منوعات

لماذا يقبل المجتمع المصري بأساطير وخرافات «حفلات الزار» ؟ 

سيد عويس أستاذ علم الاجتماع كشف أن هذه الظاهرة الاجتماعية ترجع لعصر الفراعنة 

«فاتحة الكتاب والصلاة عليه، صلوا عليه النبي العربي، صلوا عليه .. ماما الهدى، آه يا ماما، بدر التمام يا محمد، نصبوا الكراسي لماما، بر السماح لماما، بر الهدى يا ماما، صاحب العوايد ماما، صاحب الدبايح ماما، نصبوا الميدان يا ماما، آه يا زهر يا ماما» … من أغاني الزار التي ترددها «الكودية» وفرقتها خلال حفلات الزار.

حفلات الزار وكتابة الرسائل لأضرحة الأولياء الصالحين وحلقات الذكر التي تنظمها الطرق الصوفية، هل هى مجرد عادات وطقوس خرافية؟ أم أنها طقوس إجتماعية تحمل في طياتها بعض المعاني والدلالات النفيسة والإجتماعية؟ ولماذا قبل المجتمع المصري بكل تلك الطقوس وفيها من الأساطير والخرافات ما فيها؟ ..

تساؤلات عدة شغلت ذهن رائد علم الاجتماع بمصر الدكتور سيد عويس «1913-1989» حول تلك الظواهر الإجتماعية ذات البعد الأسطوري والخرافي، طرحها بالعديد من دراساته على امتداد ما يقرب من نصف قرن من الزمان قضاها متجولا في ربوع مصر، باحثا داخل ثنايا عالم الأساطير والخرافة والجريمة في محاولة منه للبحث عن الدلالات النفسية والاجتماعية الكامنة خلف ممارسة تلك العادات والطقوس.

الدكتور سيد عويس «1913-1989»
الدكتور سيد عويس «1913-1989»

حفلات الزار بأحياء مصر الشعبية

حفلات الزار التي كانت شائعة بأحياء مصر الشعبية خلال النصف الأول من القرن العشرين واختفت تدريجيا، إلا أننا مازلنا حتى يومنا هذا نسمع عنها وإن كان ذلك بوتيرة أخف وعلى فترات متباعدة، كانت واحدة من الظواهر الإجتماعية التي شغلت ذهن سيد عويس خلال عمله الرائد في كتابه: «قراءة في موسوعة المجتمع المصري».

يستهل عويس تناوله لطقوس حفلات الزار بالعودة إلى ذكريات صباه حين كان في العاشرة من عمره يحبو مع رفاقه بالحارة التي كان يقيم فيها بأحد أحياء القاهرة القديمة، وكيف تسنى له حضور أول حفل زار حين مرضت خالته التي تزوجت حديثا وأقامت ببيت عائلة زوجها الذي كان يضم أختان للزوج لم يتسنى لهما الزواج رغم ما تتمتعان به من جمال وثراء.

يروي عويس عن حفل الزار الذي عقد لخالته المريضة مشيرا إلى تلك الدفوف التي كان يتم الضرب عليها، وتلك الأناشيد التي كانت تنشدها «كوديه» الزار، وكيف كانت النساء ترقصن بشكل هيستيري حتى يسقطن على الأرض من شدة الإعياء على نغمات تلك الدفوف، وهن يرتدين أزياء مغايرة تماما لما إعتادوا عليها، ووسط جمع النساء هذا كانت هناك سيدة ترتدي «الطربوش الأحمر» وتحاول أن تظهر  بمظهر يماثل مظهر الرجال في محاولة لتجسيد شخص «الأسياد» من الرجال.

امتلأ حفل الزار بالعديد من أطيب أنواع الطعام والشراب، ورأى عويس لأول مرة بحياته بعض النساء وهن يشاركن الرجال عادة تدخين السجائر، كما رأى إحدى النساء وهى تطلب ممن حولها أن يضربنها بشدة حتى تتخفف مما تحمله من أعباء، وسمع بآذنيه إحدي السيدات كبيرات السن وهى تردد: «شى الله يا أسيادي .. ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم».

من البيت إلى جوار أضرحة الأولياء

يواصل عويس حديثه عن طقوس حفلات الزار مشيرا إلى أنه وبمرور الوقت خفت دقات دفوف الزار من حيه الشعبي، ما جعله يتوهم أنها ظاهرة في سبيلها إلى الانقراض،  إلا أنه قد فوجىء خلال عمله كباحث اجتماعي بأن تلك الحفلات مازالت تعقد، ولكن مع تغيير مكان عقدها، فبعد أن كانت تعقد داخل بيت الشخص الذي يعاني من مشكلة ما يطلق عليها «عليه أسياد» باتت تعقد بمقر إقامة «كوديه» الزار أو بجوار أحد الأضرحة الخاصة بأحد الأولياء.

«كوديه» الزار أو تلك السيدة التي تحمل لقب «شيخة الزار» تقود الإنشاد والدق على الدفوف وهى المسئولة عن إدارة أعمال حفل الزار فهى من تبدأ الحفل كما أنها هى من تنهيه، وكلما كثر عدد المترددين على حفل الزار، كلما زاد العائد المادي الذي تجنيه.

لم يقتصر حفل الزار على آلة الدف وإن كان أكثرها شيوعا، ولكن إضافة لذلك يمكن الإستعانة ببعض الآلات الوترية وآلات النفخ والصاجات، ونغمات موسيقى الزار تتسم بأنها ذات إيقاع راقص عنيف يقترب بعض الشيىء من موسيقى «الجاز»، وقد يقترب في إيقاعه من الموسيقى السودانية أو المغربية أو المصرية وفقا لجنسية «الأسياد» المقصود به جنسية العفريت الذي يعاني منه الشخص، أما أناشيد حفل الزار فقد لاحظ عويس أنها تتضمن ذكر اسم الله وأسماء بعض الأنبياء والقديسين والأولياء الصالحين.

لم تقتصر حفلات الزار على النساء فحسب وإنما تردد عليها العديد من الرجال، وإن كان النساء هن الأكثر ترددا عليها، وقد تنوعت الأسباب التي دعت النساء والرجال للجوء لتلك الحفلات وكانت أعراض المرض النفسي على رأس تلك الأسباب، ذلك أن المجتمع المصري لم يكن يعترف بالطب النفسي وضرورة اللجوء إلى المتخصصين بهذا الشأن، فالمرض النفسي كان يحمل وصمة اجتماعية يعاني منها المريض وأسرته على حد سواء، وكان تأخر سن الزواج للإناث يعد ثاني الأسباب التي تدفع النساء للجوء لحفلات الزار، إضافة للتأخر في الإنجاب.

ربط عويس بين كثرة عدد النساء اللاتي يلجأن لطقوس حفلات الزار وبين ما تعانيه المرأة المصرية من قهر شديد داخل أسرتها، الأمر الذي يجعلها تلجأ لذلك الطقس في محاولة منها للفت انتباه أفراد أسرتها خاصة من الرجال إلى ما تعانيه من أزمات لا يمكنها التعبير عنها بشكل مباشر وصريح، فالمرأة بحفلات الزار تصبح بطلة ذاك الحفل وقد يصبح رجال الأسرة خدام لديها تأمرهم فيأتمرون.

حفلات الزار هل أصولها مصرية؟

يتناول عويس أصل نشأة حفلات الزار مشيرا إلى أن بعض الباحثين يرون أنها ليست مصرية الأصل، وأنها وافدة جاءت إلى مصر عن طريق السودان والحبشة مع فتوحات محمد على سنة 1820، ودليلهم في ذلك أنها لم ترد بكتاب «وصف مصر» الذي أجراه علماء الحملة الفرنسية التي سبقت عهد محمد علي، غير أن عويس يعود ليشير إلى «كتاب الموتى» الذي يروي عن حياة المصريين القدماء خلال الأسرة الخامسة في الفترة «2500 -2350 ق.م» والذي تضمن الحديث عن الجن والعفاريت وتلك الممارسات الخاصة بالرقي والتعاويذ السحرية إلى جانب تصوير «المحاكمة» التي تظهر فيها «الموازين» التي يحملها الأله الجنائزي القديم «أنوبيس»، الممثل برأس ابن آوي ويقف خلفه «تحوت» كاتب الآلهة الذي يشرف على الميزان وفي يده القلم والقرطاس كي يسجل النتيجة، وخلف «تحوت» يقع حيوان بشع الهيئة يسمى «الملتهمة» له رأس تمساح وصدر أسد ومؤخرة فرس البحر، وهو يقبع متحفزا لالتهام الروح إذا وجدت ظالمة.

بردية محكمة الموتى للكاتب المصري حونفر
بردية محكمة الموتى للكاتب المصري حونفر

يستشهد عويس بكتاب سلامة موسى «مصر أصل الحضارة» والذي يشير فيه إلى المردة والعفاريت والتنانين وإنها ما هى سوى صور مشوهة من الأرباب والربات المصرية، فالربة «هاتور» بقرنيها توضح العفاريت التي لم تكن تخلو من القرون وأن رأس الصقر قد انحدر من الرب «حورس»، وقد اشتهرت «ايزيس»  بلقب «العظيمة في أعمال السحر» نظرا لكونها قد لجاءت إلى أعمال السحر خلال رحلة عثورها على جثة زوجها وشقيها «أوزوريس»، وإعادة الحياة إليها وفقا للأسطورة.

ربط عويس بين تلك الطقوس القديمة من محاورات وأناشيد ورقصات وذبح الطيور والحيوانات كنوع من النذور والتقرب إلى الآلهة التي تم تسجيلها على جدران المعابد المصرية القديمة وبين تلك الممارسات التي يتم اتباعها بحفلات الزار،  مشيرا إلى أن تلك الحفلات إنما تمتد بجذورها إلى مصر القديمة لتشير إلى تواصل ذلك التراث الذي يربط الماضي بالحاضر وأن الحديث عن وجود ذات الطقوس الخاصة بحفلات الزار بالسودان والحبشة إنما هو دليل على مدى امتداد الحضارة المصرية القديمة وتغلغلها بالبلدان المحيطة بمصر.

طقوس عادات الزار التي سيطرت على المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين أخذت بالتقلص التدريجي مع خروج المرأة للتعليم والعمل وإكتسابها لأنماط ثقافية جديدة، إلى جانب تطور المنظومة الطبية على كل المستويات سواء المتعلقة بالإنجاب أو الطب النفسي والعقلي، إلا أن هذا لا يمنع من استمرار تلك الظاهرة التي أقترنت في تنظيمها بزيارة أضرحة الأولياء وتنظيم حلقات الذكر لدي المتصوفة والمنتسبين إليهم.

وللحديث بقية..

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: