ثقافة

«الثقافة الجماهيرية».. حلم ٢٣ يوليو الذي يبحث عن منقذ

بعد النجاح المبهر لمشروع يوليو الثقافي تحول الازدهار مؤخرا إلى بيروقراطية وفشل.. 

مبكرا أدركت ثورة يوليو أهمية الثقافة، وضرورة أن تتولى الدولة تقديم خدمة ثقافية وفنية، كما تتولى توفير الخدمات الأخرى كالتعليم والصحة والسكن.

سعت الثورة منذ بداياتها على أن يجتمع المثقفون فى مؤسسة رسمية تتولى صياغة الوعى، وتصل بالمنتج الثقافي لكل قرية مصرية، ولم يكن الحلم الذى عبر عنه الراحل صلاح جاهين حين قال:

“تماثيل رخام ع الترعة .. وأوبرا فى كل قرية عربية” مجرد خيال شاعر، بل كان جزءا من حلم قومي لصناع الثقافة المصرية، ولأول مرة فى تاريخ مصر المعاصر تتولى الدولة تقديم تلك الخدمة للمواطن بمختلف مستوياته الاجتماعية والمهنية والاقتصادية بإعتباره حقا له وواجبا عليها.

قبل ٢٣ يوليو لم تكن الثقافة ضمن الخدمات التى تقدمها الدولة، وكان المثقفون يمارسون دورهم بشكل فردي أحيانا ومن خلال جمعيات أو كيانات أهلية فى أفضل الأحوال، وكانت ثورة يوليو تبحث عن سد فراغ فكري وسياسي نشأ عن حل الأحزاب السياسية، ودمج المثقفين فى مؤسسة قومية للاستفادة من طاقاتهم لخدمة أهدافها، ولهذا أنشات فى عام 1958 ولأول مرة وزارة للثقافة، وأسندت للدكتور ثروت عكاشة والذي يعتبر صاحب أهم مشروع ثقافى مصرى معاصر والأب المؤسس لها وضع رؤيته فى “الثقافة الجامعة” – هذا المسمى لها أثناء تبيعتها لوزارة المعارف ” وكان أول قراراته بتحويل الثقافة الجامعة إلى مسمى جديد بعنوان “الثقافة الجماهيرية”، بما يمثله هذا الاسم من دلالات مهمة، سواء فى التوجه والشرائح المستهدفة أوالمضمون الثقافى الذى يقدم.

‎ولأول مرة تهبط الفنون والثقافة من علياء النخب لتلتصق بالناس أكثر وأكثر، وتعبر عنهم وتبحث بينهم عن مواهب وأصوات جديدة فى كل المجالات.

يتوسع “عكاشة ” فى الأنشطة الفنية والثقافية فينشئ فى كل مبنى من مبانيها مسرحًا لتقديم العروض المسرحية، وقاعة للندوات والمؤتمرات، ويحسن اختيار القادة المناسبين فى المنشآت الثقافيه المختلفة

سعد كامل .. المثقف العضوي

وخلف كل هذا المشروع العملاق للثقافة الجماهيرية كان يقف عدد من كبار المبدعين وأشدهم إخلاصا لمفهوم جماهيرية الثقافة، وعلى رأس هؤلاء كان “سعد كامل ” ذلك المثقف العضوي الذي قضى عمره بين صفوف الناس، يزرع الأمل ويدعو للمقاومة ويتنقل كالفراشة بين أدوار وطنية عديدة ومتنوعة.

سعد كامل
سعد كامل

كان “سعد كامل ” مثقفا صاحب موقف وطنى وانحياز اجتماعى واضح، ينتصر للفقراء والمهمشين وللثقافة التقدمية دائما، خاض نضالات ضد الاحتلال البريطاني، وكان بين المتهمين فى قضية مقتل أمين عثمان، وترك هذا الطريق الذى يصنع تغييرا حقيقيا وانضم للحزب الوطنى بقيادة فتحى رضوان، وفى نفس الوقت انضم إلى حركة السلام، بل كان من مؤسسيها، وهى حركة سياسية عالمية ذات توجه يسارى المنشأ، ولدت كرد فعل لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، تهدف إلى الحيلولة دون حرب نووية، تأتى على الحضارة الإنسانية كلها، وأصدرت الحركة مجلة (الكاتب) لتكون تعبيراً عن دعوته، وأوكل رئاسة تحريرها إلى سعد كامل وقدم خلالها عددا من شباب الصحفيين صاورا بعد ذلك رموزا وعلامات فى محراب صاحبة الجلالة، من بينهم حسن فؤاد وصلاح حافظ.

إذا كان ثروت عكاشة هو الأب المؤسس لأول مشروع ثقافى رسمى معاصر فإن سعد كامل هو صانع الثقافة الجماهيرية ومؤسسها، وأهم علاماتها الفكرية والإدارية رغم قصر المدة التى قضاها مسؤلا عنها والتى لم تتجاوز عاماً وبضعة أشهر،  وكانت التجربة زاخرة  بالمقاتلين الذين شاركوا فى صنع نجاحها وساهوا فى تأسيسها فكان الفنان التشكيلى الكبير ” عزالدين نجيب” مديرا لقصر ثقافة  كفرالشيخ، رغم أنه لم يكن قد تجاوز عمره 26عاما حينذاك و أنشأ فصولًا لمحو الأمية فى القصر الذى كان يرأسه، و تفاعل كثيرٌ من الجمهور معه وكان ذلك ليذهب الناس للقصر للتعرف على أنشطته ومشاهدة العروض الفنية التى يقدمها القصر.

ثروت عكاشة.. المؤسس للثقافة الجماهيرية برفقة جمال عبد الناصر
ثروت عكاشة.. الأب المؤسس للثقافة الجماهيرية برفقة جمال عبد الناصر

لم يكن “سعد كامل ” وحده فقد رافقته كتيبة من المبدعين الشباب – حينذاك – حملوا الحلم وانتشروا فى كل ربوع مصر، يحملون لواء التنوير ويزرعون الوعى ويقدمون خدمة ثقافيه شاملة، وكان من بين هؤلاء ” حسن إمام” فى بنها و”هانى جابر ” فى السويس و “محمد غنيم ” فى دمنهور و”على أمين ” ثم “محمود دياب ” فى الإسكندرية و”يعقوب الشارونى ” فى بنى سويف و” هبة عنايت ” فى أسيوط و”على سالم ” فى أسوان..

ألقت تلك التجربة بذورها فى التربة المصرية المتعطشة للوعى والمعرفة، وجابت الوطن شمالا وجنوبا وسرعان ما انبتت زهور الإبداع فى كل مجالات الثقافة والفن.

بداية التراجع

لم تستمر تلك التجربة فقد جاء العام 1989 ليشهد تغيير اسم المؤسسة من “الثقافة الجماهيرية ” بكل ما تحمله من دلالات ليصبح “الهيئة العامة لقصور الثقافة”، وقد واجه هذا التغيير رفضا واسعا من المثقفين والفنانين، لكنه أصبح واقعا سواء الاسم الجديد أو المدلول السياسى والثقافى الذى يحمله، وهو أن الثقافة مكانها القصر!

ومن يرغب فى تلقي الخدمة يتوجه إلى المنشآت المخصصة لذلك فى تناقض صارخ مع مفهوم وفلسفة إنشاء تلك المؤسسة ومع الجدوى منها، فقد كان الاسم القديم يعنى فى أحد معانيه حق المواطن فى تلقي خدمة ثقافيه أينما وجد، وهذا ما جعلنا نشاهد “سينما الشارع ” “ومسرح الجرن” “وخيال الظل ” وفرق موسيقية ومسرحية فى كل مصنع وشركة، فلم تكن الثقافة والفنون حكرا على فئة بيعنها بل كانت حالة عامة تسرى فى عروق الملايين، فصاروا أكثر إيمانا بالفنون وأكثر تفاعلا مع الثقافة التى خاطبتهم بلغتهم وارتقت بهم خطوة خطوة، وغيرها من أشكال الخدمات الفنية والثقافية، لقد تبدد الإرث الذى صنعه “سعد كامل “ورفاقة وخلال العقود الأخيرة تم تجريف كل الملامح التى تركتها ثورة يوليو، وغاب الدور القاعدي للثقافة الرسمية وتحول إلى عمل “نخبوى “، وصارت المنشآت الثقافية مهجورة معظم الأحيان، لا ترى فيها الجمهور إلا قليلا، وتراجعت الكفاءات التى تدير النشاط ذاته، وغاب المشروع الثقافى تماما رغم محاولات “فاروق حسنى ” فى استعادة قوتها، لكن يبدو أن منهجه فيما يطلق عليه “الحظيرة الثقافية ” قد أضرت كثيرا بعلاقة المثقف بالمؤسسة الرسمة .

فاروق حسنى
فاروق حسنى وزير الثقافة السابق

كما تعانى الهيئة التى راهنت عليها ثورة يوليو فى حشد الجماهير حولها من جهة وصناعة وعي حقيقي من جهة أخرى صارت تعاني من نقص شديد فى الدعم الحكومي، وتقلصت ميزانياتها والتهام الأجور والمكافآت غالبية تلك الميزانية الضئيلة بالأساس، وهجرها المثقفون بحثا عن آفاق أوسع وأقل بيروقراطية،

لم يكن تغيير الاسم مجرد تغييرا شكليا، فقد حول المؤسسة الثقافية الأهم والأكثر ارتباطا بالجماهير إلى هيئة حكومية، تفقتر للخيال والتفكير خارج الصندوق الضيق الذى تحدده جدران خرسانيه قاسية إلا فيما ندر من مبادرات فردية لا تمثل التوجه العام لها.

لا يمكن أن يكون “سعد كامل “ورفاقه سعداء بما آل إليه مشروعهم الذى صنعوه وتبدد الآن، ولم تكن ثورة يوليو تتخيل أن أهم منجزاتها البشرية والذى يقف جنبا إلى جنب مع مجانية التعليم و السد العالي والإصلاح الزراعي يصل به الحال إلى هذا النحو.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: