ثقافة

الغرب عند يحيى الرخاوي: فاقد للأمان وقائد للعلم

اعتبر التكنولوجيا وسيلة استهلاكية تؤدي إلى الخمول لكنها تؤدي -أيضا- إلى رخاء الإنسان.. 

الدكتور يحيى الرخاوي هو واحد من أهم وأبرز المثقفين العرب، وهو أحد أقرب الأصدقاء الشخصيين لأديب نوبل نجيب محفوظ، وقد حافظ على دوره الكبير ومكانته المهمة في صفوف الكتاب والمبدعين العرب لسنوات عديدة وكان طوال الوقت حاضرًا بفكره وقلمه وجهده في دعم الثقافة والإبداع والتفكير الحر.

إن السيرة الذاتية هي محاولة لتجميد الذات، وإبراز حركتها عبر الزمن، أو تمجيد الذات والزمن الذي تعيش فيه، أو تمجيد الذات وتمجيد الآخر الذي يعظم الذات، أو إدانة الآخر الذي يقلل من عظمة الذات، ولهذا عزفت لفترة عن قراءة السيرة الذاتية رغم أهميتها في إدراك عظمة التجربة البشرية وثرائها، ومنذ فترة عكفت على إعادة قراءة السيرة الذاتية للمفكر الأديب/الطبيب النفسي يحيى الرخاوي، تلك التي أسماها بـ “ترحالات يحيى الرخاوي”، وقد اختار الرخاوي لسيرته أن تتسم  بالمكاشفة، وليس مجرد سرد أحداث، أو أدب رحلات، أو أدب الاعترافات، و كان الرخاوي صادقا مع نفسه في هذه التسمية (أدب المكاشفة).

وقبل البدء في طرح رؤية الرخاوي للغرب في ترحالاته، أود أن أشير إلي نصيحة محمود شاكر للرخاوي حين فكر في كتابة السيرة الذاتية، بأنه لا ينبغي أن ينشغل بنفسه كثيرا، وعليه أن يعمل أعمالا تخدم البشرية وتخلد ذكراه، ولكن الرخاوي تجاهل النصيحة، والسبب في ذلك معاناة الرخاوي من الإهمال، فنجده يقول “يبدو لي أن الألم –بجرعة مناسبة- هو حق البشر مثل الدعة سواء بسواء، لكن يبدو لي أيضا أن نصيبي  من الألم والنسيان والإهمال كان أكبر من حقي”، فهذا الإهمال دعا الرخاوي إلى كتابة سيرته الذاتية، وذلك لأنه يحمل بداخله إحساسا متناهيا بالعظمة، وهو ما انعكس بداخل ترحالاته التي تجاوزت 900 صفحة في ثلاثة مجلدات.

الترحال الثاني من ترحلات يحيى الرخاوي
الترحال الثاني من ترحلات يحيى الرخاوي

تأرجح موقف الرخاوي من الغرب بين القبول والرفض، فنجد شعورا قويا لديه لنقد الغرب، بل ورفضه أحيانا، والنقد الموجه للحضارة الغربية يستند بالأساس إلى موقف قيمي، فالإنسان في هذه الحضارة يفتقد إلى الأمان فيقول “كنت أسير في شوارع نيويورك غير آمن على أي شيء كنت أشعر أني في بلد متخلف قبيح بالمقارنة إلى الرقي الرائع في بلدي الفقير المنهك، حيث تسير ابنتي ليلا في شوارع المقطم دون هذا الرعب المشل” وقد شعرت هناك (في نيويورك) أن العلاقات قد تدهورت حتى ساد قانون حيواني، وفي موضع آخر نجده يقول “ملعون أبو هذه الحضارة إذا كانت نهايتها أن نسير نتلفت حولنا طول الوقت هكذا، وإذا كانت سوف توصي أن نودع ضمائرنا وعلاقاتنا الحميمة في أدراج البنوك، وملف شركات التأمين سجلات مكاتب المحامين”..

ونتيجة للموقف الناقم من قبل الرخاوي على الحضارة الغربية نجده ينتقد قيمة الحرية التي يتباهى بها الغربيون فيقول “أتصور أن الحرية المزعومة في بلاد الفرنجة هي خدعة كبرى من كل تصور، فإن كنت أخاف من قمع حريتي في نشر الكلمة، أو إبداء رأي في بلدي، في يوم ما لم يأت بعد، فإن حرية المشي ليلا وحرية إمكان التخلص من وصاية الإعلان ووصاية التلفزيون، ووصاية شركات التأمين، وغير ذلك هي كلها حريات غير قائمة في بلاد الخواجات المتقدمة .

ولقد كان الموقف الرافض للغرب هو الموقف المسيطر عليه في الأغلب، وحين كان ينتابه هذا الإحساس الرافض كان يقول لنفسه “فلتعرف حدودك يا فتى قبل أن تتمادى في الهجوم علي الخواجات” فما دامت مراحيضهم أنظف من حجرات الصالون عند أكابرنا فهم أسـيادك يا فتى، فأوقف هجومي عليهم إلى حين .

وبالمقابل نجد الرخاوي ينظر إلى الغرب بوصفه المعلم باحترام وإجلال، وقد تعلم كثيرا منه في مجال الطب النفسي فنجده يتكلم عن فرويد، ويتكلم عن الجانب المعملي للطب النفسي عندهم بتقدير، وتكشف ترحالات الرخاوي عن مجمل المامه بتاريخ تطور السيكولوجيا في الغرب، وتاريخ تطور الطب النفسي الحديث، وأن الرخاوي كان يناقش معظم أعلام الطب النفسي في الحضارة الغربية، ويبدو واضحا أن الغرب في جانب العلم والمعرفة يمثل للرخاوي المعلم .

ويبدو موقف الرخاوي من  الغرب متأرجحاً بين النقد الشديد الأقرب إلى رفض هذه الحضارة ،وبيان مثالبها، رغم ما لهذه الحضارة من فضل عليه في التعلم والارتقاء، وكأن الرخاوي يعاني حالة فصامية واضحة، كالتي يعاني منها شيوخ السلفية، مع الفارق أن تأرجحه بين الإعجاب والرفض ينطلق من خلفية ابستمولوجية معرفية خالصة.

و يأتي موقف الرخاوي من التكنولوجيا مكملا لموقفه من الغرب، فهو يرفض في التكنولوجيا كونها وسيلة  استهلاكية، تؤدي إلى الترف والخمول – ذلك الشعور الذي كان يقاومه الرخاوي دوما- ولكنه بالمقابل يحترم التكنولوجيا التي أدت إلى رخاء الإنسان وإنماء قدرته على السيطرة على الطبيعة.

وفي موقفه الناقد للتكنولوجيا نجده يقول “إن عطاء التكنولوجيا يصاحبه مزيد من البلادة والرخاء والثبات في المحل، كما ازدادت الأزرار والتحكم عن بعد، أما هذه التكنولوجيا التي تسمح بكل هذه السرعة فهي تؤكد حضور الجسد في مواجهة الطبيعة”، وقد بدى له الاستسلام للدعة تراجعا عن شرف التساؤل عن الملامح الحريفة، عن تفضيل الطبيعة البلاستيك علي الطبيعة الطبيعية، أنهيت هذه الصيحة، وكأني أنعي نفسي وأرثي عصري .

وينتقد الرخاوي في مجتمعاتنا التوظيف الاستهلاكي للتكنولوجيا الذي يؤدي إلى الترف والرخاوة، والكسل و الدعة، وهو في الوقت نفسه –من وجهه نظري- يعمق الحاجة، وعدم القناعة وبهذا التوظيف يتحول الإنسان إلى عبد للحاجة والاستهلاك مهما بلغ دخله. ونحن وإن كنا نتفق مع الرخاوي في إقرانه التكنولوجيا بالخمول والكسل، فهذا فقط في المجتمعات العربية و العالم الثالث، وذلك لأن الإنسان الغربي مازال يملك القدرة على المغامرة والاقتحام والمواجهة، والعمل المستمر، بل إن استمرار الحضارة الغربية إلى الآن وعدم انهيارها نابعا من امتلاك الإنسان الغربي القدرة الكبيرة على المغامرة والكشف.

ومن ناحية أخري لا أتفق مع الرخاوي في دعواه بأن: التكنولوجيا تؤكد حضور الجسد في مواجهة الطبيعة وذلك لأن التكنولوجيا المادية هي بالأساس تجلي للروح الإنسانية وامتلاكها روح المغامرة، ولهذا كان العظيم طاغور يقول كلما أنظر إلى الطائرة في السماء أدرك عظمة الروح الإنسانية التي أبدعت هذه الطائرة، ولهذا لم يكن طاغور يرى في التكنولوجيا الغربية مجرد انعكاس لحضارة مادية.

يبدو من خلال ترحالات الرخاوي مدى الزخم الشديد في معالجة العديد من القضايا المهمة، ونحن فقط قد أخذنا منها لقطة واحدة عن صورة الغرب في سيرته الذاتية، وإن تضمنت هذه الترحالات شهادته عن ميتافيزيقا الموت ،ورؤيته للعلاج النفسي، وموقفه من التصوف الإسلامي، والتي تكشف عن مدى ثراء شخصية الرخاوي كمفكر، وأديب،وطبيب نفسي يمثل رمز كبير في الثقافة المصرية المعاصر، والذي تجاوز حدود التخصص الضيق إلى آفاق المعرفة الواسعة.

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: