فن

سمير الإسكندراني: تجليات موسيقى صوفية

فنان أحدث ثورة في تجديد الأغنية العربية وتمتع بوطنية صادقة ومشاعر صوفية صافية.. 

تحتشد الذاكرة بمشاهدات الطفولة التي تصنع ببكارتها محددات الذائقة الفنية، وتسهم في تشكل الوعي الإبداعي وفق انحيازات معرفية تصنعها تفاصيل البيئة.. وحي الغورية في قلب القاهرة القديمة هو عالم فسيح تنطق شوارعه وحاراته وأزقته بأسرار الجمال الذي يحمل التاريخ حملا إلى مآقي الحالمين.. من باب الفتوح إلى المدرسة الكاملية، ومن جامع الأقمر إلى تكية السلحدار.

عبر الوكائل التجارية التي احتلت البيوت المملوكية يتنقل الصبي “سمير” بخفة راصدا كل شيء بعين فنان، تبدأ محاولاته في الرسم والتصوير مبكرا، فيلفت ذلك نظر والده الحاج “فؤاد” تاجر الأثاث المعروف بالمنطقة، فيشجعه على الاستمرار داعما إياه بكل ما يلزم من أوراق وأدوات.

حي الغورية في الثلاثينات
حي الغورية في الثلاثينات

لم يكن الحاج “فؤاد الإسكندراني” تاجرا فقط بل كان رجلا محبا للفن، وله صداقات كثيرة بين الفنانين، وكثيرا ما كانت تقام السهرات الفنية في بيته؛ فكان يشارك بالغناء إذ شهد له الكثيرون بجمال الصوت.. هيأت تلك الأجواء الساحرة الفتى “سمير” للإعلان عن موهبة فريدة في الغناء أيضا.. كان يلتقط الألحان بأذن موسيقية ويحفظها حفظا جيد ويؤديها بصورة أذهلت والده شخصيا.

كان انتقال الأسرة من “الغورية” إلى شارع ” عبد العزيز” اضطراريا.. أحدث ذلك ما يشبه الصدمة الحضارية لدى الفتى.. كانت المنطقة في أواسط الأربعينيات تموج بالأجانب من كل الجنسيات.. سنواته الأولى في الحي المملوكي لم تعرف سوى لغة واحدة.. أما هنا فالوضع مختلف تماما.. تلتقط أذناه لغات شتى إنجليزية وفرنسية ويونانية وإيطالية، إنها فوضى وضوضاء غريبة لكنها محببة.. كل لغة لها جرس خاص وموسيقى مختلفة.. بين الجدية والحدة والنعومة واللطف والسرعة والتمهل نالت كل لغة حظها غير منقوص.. لكن قلبه يختار الإيطالية فيتعلمها ويتقنها، ويستطيع من خلال التواصل مع السفارة الإيطالية أن يحصل على منحة دراسية لدراسة الفنون، واللغة الإيطالية بجامعة “بيروجيا” بعد حصوله على الشهادة التوجيهية.

بعيدا عن روما بنحو 170 كيلومتر تقع “بيروجيا” عاصمة اللغة الإيطالية، وبها أهم مراكز تدريسها، “بيروجيا” مسقط رأس الفنان” بيترو فانوتشي” الذي تتلمذ على يده أهم فناني عصر النهضة “رافايللو دا أوربينو” أما جامعتها فهي من أعرق جامعات العالم، تأسست مطلع القرن الرابع عشر الميلادي.

في تلك الأجواء شديدة الروعة انهمك الشاب المصري الذي لم يبلغ العشرين بعد في دراسته بشقيها الفني واللغوي، سمات شخصيته المنطلقة والمتميزة بالإقدام حفزته لتكوين صداقات كثيرة مع زملاء دراسة من جنسيات مختلفة، لكن حنينه كان دائما ما يدفعه للتقرب من بني جنسه من العرب.. كان مبادرا في التعرف على كل من يتكلم العربية في أي مكان يدخله أو يتواجد فيه.

في البلد الذي أهدى العالم فن الأوبرا، وساهم بشكل كبير في ظهور السيمفونية والكونشرتو والسوناتا، وآلات موسيقية كالبيانو والكمان- ليس من الممكن لشاب عاشق للغناء أن يصم أذنيه عن هذا الصخب الكرنفالي.. ومع إجادته للإيطالية وحفظه للكثير من الأغاني الشعبية والشائعة في أوساط الشباب آنذاك- يقدم “الإسكندراني” على الغناء في بعض الأماكن فينال استحسانا كبيرا خاصة عندما كان يمزج بطريقة فريدة بين الغناء العربي والغربي، ويمكننا القول أنه بنهاية عام 1957، أصبح “سمير” معروفا في أوساط الشباب في “بيروجيا”.

عقب حرب عام 1956، اكتسب النظام المصري دفعة قوية بعد أن استطاع دحر العدوان الثلاثي، وكان من آثار هذا الانتصار الذي اعترف به الغرب، واعتبر بعد ذلك السبب الأهم في أفول شمس الإمبراطورية البريطانية- أن كثف الكيان الصهيوني من وجود عملائه وأفراد جهازه المخابراتي في العديد من المدن الأوروبية.. كان من الطبيعي أن يلفت “سمير” أنظارهم.. في إحدى السهرات وأثناء جلوسه مع صديقة إيطالية يترامى إلى أسماعه صوت يتحدث العربية بلهجة مصرية شعبية.. لم يستطع “سمير” منع نفسه من التعرف على المتكلم. كان رجلا وسيما في منتصف الثلاثينات يجالس فتاتين إيطاليتين ويشرب كثيرا وينفق ببذخ، خلال دقائق كان الجميع يجلسون على طاولة واحدة في ضيافة “سليم” الذي عرف نفسه بأنه مصري يعيش متنقلا بين العواصم والمدن الأوروبية لإدارة بعض الأعمال التجارية، وأنه عاش لفترة بالولايات المتحدة ولديه جواز سفر أمريكي.

يعرض “سليم” على “سمير” العمل معه في منظمة مكافحة الشيوعية والاستعمار، وهي منظمة تهدف لنشر السلام في العالم ومن أهدافها استعادة أملاك اليهود في مصر التي استولى عليها نظام عبد الناصر.. كما أخبره أنه سيحصل على راتب كبير، ومكافآت نظير ما يستطيع تقديمه من معلومات.

تأكدت “شكوك “سمير” في “سليم” لكنه قرر مجاراته، ونسج بعض الأكاذيب لتشجيع “سليم” للإفصاح عن أهدافه، فكان أن أبلغه أنه من أصول يهودية، وأنه لا يؤيد النظام القائم في مصر، ما شجع “سليم” على ترتيب لقاء بين “سمير” ورجل أعمال ألماني يرأس المنظمة في إيطاليا، والحقيقة أن هذا الشخص لم يكن سوى ضابط الموساد “جوناثان شميت”.

بعد فترة قصيرة وأثناء لقاء جمع بين” سمير” و”جوناثان” في “روما” أخبره الأخير أن العمل المنوط به بالغ السرية، لا يجب أن يعرف بأمره أحد، وأن عليه التدرب على استخدام  الحبر السري، والتمييز بين الرتب العسكرية، ورسم الكباري والمواقع العسكرية، وتحديد سمك الخرسانة، ثم طلب “جوناثان” من “سمير” التطوع في الجيش، عند عودته إلي مصر، وأعطاه مبلغا كبيرا من المال، ومجلة صغيرة للإعلان عن ناد ليلي في “روما” مطبوعة فيها صورته، وهو يغني في بعض السهرات، كتبرير لحصوله علي المال”.

عند عودته إلى “بيروجيا” وجد “سمير” أخاه “سامي” الذي يعيش في “فيينا” في انتظاره.. فأخبره بما حدث فنصحه بالسفر فورا إلى القاهرة والتوجه رأسا إلى مبنى جهاز المخابرات العامة؛ لإبلاغ المسئولين؛ فينفذ “سمير” نصيحة أخيه على الفور؛ لكنه يطلب لقاء السيد رئيس الجمهورية شخصيا لإبلاغه ببعض التفاصيل الخطيرة.

بعد شهر من التحريات للتأكد من صحة الاعترافات التي أدلى بها “سمير” يتحدد يوم لقائه بالرئيس عبد الناصر الذي استمع إليه باهتمام وناقشه في عدة أمور.. وبعد فترة من الصمت يفاجئ الرئيس “سمير” بأن عليه الاستمرار في العمل مع “الموساد” لكشف عدد من عملائهم في القاهرة، بعد فترة من العمل استمرت نحو عام ونصف ينجح الفتى في استدراج ضابط “الموساد”  “موسى جود سوارد” الذي ستتحفظ عليه المخابرات المصرية في سرية تامة، ليتابع اتصاله بالموساد كأنه مازال حرا، ليتم كشف أكبر شبكة تجسس تعمل في مصر، والمكونة من “رايموند بترو” وهو إيطالي يعمل موظفا بأحد الفنادق، و”هيلموت باوخ” وهو دبلوماسي ألماني أمه من أصول يهودية، وجرسون في محل جروبي يدعى “جورج استامبينو” بالإضافة إلى مصمم ديكور يوناني ومدرس وممرضة.. وكان لسقوط هذه الشبكة التي كان من بين أهدافها اغتيال الرئيس عبد الناصر بدس السم له- دوي هائل في دويلة الكيان استقال على إثره مدير جهاز الموساد.

بعد انتهاء عمله مع جهاز المخابرات العامة اتجه “الإسكندراني” إلى استكمال دراسته في الفنون إلى أن أصبح مدرسا بكلية الفنون الجميلة؛ لكن شغفه بالغناء لم يتوقف فقدم العديد من الأغنيات التي لاقت استحسانا كبيرا بين أوساط الشباب.. ويؤكد الكثيرون أن “الإسكندراني” أحدث ثورة تجديد في الأغنية المصرية استعان فيها بالإيقاعات الغربية مع الأداء الطربي الأصيل الذي ساعده عليه قدراته الصوتية الهائلة وصوته العريض المتميز.. ومن أشهر هذه الأغنيات “زمان زمان”، ” قدك المياس”، “حبيبتي دوسه” ” قال جاني وشايل كام وردة”، “آه ياجميل”، “مين اللي قال”.. بالإضافة إلى الغناء الوطني المتميز في “يارب بلدي وحبايبي” و”ياللي عاش حبك يعلم” و”شباب الإنجازات”، كما عرف عن الفنان الكبير توجهاته الصوفية وحبه الشديد لآل البيت، وحضوره الدائم لليالي المحمدية التي شارك فيها غير مرة، وقدم خلالها عددا من الأعمال الفنية، أشهرها بأوبريت “أكرم الكرماء” الذي وضع ألحانه الموسيقار “محمد قابيل” وتوزيع “إبراهيم الراديو”.

رحم الله الفنان الكبير صاحب الإسهامات العظيمة في مجالات الفنون والموسيقى والغناء، صاحب الدور الوطني والعاطفة الدينية النبيلة ،والإيمان الصوفي العميق الذي صبغ حياته بألوان المحبة والعطاء بين ظلال الفن وأنوار القرب، وجزاه عن هذا الوطن وناسه خير الجزاء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: