منوعات

قصة «الأفاتار».. من السينما والأساطير إلى «السوشيال ميديا» 

هل انتشار التطبيق هو هروب من الواقع ومحاولة لتغييره أم أنه بوابة للتسلية؟ الأسئلة كلها تسمح بالإجابة "بنعم"

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتطبيق الأفاتار Avatar، فاتجه العديد من المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي وخصوصاً فيس بوك إلى وضع صورة أفاتار كارتونية محل البروفايل الشخصي، ولعل استخدام هذا التطبيق عبر الفيس بوك قد يكون من قبيل التسلية أو التقليد أو الضحك، ولكن استخدام كلمة أفاتار يستدعي التوقف حول مدلوله، فما المقصود بالأفاتار؟ وما خصائصه؟ وهل يعيد استنساخ صورة الإنسان بشكل جديد في العالم الرقمي؟ وما طبيعة وجوده في الحياة الثانية second life؟ تساؤلات يجيب عنها هذا المقال .

1- الأفاتار من الأسطورة إلى الواقع

يدرك المتتبع لمسار مفاهيم العالم الرقمي أن معظمها مستمد من الأساطير الخرافية، فذهبت الأسطورة إلى شبكة عالمية تضم العالم أجمع في كتابات الخيال العلمي عام 1985، وقد تحولت الأسطورة والخيال إلى واقع مع شبكة الإنترنت، وقد ظهر مفهوم الأفاتار في الأساطير الخيالية والتي تعبر عن الأرواح العظيمة التي تسكن الأجساد لتخليص العالم من الشرور، ونجدنا نستحضر الآن مفهوم الأفاتار لنستخدمه في العالم الرقمي، ونحاول هنا البحث عن طبيعة تحول الأفاتار من الأسطورة إلى السوشيال ميديا.

الأفاتار كلمة أصلها يرجع إلى اللغة السينسكرتية، وهي تعني النزول، ويقصد بها النزول إلى العالم السفلي لتحقيق أهداف خاصة، كما يعني الأفاتار تجسد لأفراد ملهمين في الأديان، واستنساخ صورهم من أجل تحقيق الخير ونزولهم إلى الأرض من أجل إنقاذ العالم من الاضطرابات والأزمات الكونية.

والأفاتار في اللغة الصينية يعني حامي السلام في العالم، وهو تجسيد للروح الطيبة في شكل إنسان، أما في اللغة العربية فاللفظ يعني التجسيد، التبدل، الإنقلاب، التغيير.

انتقل اللفظ من الأساطير إلى الرقمنة والتي اختلطت بالأساطير، يقصد به في العالم الرقمي الهوية البديلة أو الصورة أو الرمز الذي يمثل شخصا معينا في لعبة أو منتدي أو على السوشيال ميديا، كما يقصد به مجموعة تمثلات تفاعلية ورسوم كرتونية، واجتماعية للمستخدمين في العالم الرقمي.

هذا ويتنوع الأفاتار في العالم الرقمي حيث يقترب أحيانا من صورة الشخص في الواقع، وأحيانا يبعد حسب رغبة الشخص.

الإله الهندوسي فيشنو مُحاط بالـ أفاتار المنسوخ عنه
الإله الهندوسي فيشنو مُحاط بالـ أفاتار المنسوخ عنه

2- الأفاتار في سينما الأساطير

استخدم المفهوم في السينما في فيلم للخيال العلمي يحمل اسم أفاتار، وهو فيلم أسطوري عرض في الولايات المتحدة عام 2009 من إخراج جيمس كاميرون، وهو من أكثر الأفلام تكلفة في الإنتاج حيث بلغت تكلفة إنتاجه 230 مليون دولار، وحقق أعلى معدل أرباح في أسبوع،  حيث بلغت أرباحه نحو 278 مليون دولار، وتجاوز الفيلم 2 مليار دولار بعد عشر أسابيع، وقد فاز الفيلم بعدة جوائز منها ثلاث جوائز أوسكار .

يحكي الأفاتار عن جندي أمريكي متقاعد تم اختياره لمشروع علمي بدلا من أخوه التوأم الذي توفى، حيث تم إرساله إلى كوكب “باندورا” الذي تسكنه كائنات مسالمة زرقاء اللون كانت تعيش في أمان قبل وصول البشر، وكانت مهمته الكشف عن معدن نفيس في هذا الكوكب، والمشروع مبني على أساس صنع كائنات مشابهة لكائنات باندورا وإسكانها بروح الإنسان، وقد ضل هذا الجندي الطريق وتعرف علي مقاتلة أنقذته وأخذته إلي قبيلتها التي كانت تعيش فوق شجرة، واكتشف أن تحتها الكنز الذي يبحثون عنه، وأقنعهم باقتلاع الشجرة، وسرعان من ندم وتعاطف مع القبيلة وحارب البشر معهم وانتصر الكوكب الأسطوري في النهاية .

يؤكد الفيلم على المعنى الأسطوري للأفاتار وهو تجسد للروح، أو وضع الروح في جسد أخر.

ولكن لم يستمر هذا الوضع الأسطوري كثيراً وسرعان ما تحول إلى ألعاب الفيديو ومنها إلى العالم الرقمي ليعبر عن معاني أخرى مناسبة مع هذا العالم الذي تحولت فيه العديد من الأساطير إلى حقائق.

3- الأفاتار والرقمنة في الحياة الثانية

دخل الأفاتار إلى العالم الرقمي في العديد من المجالات والتطبيقات ومن الممكن أن نتحدث عن بعضها في السياق التالي:

الأفاتار في المدن الرقمية: هناك العديد من المدن التي تأسست على أساس الرقمنة، وهي افتراضية بالأساس ومنها مدينة مالمو Malmo علي سبيل المثال، حيث يمكنك أن تختار أفاتار تسكن به هذه المدينة، أي تختار لنفسك الهوية التي تعيش بها في هذه المدينة، وتتيح العديد من المدن الافتراضية إمكانية أن تصنع أفاتارك بنفسك للتعامل داخل هذه المدن وفق التصور الذي تريده.

الأفاتار في الحياة الثانية second life: يعد من أهم التطبيقات التي تحول فيها المعنى الأسطوري للأفاتار إلي العالم الرقمي، فقبل أن يهبط الإنسان على الجزيرة ليشهد مولده في هذه اللعبة الشهيرة، لابد أن يختار الأفاتار الذي سيعيش به في هذا العال، ويعرض على الفرد العديد من التمثلات التي بها قوالب مجسدة، يختار فيها الفرد أفاتاره الشخصي ويحدد هويته البديلة، ويختار الصورة التي يتجسد بها في هذا العالم، ولا يشترط في الحياة الثانية أن يعيش فيها الفرد بنفس جنسه، فمن الممكن أن يتحول فيها الرجل إلو إمرأة أو العكس، وعليك أن تختار لون البشرة والعين، وأن تختار كل شئ حتى قدراتك الجسدية التي ستعيش بها في الحياة الثانية، ويتيح الأفاتار في الحياة الثانية تجسيد مصاصي الدماء، كما يتيح فرصة تجسيد الإنسان الآلي.

الأفاتار عبر مواقع التواصل الاجتماعي: تتحدد هوية الشخص عبر السوشيال ميديا بالطريقة التي تروق له، فيمكنك أن تختار صورة البروفايل الشخصي لك على أي من تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي، وهو أمر ليس بجديد، فالشخص يقدم نفسه بالطريقة التي تروق له ولكن الجديد في تطبيقات الفيس بوك أنه قدم ذلك في صورة تطبيق الأفاتار، حيث يتم عرض صورة كارتونية تشبه صورة الفرد، وعلي الفرد أن يختار كل ما يتعلق به من لون البشرة، والعين وطريقة اللبس وطريقة عرض الصورة، وغيرها من الإمكانيات التي تختار أن تقدم نفسك إلى الأخرين من خلالها، ويستمد الأفاتار في هذه الحالة من صورة الشخص الأصلية.

الأفاتار على السوشيال ميديا
الأفاتار على السوشيال ميديا

4- الأفاتار وإعادة إنتاج الذات

يتسم الأفاتار بعدة خصائص أولها: أنه يعيد إنتاج الذات بالشكل الذي يريده الفرد، فكل شخص يقدم نفسه بالطريقة التي تروق له، فمن الممكن أن يكون امتدادا للذات في الواقع، ومن الممكن أن يكون مختلفا عن الذات اختلافا كلياً، أما الثانية: فتتمثل في تعدد الأفاتار، حيث أن السوشيال ميديا من الممكن أن تخلق أفاتارات متعددة وليس أفاتارا واحدا، حيث يمكن أن يقدم الشخص أفاتار عبر الواتس أب، وآخر عبر فيس بوك, وثالث عبر تويتر، ورابع عبر الانستجرام، ومن الممكن أن يقدم الفرد أكثر من أفاتار في التطبيق الواحد. والثالثة :أنه يتراوح بين الواقعي والأسطوري، ففي بعض الألعاب يظهر الفرد بأفاتار يميل إلى الواقع، وفي بعضها من الممكن أن يتخذ أفاتارا خياليا أو حتى حيوانيا، والمراد قوله هنا أن الأفاتار أحيانا يقترب من الحقيقة وأحيانا يبتعد عنها.

لعبة The Sims التي تُعد أشهر ألعاب مُحاكاة الحياة الواقعية

5- ماذا بعد الأفاتار

تطرح فكرة الأفاتار الطريقة التي يقدم بها الفرد نفسه للأخرين، وقد تناولت العديد من البحوث هذه الطرق، من منطلق منظورات نفسية بحتة، وأخرى تفسرها من منطلق الوجود الاجتماعي، إلا أنه في النهاية يعد تحولا من الأسطورة إلى الواقع، فهل الأفاتار مجرد هروب من الواقع؟ أم تغيير للواقع؟ أم أنه مجرد بوابة تسلية وترفيه؟ الإجابات جميعها تسمح بنعم، فالفردية تحكم اختيار الافاتار، وفي النهاية يبقي الواقع واقعا والخيال خيال والأفاتار أفاتار، ولامناص من الهروب من إنسانية الإنسان حتي ولو بكرتونية وأسطورية الأفاتار.

الوسوم

وليد رشاد زكي

أستاذ مساعد علم الاجتماع - المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: