ثقافة

«مايسترو» القرش.. معاناة البحث عن الهوية

الرواية البديعة ترسم لوحة عذبة لتلاقي الحضارات وتكتب سطرا جميلا في كتاب التاريخ 

«- لولا أن لي مع أبيك عِشرة خمسين سنة، لكان القارب قبرا لكما. أبوك بريء، أعرف أنه لاذنب له، كان هناك، غاب عن القصر وأنت مشغول بسخف أغرى سخيفا باستخفاف دمه وقول أشياء، سخيفة. أنت السبب.

رد الشاب بمذلة:- حالا ياسيدي، لو أردت أن أحرقة فيتفحم، أو أفك ألواحه وأحملها إلى الصحراء، أدفنها وأتخلص منها هناك، أو أشعل فيها النار.»

ينتهي الحوار بين السيد وماني بقول السيد: “من هناك تعرف الطريق ولاتريني وجهك، خذ قاربك إلى الجحيم وتسول لك أي سيد يكفلك، وأبوك باق هنا، سنه أكبر من البحث عن سيد آخر، هو مسؤول عنك، وإذا بلغني أنك ارتكبت خطأ فستراني مرة أخرى.الآن ودع أباك، فلن تقابله بعد اليوم.”

وفي صفحة 20 يدور هذا الحوار بين تسو العجوز وأنيل الشاب، كلاهما لم ير وطنه، وكلاهما يعيش على حلم العودة إلى بلاده: ألم أقل أنك صغير؟ لك ولأبيك بلد تتطيعان العودة إليه في أي وقت، ولكنني إذا أردت فلن يكون إلا إلى الهند أرضنا المقدسة محرمة علينا، هناك تنين دمر الآلاف من الأديرة، قتل مليونا من الأبرياء، سحقهم في الاجتياح، وقذف الناجين إلى المنافي، والعالم يعطينا ظهره، لأننا أمة محبة للسلام، تحرم العنف، وتهتدي بوصايا منبع الحكمة الدالاي لاما.

يهز الشاب كتفة إنكارًا:

– هذا ليس عدلا من حق أي كائن أن يدافع عن نفسه دون تفكير، هذا حق الحياة- هذا شرط الحياة يا بني، ولكن حارس عهد إلهنا المقدس يحرم علينا القتال‪ .

فيسأله الشاب:

– يحرم عليكم القتال ويحل قتلكم ؟!

-اخرس يا ولد منذ متى تناقش الآلهة؟”

الإجابة التي تستنكر الواقع المأزوم وترفضه وتنقلب عليه جاءت عبر الخادم، “أنيل”، الذي يرفض بشكل قاطع فكرة الخنوع المحاط بها من كل الاتجاهات عبر والده ومن ثم عبر صديقه تسو الرجل التبتي الذي يظل يحلم بالعودة إلى بلاده.

يطرح القرش سطوة المقدس واللجوء إليه في تبرير الخنوع طوال الوقت، والذي ظهر واضحا في رد تسو على سؤال الطفل أنيل، في ظني أن ما تأكده الرواية هو غياب العدالة والتي تبدو واقعا مؤكدا‪.

ثمة علاقة شائكة – وقد تبدو غائمة- بين المايسترو مصطفي الذي يمتهن المحاماة وبين الباحثة الأمريكية لورا المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط بجامعة ميتشجال. وهي قبل أن تكون علاقة غرامية يرتبط فيها بسيدة مطلقة وأم لشاب مهاجر من أمريكا إلى نيوزيلنده، فإنها في الأساس علاقة اعتراف من باحثة ومتخصصة بمكانة وتاريخ مصر عبر الآخر. تلك العلاقة جاءت بمثابة مساحة لسرد معرفي عن تاريخ مصر القديم ومكانتها في عيون الآخر البعيد، واستعادة لتاريخ مسكوت عنه، بدءً من سرقة التاريخ ووصولا إلى الإعتراف الضمني بدور الحضارة المصرية القديمة بكل ما تحمله من دلالات على عمق إنسانيتها لتضيف للعالم.

جدارية على أحد المقابر المصرية القديمة
جدارية على أحد المقابر المصرية القديمة

كانت إشارات لورا بمثابة دافع حقيقي لبحث وتنقيب مصطفى عن تاريخنا، والذي بالطبع يتقاطع مع حضارات آخري ومنها الحضارة الهندية “البوذيين”، وكذا الحضارة السومرية. وجاءت رسائل لورا إلى مصطفى كتأكيد على أن ما نعرفه عن هويتنا وتاريخنا بمثابة قشور سطحية، وبمثابة دعوة لقراءة تاريخنا من جديد .

” بعد أيام ذكرته بقوله أن أجداده لم يتركوا في بلادها فلسفة مكتوبة توثق العلوم، واكتفوا بتشييد أهرام بدائية، فعجز أهل البلاد عن تطوير علوم يجهلون فلسفتها وأسسها النظرية. وقالت إن تلك الأسس اختفت من مصر نفسها، واستولى عليها الأغريق بغزوهم مصر 322 ق.م. وكانت العلوم الفلسفية والهندسية والطبية ذات طبيعة كهنوتية، في نظام صارم للأسرار العليا، وتقتصر على الكهنة والعلماء في المعابد، وبسقوط مصر في قبضة الاسكندر، تمت أكبر عملية سطو في التاريخ، جريمة الاستيلاء على حصاد قرون من البحث، ونسبتها إلى لصوص دخلوا المعابد المصرية في هيئة طلاب يدرسون، خرجوا منها بالمنهوبات. فيثاغورس سرق نظرية المربع المقام على وتر المثلث قائم الزاوية، وأرسطو أستاذ الاسكندر أتيح له الاطلاع على كنوز مكتبة الاسكندرية، ونشر معارف واجتهادات قال أنه تلقاها من افلاطون الذي لم تكن له إحاطة بها، وفي الجمهورية المنسوبة إليه فصول من مخطوطات نجع حمادي.”

هنا يظهر براعة الكاتب في تسريب المعرفة والتاريخ واستدعاءه في حوار مدهش بين لورا ومصطفي، يستعيد فيه الروائي سؤال الهوية: “من نحن؟” .

ومن مصطفى المايسترو إلى نواف المواطن الخليجي البدون، والذي يستعرض أزمة مواطني البدون، ولا يعرف بعد هويته، هل هو خليجي؟ هل هو كامل المواطنة؟ هل هو متحقق كمواطن؟ ثمة أمر ما شائك لم يتم حسمه بعد في منطقة الخليج العربي حول مواطنيهم الحاملين تحمل هوية البدون. رغم تحققهم المهنى، إلا أن شعورهم بأنهم مرفوضين يبدو واضحا عبر شخصية نواف وتسو العامل البوذي الحالم بالعودة إلى بلاده والتي تتقاطع حكاياته عن والده مع حكاية نواف عن نفسه، وحكاية مصطفي عن والدته مع إيمان تسو بتناسخ الأرواح.

أزمة قضايا البدون
أزمة قضايا البدون

المايسترو رواية تستعرض تاريخ الحضارة عبر لوحة سردية غاية في العذوبة والجمال، وهذا يرجع إلى قراءة معمقة في تاريخ الحضارات. نجح سعد في تضفير المعرفة التي تبدو هامشا إلا أنها تصبح بمثابة متن لتلاقي الحضارات‪ مع إعادة قراءة الرواية.

لذا جاء سؤالنا لسعد القرش حول “الاستفسار عن الهوية الممتد عبر الأجيال، والذي يعد بمثابة تيمة أساسية في كل أعماله الإبداعية”: ليجيبنا بان سؤال “الهوية والتاريخ والحضارات، كل هذا كنت حريصا عليه، على أن تكون خلفية الدراما الإنسانية والأكثر أهمية عندي هي الإنسان، وهو هناك في الغرب وهنا في الشرق مأزوم في حياته الخاصة وفي تحققه الشخصي وفي العجز عن التواصل العام والحميم. هي مع زوجها قبل الطلاق والوفاة ثم مع ابنها المهاجر من أرض الأحلام إلى نيوزيلندا وهو في فشله، كلاهما فاشل ولكن أحيانا حاصل جمع صفرين أو ضرب صفرين لا يكون صفرا كما تناقشا في هذا الأمر.

الوعي والتوافق الذهني ربما هو الذي يضمن التفاعل والتلاقي والتسامح والتعايش والزواج، وهي أكثر وعيا وتسامحا، ومنها تعلم كيف يعي تاريخه ويقبل الآخر الذي لم يعد الغرب وحده وإنما الهندي والتبتي والبدون أيضا.

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: