رؤى

ترمب يمهد الطريق أمام طالبان المتطرفة لاستعادة أفغانستان

بول روجرز – زميل أول في قسم الأمن الدولي في “مجموعة أكسفورد للبحوث”، وأستاذ دراسات السلام بجامعة برادفورد

عرض وترجمة: أحمد بركات

إبان حملته الإنتخابية في عام 2016، تعهد الرئيس المحتمل آنذاك، دونالد ترمب بـ “إعادة أبنائنا إلى الوطن”. ( وهو التعبير الامريكي المعروف للاشارة الي القوات الامريكية المنخرطة في مهام قتالية خارج الحدود ) إلى جانب ذلك، انتقد ترمب بشدة ألمانيا وسائر دول حلف الناتو لعدم تحملها تكاليف الإنفاق العسكري الخاصة بها. وقد تابع الرئيس الأمريكي كلا الموضوعين في الأسبوع الأخير من يوليو الماضي ببدء تقليل الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، على الرغم من تحويل البعض إلى بولندا وترك جميع آليات العودة السريعة على حالها، بحيث بات مدى “العودة إلى الوطن” أبعد مما يبدو

بعض قوات الناتو بدات في الانسحاب من افغانستان

ويمثل إخراج القوات الأمريكية من الشرق الأوسط شأنا آخر، حيث يتم دمج العديد من وحدات الجيش في عدد أقل من القواعد العسكرية في العراق، أو نقلها إلى الكويت المجاورة. وتلزم البحرية الأمريكية مكانها أيضا بسبب المواجهة مع إيران، وتمتلك حاليا مجموعتين قتاليتين حاملتين للطائرات داخل المنطقة.

لكن، عندما يتعلق الأمر بأفغانستان، فإن ترمب لا ينفرد وحده برغبة الخروج من واحدة من أطول الحروب في التاريخ العسكري الأمريكي. لكن مشكلته تكمن فقط في تنفيذ خطة الخروج دون أن تلاحقه أية اتهامات بالهزيمة أو الإخفاق، وهو ما يبدو مهمة شاقة بكل المقاييس. ففي الأسبوع الماضي فقط عُقدت العديد من المؤتمرات الصحفية عن بعض محاصيل الخشخاش الأكثر كثافة في ولاية هلمند التي تنتشر فيها ألواح الطاقة الشمسية

 ازدهار زراعة الافيون في مناطق طالبان 

مما يوفر لها قدرة ضخ عالية تساعد في ري هذه المحاصيل. وتفيد مصادر تابعة للأمم المتحدة أن حوالي 80% من الأفيون الأفغاني يأتي من هلمند، وبما أن أفغانستان هي أكبر مصدر عالمي، أو بتعبير أدق المصدر المهيمن، على هذا النبات فإن هذا يعني أن هذه الولاية وحدها تنتج حوالي ثلثي الإنتاج العالمي.

وبسبب ذلك، كانت هلمند أحد أهم المناطق المتنازع عليها في هذه الحرب المريرة. وتظهر السجلات أن جميع الجنود البريطانيين الذين قتلوا في أفغانستان، والبالغ عددهم 454 جنديا، قد لقوا حتفهم جميعا – عدا خمسة فقط – في هلمند. وتكبدت القوات البحرية الأمريكية أيضا خسائر مفجعة عندما حاولت قوات التحالف الإطاحة بطالبان من هذه الولاية في بداية العقد الثاني من هذا القرن.

الواح الطاقة الشمسية وفرت طاقة غير مسبوقة لري الخشخاش 

ومع استمرار الزراعة القائمة على الأفيون، فإن أي حديث عن أي انتصار أمريكي يصبح دربا من العبث، ولن يكون له صدى في الحملات الانتخابية. لهذا السبب يعد اتفاق فبراير مع طالبان حدثا مهما، وتتمثل الحاجة الآن في تقديمه في صورة صفقة مقبولة. ربما يكون الواقع مختلفا نوعا ما، لكن يبدو أن ترمب، صانع الصفقات العظيمة دائما، يثبت مرة أخرى أنه لا شيء سوى ذلك.

بموجب اتفاق 29 فبراير الذي وقع في الدوحة/ قطر والذي يمثل صفقة أمريكية -طالبانية لم تشمل الحكومة الأفغانية المنتخبة، فإن جميع القوات الأجنبية ستغادر أفغانستان في مايو القادم، مما سيتيح إجراء مفاوضات سلام بين طالبان والحكومة. لن يكون وقف إطلاق النار الرسمي ضمن بنود هذا السلام، لكن طالبان اتفقت مع واشنطن على “عدم السماح لأي من عناصرها، أو لأي أفراد آخرين بما في ذلك عناصر تنظيم القاعدة باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها” (Gabriel Dominguez, ‘Heading for the Exit’, Janes Defence Weekly, 29 July 2020).

خروج القوات الأجنبية

منذ ذلك الحين، تحرك البنتاجون سريعا. وتم الاتفاق على الجداول الزمنية مع طالبان. وغادر على إثر ذلك 3400 جندي، من إجمالي 12 ألف، أفغانستان بالفعل. وشاركت في ذلك دول أخرى من حلف الناتو، وبالتالي تم تقليل القوات الأجنبية من 16 ألف جندي إلى 12 ألف فقط. ربما لا يزال آلاف المقاولين العسكريين الاجانب  غير الرسميين موجودين في الجوار، وذلك بالأساس من أجل حماية المصالح الغربية في كابول وغيرها من المدن، لكن هذا لن يظهر في أي إعلان من قبل البيت الأبيض ولن يشكل جزءا من أي حوار هادئ على موائد التفاوض.

إن المعدلات الدقيقة للانسحاب من الآن فصاعدا ليست مؤكدة، ولكن الاحتمال الأكبر هو أن ترمب سوف يعلن في أكتوبر القادم أن نصف القوات تقريبا قد عادت إلى أرض الوطن، وأن المزيد في الطريق. لكن، بالنظر إلى الأزمة التي خلفها تفشي وباء كوفيد – 19، وغيره من المشكلات التي يعانيها ترمب، فإن هذا الإعلان لن يكون – انتخابيا – مؤثرا كما كان يأمل ترمب وقت إعلان الصفقة في فبراير الماضي، لكنه على أية حال سوف يكون مفيدا نوعا ما في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية.

ومع ذلك، فإن كل شيء ليس كما يبدو. أولا لم تبدأ حتى الآن المحادثات بين طالبان وكابول التي كان مقررا البدء فيها في 10 مارس الماضي. ومع ذلك، وبعد شهور من الجمود الذي عادة ما يسبق التفاوض، لاحت هذا الأسبوع من بعيد مؤشرات على التقدم في هذا المسار، حيث وافقت حكومة كابول على إطلاق سراح سجناء، واستجابت طالبان بوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة ايام خلال عطلة العيد

 وقف اطلاق النار  الاخير  مع طالبان اعتبر خطوة نحو المفاوضات مع كابول .

دخول طالبان

ثانيا، حتى لو بدأت المحادثات، فقد انخرطت طالبان في حملة مدروسة بدقة بالغة لتقويض الحكومة الأفغانية، في الوقت الذي لم تقم فيه بأي عمل يدفع البيت الأبيض نحو العدول عن قرار الانسحاب. وبحسب تقرير صادر عن البنتاجون في يونيو الماضي تحت عنوان “Enhancing Security and Stability in Afghanistan” (تعزيز الأمن والاستقرار في أفغانستان)، فإن طالبان تتجنب القيام بأي هجوم ضد قوات الولايات المتحدة وغيرها من قوات التحالف، كما تتجنب أيضا تنفيذ هجمات كبرى في المدن المهمة، مثل كابول.

يعطي هذا وسائل الإعلام العالمية انطباعا بالتقدم، لكن طالبان، في الوقت نفسه، تصعد من هجماتها على “قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية”، وتركز بالأساس على  الكمائن اي نقاط التفتيش الثابتة التي تمثل أهدافا سهلة. وقد تسبب هذا العنف المستمر، والخفي إلى حد كبير، في العديد من الخسائر في صفوف الضحايا المدنيين، حيث شهدت الشهور الستة الأولى من هذا العام سقوط 600 من المواطنين الأفغان ما بين قتيل وجريح.

وبناء على هذا فإن استراتيجية طالبان لا يعوزها مزيد من الوضوح، حيث تقوم على استهداف أفراد “قوات الدفاع والأمن الوطنية”، دون معاداة البنتاجون، مما يجعلها تتفاوض من موقع قوة مع كابول بعد مغادرة الولايات المتحدة وحلفائها. تستطيع طالبان بعد ذلك أن تزعم أنها حققت نجاحا لافتا؛ إذ بعد ثلاث أو أربع سنوات فقط سوف تمتلك نصيب الأسد من حكم أفغانستان، وربما أيضا تستعيد السيطرة عليها كاملة في غضون عقد من الزمان. ومن جانبه، قد يحاول ترمب أن يدعي النجاح أيضا، لكن هذا النجاح المزعوم سيكون في أي شيء سوى أفغانستان.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: