فن

علي الراعي.. مصر من فوق خشبة المسرح (2) 

جاء عام 1894 ليكون شاهدا على ميلاد أول مسرحية مصرية تأخذ شكل الميلودراما الاجتماعية، وتتوسل بقناع من التاريخ المتخيل للإشارة إلى مجمل الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة بالمجتمع المصري إبان كتابة المسرحية، حملت المسرحية عنوان «صدق الإخاء» لمؤلفها «إسماعيل عاصم».

عمدت المسرحية إلى تبصير الأغنياء بمضار الترف وتبديد الأموال، كما تصدت لمناقشة عددا من القضايا المتعلقة بالحرية والتعليم وحق تكوين الأحزاب، وكيف سهلت حالة الفرقة بين المصريين على المحتل إن يحظى باحتلال أرض مصر.

الدكتور علي الراعي «1920-1999» مؤرخ فن المسرح العربي الذي يحتفي المثقفون المصريون هذه الأيام بمئوية ميلاده في كتابه «المسرح في الوطن العربي» يصحبنا برحلة شيقة نتعرف خلالها على النشأة الأولى لفن المسرح بمصر وأهم المحطات التي رافقت نمو وتطور هذا الفن.

غلاف النسخة المطبوعة من صدق الاخاء
غلاف النسخة المطبوعة من صدق الاخاء

مصر القديمة ومصر الجديدة

يواصل الراعي رحلته مع نشأة فن المسرح في مصر مشيرا إلى أنه بعد مسرحية «صدق الإخاء» توالت في الظهور المسرحيات الاجتماعية المصرية، وكان منها تلك المسرحية التي قدمها «فرح أنطون» بعنوان «مصر القديمة ومصر الجديدة» سنة 1913 التي استخدم فيها شكلا مسرحيا يتراوح ما بين الرواية والمسرحية، مستعرضا آمال وتطلعات مصر مع مطلع القرن العشرين، ورغم ما قد تشي به المسرحية من أنها ذات أصول أوروبية إلا أنها تعد مسرحية صادقة تنتمي للواقع المصري وتعبر عنه حيث مثلت خطوة هامة على طريق بزوغ الكاتب المسرحي المصري.

بعد نحو عام واحد فقط من ظهور مسرحية «مصر القديمة ومصر الجديدة» بزغ في عالم المسرح المصري ذلك الكاتب الذي خلت كتابته من أي أثر لأي اقتباس أو تمصير أو أي اعتماد على النصوص المسرحية، الغربية أنه الكاتب المسرحي المصري «إبراهيم رمزي» الذي التقط الخيط التاريخي من رائد المسرح الثوري «أحمد خليل القباني»، فقدم خلال الفترة «من 1914 حتى 1938» ست مسرحيات تاريخية، كان من أبزها «أبطال المنصورة» سنة 1915 والتي كان قد سبقها بمسرحية «الحاكم بأمر الله» سنة 1914، و تبعها بعدد أخر من المسرحيات كان أخرهم مسرحية «شاور ابن مجيد» سنة 1938 ».

لم يكتف «إبراهيم رمزي» بالمسرحية التاريخية ولكنه بالإضافة إليها قدم المسرحية الاجتماعية والغنائية، وتعد مسرحية «صرخة الطفل» سنة 1923، التي طرح فيها أزمة الزواج في مصر خلال ذلك العصر من أبرز أعماله بهذا المجال، وقد تميزت المسرحية بكون شخصياتها مرسومة بشيىء من العناية، كما أن بناء المسرحية قوي لا يعيبه سوى طغيان النقاش على أحداث المسرحية، ويرجع الراعي ذلك إلى كون «إبراهيم رمزي» ربما يكون قد تأثر بمسرحية «النقاش الدرامي» التي إبتدعها «إبسن» وتلقفها «برنارد شو» فزاد كثيرا من حجم النقاش فيها، وقد تأثر إبراهيم رمزي برائد المسرح المصري «يعقوب صنوع» مبدع الكوميديا الإنتقادية الشعبية، فكتب مسرحيته الشعبية الضاحكة الهادفة:«دخول الحمام مش زي خروجه» سنة 1915.

الكاتب المسرحي إبراهيم رمزي
الكاتب المسرحي إبراهيم رمزي

العصفور في القفص

تواكب مع بزوغ الكاتب المسرحي إبراهيم رمزي ظهور مؤلف مصري آخر هو «محمد تيمور» الذي أخرج مسرحيات: «العصفور في القفص» في مارس 1918، و«عبد الستار أفندي» في ديسمبر 1918، و«الهاوية» سنة 1921، وهى مسرحيات ذات أسس غربية واضحة، فرنسية في الغالب الأعم، غير أن الراعي يرى أن تيمور قد أجاد تمصيرها حيث قربها قربا شديدا من الواقع المصري وابتكر شخصيات وحوادث يعقل كثيرا أن تكون قد حدثت بمصر، وقد تميز على إبراهيم رمزي بقدرته على إدارة حوار درامي قوي استخدم فيه اللغة الدارجة السائدة بين أوساط المثقفين المصريين آنذاك حين يكون الحديث بين المثقفيين، واستعمل العامية المصرية الدارجة حين اربتط الحدث بعامة الناس.

بذات التوقيت برز «توفيق الحكيم» ومسرحيته «الضيف الثقيل» سنة 1919 التي فقدت غير أن مضمونها مازال معروفا وكانت بمثابة حالة من الهجاء الشديد لسيطرة الاحتلال البريطاني على أرض مصر، وذلك عبر تصوير شخص يحل ضيفا ثقيلا على أسرة مصرية ويرفض الرحيل عنها.

أما أول مسرحية توصل لها الراعي كاملة لتوفيق الحكيم فقد كانت مسرحية «المرأة الجديدة» سنة 1923، ورغم التمصير الجيد الذي قام به توفيق الحكيم إلا أن أصولها الفرنسية لم تخف على العين المدققة.

توفيق الحكيم ومحمود تيمور
توفيق الحكيم ومحمود تيمور

من المسرح الغنائي لمسرح جورج أبيض وعزيز عيد

مسرحية «صدق الإخاء» التي ألفها «إسماعيل عاصم» سنة 1894 بإيحاء من الشيخ «سلامة حجازي» لم تكن فقط أول مسرحية مصرية في تاريخ المسرح المصري فحسب، وإنما بالإضافة إلى ذلك تعد أول مسرحية غنائية تولى الشيخ سلامة حجازي تقديمها، وقد ربط فيها بين الغناء وتمثيل الأدوار وأخذ الناس عن طريقه يتعرفون على ذاك اللون الفني الجديد الذي عُرِف باسم المسرح الغنائي.

حين توفي الشيخ سلامة حجازي عام 1917 كان نجم سيد درويش قد بزغ في مجال المسرح الغنائي، ويصف الدكتور «محمود الحفني» في كتابه «سيد درويش» كيف لحن سيد درويش أول أعماله المسرحية «فيروز شاه» وفقا لأسلوب جديد لم يعهده الناس من قبل، حيث كان قد درج على أن يقرأ المسرحية كلها قراءة فاحصة فيختار لكل شخصية ما يلائمها من لحن، ثم يعيد فحص مواقف المسرحية ليختار ما يلائمها من حركة ولحن، وبذا يكون قد تمكن من إخراج المسرحية موسيقيا وغنائيا كما يخرج المسرحي مسرحية درامية عادية، وقد زاد من تميز سيد درويش كملحن درامي أنه كان يعايش العملية المسرحية في جميع مراحلها وتعد أشهر أعماله المسرحية الغنائية: «العشرة الطيبة» و«شهر زاد والباروكة».

إلى جانب ظهور المؤلف المسرحي المصري والملحن الدرامي المصري ظهر كذلك الممثل المدرب تدريب علمي وذلك حين عاد جورج أبيض الذي كان قد أوفده خديو مصر عباس حلمي سنة 1904  إلى فرنسا ليعود سنة 1910على رأس فرقة فرنسية فيتولى تقديم بعض المسرحيات باللغة الفرنسية.

سرعان ما وجه الزعيم سعد زغلول -وكان وقتها وزيرًا للمعارف- جورج أبيض إلى ضرورة تقديم أعمال مسرحية باللغة العربية، ومن ثم كون جورج أبيض عددًا من الفرق المسرحية المختلفة، كما شارك عبر هذه الفرق المسرحية بتقديم عددًا غير قليل من أبرز المسرحيات العالمية كان منها: «أوديب» وعدد من أعمال موليير:«طرطوف» و«مدرسة الأزواج» و«مدرسة النساء» و«النساء العالمات» كما قدم مسرحيات لشكسبير وبرنارد شو.

بذات السياق برز «عزيز عيد» كممثل ومخرج منذ عام 1904 حيث انضم لعدد من الفرق المسرحية كان منها فرقة الشيخ سلامة حجازي التي أخرج لها مسرحيات: «عواطف البنين» و«اليتيمتان» و«صاحب معامل الحديد» وحين انضم لفرقة جورج أبيض أخرج لها مسرحيات: «أوديب الملك» و«لويس الحادي عشر» و«عطيل» وغيرها من المسرحيات.

زكي طليمات وعزيز عيد وجورج أبيض
زكي طليمات وعزيز عيد وجورج أبيض

على يد «عزيز عيد» ولدت أول فرقة مسرحية مصرية «نظامية» عُرِفَت باسم فرقة «رمسيس» لها طاقم فني متحد على رأسه مخرج وممثل بارز هو «يوسف وهبي» إلى جانب مجموعة من الممثلين الموهوبين كان على رأسهم روزاليوسف وحسين رياض وفاطمة رشدي وزينات صدقي وأحمد علام وأمينة رزق، وقد اجتذبت الفرقة أنظار الجمهور منذ ميلادها بما قدمته من مسرحيات كان أشهرها: «غادة الكامليا» و«راسبوتين» و«كرسي الاعتراف».

التف حول الفرقة باقة من ألمع مثقفي مصر حين ذاك كان على رأسهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والدكتور محمد حسين هيكل والعقاد والتابعي والمازني، ومع ظهور تلك الفرقة المسرحية ظهرت أولى المجلات المتخصصة في النقد المسرحي منها «تياترو» ومجلة «المسرح».

فرقة رمسيس المسرحية
فرقة رمسيس المسرحية

المسرح والإعداد المؤسسي

تمثلت الخطوة التالية لظهور المؤلف والمخرج والفرقة النظامية في إنشاء المعهد العلمي المتخصص فتم إنشاء «معهد الفنون المسرحية» سنة 1931 بناء على إقتراح تقدم به زكي طليمات لوزارة المعارف، غير أن هذا المعهد سرعان ما قد تم إلغاؤه بعد عام دراسي واحد بدعوى أنه يحرض على فساد الأخلاق باختلاط الشاب والشابة في الفصول الدراسية.

بعد إلغاء «معهد الفنون المسرحية» تم تأسيس «الفرقة القومية للتمثيل» وقد تكونت تحت إشراف مباشر من الدولة في أغسطس 1935، وضمت في صفوفها خير الممثلين وأشرف على إدارتها الشاعر خليل مطران الذي قدم للمسرح العربي أبدع الترجمات لأعمال شكسبير.

قدمت الفرقة في موسمها الأول مسرحية «أهل الكهف» لتوفيق الحكيم و«الملك لير» و«تاجر البندقية» لشكسبير ومسرحية «السيد» لكورني من ترجمة خليل مطران ومسرحية «أندروماك» لراسين من ترجمة طه حسين، ثم توالت الأعمال المسرحية المصرية لمؤلفين مصريين. وبعد عدة سنوات عاد المعهد باسم «المعهد العالي لفن التمثيل العربي» سنة 1944، ليخرج للحركة الفنية المسرحية باقة من ألمع فناني المسرح المصري والعربي.

ثورة يوليو 1952 والمسرح المصري

جاءت ثورة يوليو 1952 وتوالى ظهور كتاب المسرح من المصريين فظهر نعمان عاشور الذي قاد الحركة المسرحية في مصر وإلى جواره ظهر يوسف إدريس الذي قدم له المسرح القومي مسرحيتين من فصل واحد، هما: «جمهورية فرحات» و«ملك القطن» خلال موسم «1956-1957» وجاء من بعده ألفريد فرج وظهر لطفي الخولي وظل المسرح القومي يقدم كل موسم كاتبًا مسرحيًا جديدًا أو كاتبين.

بذات السياق تم تأسيس وزارة خاصة معنية بالفنون استحدثتها الثورة باسم وزارة «الإرشاد القومي» وترأسها الكاتب فتحي رضوان، وفي عام 1968 تم تغيير اسم الوزارة لتصبح وزارة «الثقافة» التي وضعت اللبنات الأولى لعدة مشروعات فنية وثقافية كان منها أكاديمية الفنون التي ضمت إلى جوار المعهد العالي للفنون المسرحية، معهد السينما ومعهد الباليه والمعهد القومي للموسيقى وأضيف إليهم لاحقا معهد الفنون الشعبية.

انقسم الإنتاج المسرحي في مصر ثلاثة أقسام قدم الأول منها المسرحية الإجتماعية النقدية على يد نعمان عاشور وسعد الدين وهبة ولطفي الخولي وألفريد فرج، وقدم القسم الثاني المسرحية التراثية التي أفادت من الموروث الثقافي الشعبي مثال أعمال ألفريد فرج ونجيب سرور وشوقي عبد الحكيم ومحمود دياب، أما الجزء الأخير فقد تمثل في المسرح السياسي والذي أعاد تفسير الأحداث التاريخية بما يمكنه الإسقاط على حاضر الأمة العربية وقضاياها، وكان بعض تلك المسرحيات شعرية مثال أعمال عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور والبعض الآخر كان منها نثريا.

تلك النهضة الشاملة في مجال الفنون جعلت من القاهرة لعقود عدة مركز إشعاع ظل محط أنظار العالم العربي، فهل تعاود القاهرة مسيرتها القديمة؟ ..

ربما ما يبث الأمل لدى عشاق المسرح ما تشهده القاهرة من حين لآخر من تنظيم لعدد من المهرجانات المسرحية وخاصة المسرح التجريبي الذي تشارك فيه فرق مسرحية من مختلف بلدان العالم، إضافة لتلك الظاهرة الفنية المتعلقة بظهور بعض الفرق المستقلة في أعقاب ثورة يناير 2011 معلنة عن ميلاد جيل جديد من شباب المسرح المصري لتتواصل المسيرة وتظل القاهرة منارة للفن والفنانين.

وللحديث بقية ..

الجزء الأول: مائة عام على ميلاده.. علي الراعي المؤرخ الأهم لمسرحنا العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: