ثقافة

زيارة جديدة لـ«سيد عويس».. رسائل المصريين للإمام الشافعي

منذ ما يزيد عن أربعة آلاف سنة في عهد ملوك أهناسيا سلب أحد المتصلين بذوي النفوذ في البلاط فلاحًا بسيطًا ما معه من سلع، فذهب الفلاح يشكو إلى رئيس هذا الشخص وكان يعمل كبير حجاب القصر، ووجد كبير الحجاب هذا أن الفلاح كان عنيفًا في شكواه، فصيحًا في حديثه، وربما لهذا لم ينصفه إلا بعد أن كرر شكواه تسع مرات.

كان كل ما أراده الفلاح هو أن تعود إليه بضاعته، طالب بحقه في «الماعت» أي «الحق والعدل» من شخص وضع في منصبه كي يتولى حفظ «الماعت» بين الناس وعرفت تلك الشكوى «بشكوى الفلاح الفصيح».

بعد نحو أربعة آلاف سنة وفي دراسة للدكتور سيد عويس «1913-1989» رائد علم الإجتماع بمصر لظاهرة إرسال الرسائل لضريح الإمام الشافعي التي صدرت في كتابه: «من ملامح المجتمع المصري المعاصر .. ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعي» وجد عويس رسالة مرسلة من أحد فلاحي أهناسيا بمحافظة بني سويف تحمل ذات المضمون الذي جاء بشكوى الفلاح الفصيح.

ضريح الإمام الشافعي

«وإني أرى نفسي تتوق إلى مصر.. ومن دونها عرض المهامة والقفر .. فوا الله ما أدري: أللعز والغنى أساق إليها، أم أساق إلى قبري؟» .. هكذا أنشد الإمام الشافعي قبيل مجيئه أرض مصر.

قَدِمَ الإمام الشافعي إلى مصر سنة 199 هجريا الموافق «813-814 ميلاديا» وتوفاه الله بها وهو في الرابعة وخمسين من عمره بعد أن مكث فيها نحو خمس سنوات، وقيل أنه مكث بها ثلاث سنوات فقط، كما قيل أنه قد أوصى قبيل وفاته بأن تصلي عليه السيدة نفيسة، فلما مات أحضروا نعشه عندها فضربت لها ستارة، وصلت عليه من خلفها، ثم حمل إلى قبره.

احتل الشافعي مكانة خاصة لدى عموم أبناء مصر وبعد وفاته حرصوا على زيارة ضريحه وإرسال الرسائل له، تُرى ما هى طبيعة تلك الرسائل؟ هل كانت مجرد شكاوى فقط؟ أم تضمنت بعض الطلبات؟ وما كانت طبيعة تلك الطلبات؟ وهل قدموا مقابل تلك الطلبات بعض النذور؟ وما هى أهم صفات وسمات كُتاب تلك الرسائل؟ ..

تساؤلات عدة طرحها سيد عويس خلال دراسته التحليلة لعدد من الرسائل التي تم توجيهها لضريح الإمام الشافعي والتي كانت تلقى بالضريح ذاته أو ترسل عبر البريد العادي ليتسلمها مسئول مختص باستلام تلك الرسائل، وقد تمكن عويس من إقناع هذا المسئول بعد مشاقة كبيرة بأهمية دراسة تلك الرسائل دراسة إجتماعية.

ضريح الإمام الشافعي
ضريح الإمام الشافعي

إلى صاحب الفضيلة الإمام الشافعي

تمكن سيد عويس من الحصول على «163 رسالة» من الرسائل المرسلة لضريح الشافعي عبر البريد العادي، كانت غالبية تلك الخطابات توجه لشخص الشافعي: «إلى صاحب الموكب العظيم الإمام الشافعي»، «حضرة المحترم صاحب الفضيلة الإمام الشافعي رضى الله عنه»، «لحضرة صاحب السيادة والفضيلة المحترم صاحب المجد والشرف سيدي الإمام الشافعي بمصر المحروسة في خير وسلام .. خصوصي لسيادته»، «سيدي وتاج رأسي العارف بالله مولاي الإمام الشافعي رضى الله عنه وأرضاه» وكانت بعض تلك الرسائل توجه لإمام مسجد الشافعي أو خطيب المسجد أو شيخ السجادة أو نقيب الضريح أو خادم الضريح، وقد أتت تلك الرسائل من أربعة عشر محافظة مختلفة من محافظات مصر.

تعددت طبيعة الرسائل المرسلة لضريح الشافعي فكان منها تلك الشكاوى الخاصة بالإعتداء على الأموال والممتلكات سواء تمثل ذلك في سرقة الأموال أو الإعتداء على الأراضي الزراعية أو تسميم الحيوانات أو هدم المنازل أو التعدي على ميراث الأيتام .. إلخ من شكاوى تخص الجانب المادي، كما كانت هناك تلك الشكاوى الخاصة بالإعتداء على الأشخاص بداية من السب والسخرية وصولا للقتل، إلى جانب شكاوى تخص نطاق العمل والحق في الأجر العادل، وأخيرا تلك الشكاوى التي تخص العائلة من شكاوى الزوجة أو الزوج أو الإرغام على الزواج أو الطلاق .. إلخ، ومثلما تعددت الشكاوى تعددت الطلبات فكان هناك طلبات تتعلق بطلب الحكم العادل ورفع الظلم، وهناك طلبات الإنتقام وطلبات الشفاء من المرض إلى جانب طلبات الزواج والإنجاب، وإعادة الشخص الغائب وغيرها من الطلبات الاجتماعية وصولا للطلب السياسي الوحيد الممثل في «فناء إسرائيل».

أرسل بعض أصحاب الرسائل طلبات تتعلق بعقد جلسة «هيئة المحكمة الباطنية»، ومرسلو هذه الرسائل يعتقدون في وجود محكمة تُعقَد في «العالم السفلي أو الباطني» ويرسل أصحاب الرسائل طلباتهم إلى الإمام الشافعي بوصفه القاضي الشرعي لتلك المحاكم، وقد يطلب صاحب الرسالة من الإمام الشافعي الإستعانة ببعض الأولياء الصالحين.

د.سيد عويس.. وكتاب رسائل إلى الإمام الشافعي
د.سيد عويس.. وكتاب رسائل إلى الإمام الشافعي

أبدع مرسلو الرسائل في توجيه رسائلهم، فكان منهم من يبدأ رسالته بأبيات شعر أو ما يشبه الشعر ومنها: «سألت عن المكارم أين حلت؟ .. فكل الناس دلوني عليك .. سألتك بالنبي وصاحبيه .. ومن قضى في والديك .. لا تخيب فيك ظني .. فإني اليوم محسوب عليك» وكان منها: «يا عصبة الخير بخير الملل .. وتحية النور البهي الأجل» ونجد أيضا: «على باب عزكم وقفت بذلتي .. وأطرقت رأسي من عظيم خبيئتي .. وعفرت وجهي رغبة في رضاكم .. بترب نعلاكم ثم أسبلت دمعتي».

توجه أصحاب الرسائل إلى الشافعي لمساعدتهم لمعرفة الشخص المجهول الذي سلبهم حقهم، فنجد سيدة تبث شكواها عن شخص غير معروف لديها «وأنت يا سيدي الإمام تعرفه شخصيا .. وإن شاء الله عندما يظهر البيان وتصير سليمة سنحضر لك شخصيا وندفع لك ما فيه النصيب»، فهى تثق في قدرة الإمام على إظهار الشخص المجهول ناهب حقها كما تتعهد بزيارة الضريح وتقديم النذر له.

وقد يعرف صاحب الرسالة الشخص المعتدي على حقه لكنه لا يملك القدرة على مواجهته فيرسل رسالته طلبا للعون والسند في الحصول على الحق، ويتعهد أغلب أصحاب الرسائل بتقديم النذور إذا ما تحقق لهم مرادهم كهذا الرجل الذي تعهد في خطابه: «أقسم بالله عندما تأخذ حقي من المعتدين لأعمل لك خاتمة لوجه الله وأنفق على المحتاجين والفقراء وأقبل عتبة مقامك وأبرز جهدي في سبيل كراماتك».

وكما أبدع مرسلو الرسائل في إفتتاحيتها أبدعوا كذلك في ختامها فكان منهم من يختم رسالته: «المدد المدد يا ساكن مصر يا سيدي الإمام الشافعي» وكان منهم من يختتمها بذكر آيه قرآنية أو بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو بالنداء على أولياء الله الصالحين: «المدد يا أبو فراج المدد يا رفاعي المدد يا دسوقي يا جيلاني المدد يا بيومي المدد يا صاحبة الشورى»، «نحن موكلين السيدة زينب والحسن والحسين وجميع أولياء الله يتصرفون بمعرفتهم»، «ببركة أهل بيت الله جميعا ببركة سيدي الحسين والست رئيسة الديوان».

أما توقيع الرسالة فقد تم إما بالاسم أو بوضع البصمة أو الختم وقدم صاحب الرسالة نفسه بوصفه المظلوم أو المظلومة أو خادمكم أو العبد الفقير أو العبدة الفقيرة أو أبنك الغلبان أو المخلصة.

حرص سيد عويس على دراسة وتحليل شخصية مرسلي الرسائل فتوصل إلى أنهم جميعا كانوا من المسلمين، وأن غالبيتهم من فقراء الريف، وأن أغلب كتاب الرسائل ليسوا بالضرورة أصحاب الرسائل أنفسهم، ذلك أن غالبية أصحاب الرسائل من الأميين وقد استعانوا بما كان يُعرَف بالكاتب العمومي لمساعدتهم على كتابة رسائلهم.

الإمام الشافعي في عقول مرسلي الرسائل -رغم مرور ما يزيد عن ألف ومائة وخمسين عاما -وقت إجراء الدراسة- على وفاته إلا أنه بالنسبة لهم مازال شخصا حيا يخلعون عليه الكثير من صفات الإجلال والتعظيم، فهو شخص ذو سلطان ملهم، ذو بصيرة يخترق الحجب والأستار إضافة لكونه شخص مؤتمن على الأسرار قادر على القيام بالكثير من الإختصاصات.

صورة ضوئية لمخطوطة كتاب الرسالة للشافعي
صورة ضوئية لمخطوطة كتاب الرسالة للشافعي

وقف الفقراء والأميون والعاجزون عن مواجهة الصعاب من المصريين لما يزيد على الألف عام على عتبات ضريح الإمام الشافعي، يطلبون وساطته ومساعدته على حل مشاكلهم، ربما لعجزهم على التواصل مع مؤسسات الدولة الرسمية فكان ضريح الشافعي وغيره من أضرحة الأولياء الصالحين هو ملاذهم الأخير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: