشائعة عن المراة(٣)

تظهر النساء في سرديات دراسات التنمية كبطلات وضحايا في آن واحد، تتجلى بطولاتهن في القدرة على النضال والصمود في سبيل تحقيق هدفهن في العمل والإستقلال، فيما هن ضحايا هضم حقهن في الإختيار الحر في كثير من الأحيان، نتيجة تلك الثقافة المجتمعية التي مازالت تتحفظ على حركة النساء بالمجال العام، وتلك الأطر التشريعية والقيم والأيدلوجيات والمؤسسات الإجتماعية المتحيزة في بعض الأحيان ضد النساء، ومع تنوع الدراسات التي تناولت قضايا النساء، بات التساؤل المطروح داخل مجال العلوم الإجتماعية يتمثل في: «هل توجد طريقة بحث نسوية مميزة يمكنها الطعن في منهجيات البحث التقليدية أو تكملتها؟».

في إطار جهود مؤسسة «المرأة والذاكرة» الرامية نحو توفير سبل دعم مناهج الفكر والتحليل النسوي في العالم العربي أصدرت المؤسسة ضمن سلسلة «ترجمات نسوية» كتاب «دراسة النوع والعلوم الإجتماعية» تحرير وتقديم دكتورة هانيا شلقامي أستاذة علم الأنثربولوجيا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وترجمته إلى العربية دكتورة سهام عبد السلام.

دكتورة هانيا شلقامي

تضمن الكتاب عدد من الدراسات التي تنتمي لأرضيات تخصصية متنوعة منها الأنثروبولوجيا والإقتصاد السياسي ودراسات التنمية والدراسات النسوية في محاولة لطرح رؤية أكثر شمولية لمختلف المداخل الإجتماعية في دراسة قضايا النوع الإجتماعي وقضايا النساء بشكل عام.

ما الجديد في التحليلات النسوية؟

تستهل الباحثة ساندرا هاردينج عرض رؤيتها حول الجديد الذي أتت به التحليلات النسوية بالإشارة إلى أن نقاد العلوم الإجتماعية التقليدية يذهبون إلى أن أزمة تلك العلوم تنبع من كون تحليلاتها تستند على خبرات الرجال فحسب، بمعنى أن الأسئلة المطروحة كانت دائما تعد إشكالية خرجت من عالم خبرات الرجال، في حين أن أحد السمات المميزة للبحث النسوي أنه يولد إشكالياته من منظور خبرات النساء، وهو ما أنعكس بدوره على طريقة فهم الباحثات والباحثين للعالم المحيط بهم.

تحليلات البحث النسوي لدى هاردينج تقوم على الإختلاف فالعالم لا يضم «رجل» واحد موحد أو «امرأة» واحدة موحدة، بل يضم العالم نساء مختلفات ورجال مختلفين، فالنساء والرجال ينتمون لطبقات وأعراق وثقافات مختلفة، وهو ما ينعكس بدوره على طريقة فهم كل فئة للعالم المحيط بها، فطريقة فهم المنتمين لفئة المثقفين على سبيل المثال لقضية ما قد تكون مغايرة تماما لفهم ذات القضية لدى فئة أخرى، بل أن الأمر قد يزداد حدة في كون الفرد ذاته قد يتعرض لنوعا ما من الصراع الداخلي حال تعرضه لقضية ما وتضرب هاردينج المثل بذلك الصراع الداخلي الذي قد تتعرض له في بعض الأحيان نتيجة قيامها بدورين قد يصبحا في لحظة ما متعارضين دورها «كأستاذة جامعية» ودورها «كأم».

البحث النسوي وفقا لهاردينج يتميز بكونه يقوم على أن يضع الباحث/الباحثة نفسه موضع النقد بمعنى أنه يمكن أن تتضمن نتائج البحث تقديم الباحث/الباحثة لنفسه من حيث النوع والإنتماء الطبقي والعرقي والثقافي والمعتقدات والسلوكيات وهل أثرت صورة إنتماء الباحث/الباحثة هذه على تشكيل المشروع البحثي وذلك في محاولة للتغلب على طبيعة السلطة الخفية المجهولة التي قد يستند إليها الباحث/الباحثة بان يصبح شخصا واقعيا له/لها تاريخ ورغبات ومصالح واضحة وجلية.

الإعتراف أذن بكون الباحث/الباحثة بكل ما يحمله من ثقافة ورؤية يؤثر على نتائج البحث في العلوم الإجتماعية عاد جليا، فالحديث عن <الحياد والموضوعية> أصبح محل شك كبير .. الموضوعية باتت أن يقدم الباحث/الباحثة نفسه  بوضوح معلنا عن معتقداته الثقافية وإنحيازاته الإجتماعية.

لغة التنمية : خرافة الصورة الشائعة

الباحثات أندريا كورنوول وإليزابيث هاريسون وآن وايتهيد في دراستهن «أساطير النوع والخرافات النسوية: النضال من أجل قوة التأويل في مجال النوع والتنمية» يطرحن قضية العلاقة بين الفكر النسوي والتنمية وكيف أن سرديات التنمية تقوم على إشاعة صور رمزية للنساء تقوم على الإستعانة بعالم الأساطير إلى جانب الإستناد إلى لغات تحليل أثارت الكثير من الجدل.

الدراسة تشير إلى أن العديد من الباحثات النسويات قد اعربن عن إنزعاجهن جراء محاولة تحويل المعارف النسوية إلى مخططات تنموية لما قد يعتري تلك المخططات من أزمات تتعلق بتحويل الصورة الأسطورية إلى مجرد خرافة تزيد من تدهور الصورة الشائعة عن عالم النساء.

تستشهد الدراسة بوصف ميليسا ليتش للطرق التي صارت بها صور معينة من صور علاقات النساء بالبيئة بمثابة «رموز بصرية تنموية» بوصفها تلخص «رسائل قوية وجذابة» وكيف أن النساء لديهن ميل طبيعي نحو القيام بدور المحافظات على الموارد والحاميات لحمى الطبيعة، غير أن ليتش تعود إلى التأكيد على أن استخدام الأفكار المثالية حول صورة النساء لما هو نفعي يعود على المدي البعيد بالضرر على قضايا النساء ذاتها.

ميليسا ليتش

في هذا السياق لفتت الدراسة النظر إلى تلك المراجعة التي أجرتها مرسيدس دي لاروشا لدراستها حول «الفقر بالمناطق الحضرية بالمكسيك» وكيف أنها خرجت من الدراسة وهى تطرح «أسطورة القدرة على البقاء» التي يتمتع بها الفقراء مشيرة إلى أن البحوث التي اجريت فيما بعد قد شككت في تلك الأسطورة فحين عانت المكسيك عام 1994 من أزمة مالية حادة وفقد الكثيرين أعمالهم الدائمة لم تكن تلك الأسطورة مجدية في شيىء وبذا تحولت «الأسطورة» إلى «خرافة» حيث كانت «الأسطورة» قد جاءت مشحونة بالكثير من الرسائل الأخلاقية والرؤى المنحازة.

أسطورة النساء (غير فاسدات)

تلفت الباحثات النظر إلى دراسة آن ماري جوتز المتعلقة بدراسة قضايا الفساد وكيف أن الملاحظة العملية الخاصة بكون النساء اللاتي يأخذن رشاوي أقل من الرجال وأن النساء أقل تورطا في الصفقات السياسية المشبوهة والتي تُفَسر في مجملها بأن ذلك يرجع لكون النساء أكثر تمسكا بالأخلاق القويمة من الرجال، لهو أمر يحتاج إلى الكثير من التشكك.

ماري جوتز

تشير جوتز إلى أن فكرة ربط المعتقدات عن فضائل النساء بعدم قابليتهن للإفساد ليست بجديدة، فهى فكرة تقوم على أساس أفكار جوهرية عن الطبيعة الأخلاقية الرفيعة للنساء وميلهن لإستخدام حساسيتهن الأخلاقية الرفيعة للتأثير في الحياة العامة وخاصة على السلوك السياسي، وتاريخيا كثيرا ما لجاءت الداعيات لإعطاء النساء حق التصويت من استخدام هذه الفكرة. غير أن جوتز تعود لتشير إلى ضرورة دراسة السياق الذي يتيح الإتيان بالسلوك الفاسد، ذلك أن عدم المساواة بين النساء والرجال في الوصول إلى الوظائف العليا على نطاق واسع من شأنه الحد من إتيان النساء السلوك الفاسد طالما ظلت النساء مستبعدات من مراكز الولاية والقوة التي يسودها الرجال.

دراسة جوتز تعد واحدة من أبحاث عدة تذهب إلى أن الأساطير المرتبطة بطبيعة النساء في حاجة إلى المراجعة والبحث في سياقتها الملائمة، وهو ما من شانه الدفع نحو تقديم فهم أعمق لطبيعة نتائج الدراسات التي تقوم على التعميم وإضفاء الصبغة العالمية على الجميع.

الدراسة تنتهي إلى أن إلتقاء المعرفة النسوية بالتنمية قائم في كثير من الأحيان على أن يظل الفكر النسوي شديد الهامشية، فالخبير الجيد في مجال الفقر داخل عالم التنمية هو ذاك الخبير الذي لم يقرأ أيا من الكتابات النسوية التي تناولت قضية الفقر. غير أن التغيرات التي طرأت نسبيا مؤخرا على خطاب التنمية الدولي والسياسة الدولية ربما يعد أحد تجليات التغيرات التي حدثت في ميزان القوى الإجتماعية، فما يلزم لتنمية العالم ليس إعادة ترتيب المعرفة بقدر ما هو إعادة ترتيب موازين القوة التي تصوغ شكل العلاقة بين منتجي المعرفة ومخططي السياسات التنموية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق