فن

ثقافة المهرجانات

في مشهد شديد الدلالة من مسلسل “أفراح القبة” المقتبس عن رواية بنفس الاسم للأديب الكبير نجيب محفوظ، يتسلل مجموعة من المراهقين من مدرستهم لا ليذهبوا إلى مكان للهو أو العبث وإنما ببساطة إلى المسرح.

يتفنن المراهقون في ألاعيب الهدف منها إقناع موظفة شباك التذاكر أنهم بالغون، وبالتالي يمكن أن يدخلوا المسرح ويشاهدوا المسرحية التي كانت تعرض على خشبته.

بعد طول جهد، يدلف المراهقون إلى المسرح لا ليشاهدوا عرضاً كوميدياً مسلياً وإنما عرضاً تراجيدياً هو مأساة شكسبير الأشهر “هاملت”، ولا ينتهي افتتان الفتيان بها عند حد المشاهدة وإنما يقلدونها حين يعودون إلى مدرستهم ويحولون مخادعهم إلى مسرح ويعيدون تأدية ما شاهدوه بلغة عربية سليمة وأداء متقن.

هذا المشهد رغم كونه مشهداً خيالياً إلا أنه مستوحى من واقع عاشته مصر حتى سبعينيات القرن العشرين، حيث كان الفن عامل إلهام وتثقيف، وكان لا يزال قادراً على صياغة وجدان الأفراد وكيفية حديثهم وتعاملهم مع بعضهم البعض.

يروي الفنان محمد صبحي في حوار أجري معه أنه وخلال إعداده لمسرحية هاملت التي أخرجها مطلع السبعينات كان يمر في طريقه إلى المسرح بمنطقة زراعية قريبة منه، ولاحظ أن الأطفال يلهون بعصي يحركونها كما لو كانت سيوفاً وهم يرددون جملاً بعينها سمعوها في المسرحية، ولم تكن الفصحى عائقا على الإطلاق أمام استيعابهم وترديدهم لها.

أتذكر هذه الأمثلة كلما استمعت إلى الجدل الدائر حالياً حول ما بات يعرف بموسيقى وأغاني “المهرجانات” التي انتشرت على مدار العقد الماضي انتشار النار في الهشيم، ورغم كونها بدأت في أحياء شعبية إلا أن المقبلين على سماعها اليوم سواء في الأفراح أو في مذياع سياراتهم باتوا من كافة الفئات الاجتماعية على اختلافها.

إلا أن الجدل الذي يدور حولها تظهر فيه سمة محددة من قبل الرافضين أو المعترضين على هذا النوع من الأغاني، حيث يلقي النقاد اللوم في انتشار هذه الموسيقى التي يعتبرونها هابطة وسطحية على “تردي الذوق العام” أو “انحدار الذائقة الفنية” أي أن الملام بشكل عام في نظر هذا الفريق هو الجمهور الذي ينبغي عليه -وفقا لهذا المنطق- أن يرتقي بذوقه ويترفع عن هذه الأغاني.

ولعل هذا المنطق هو الذي يقف خلف قرار نقيب الموسيقيين المصريين بمنع هذه الأغاني ومطربيها.

في رأيي إن هذا المنطق يعاني قصوراً فادحاً، حيث أن ذائقة  المجتمعات الفنية ليست نبتاً شيطانياً، وليست بمعزل عن الواقع المعاش بل هي انعكاس مباشر لنوعية الفن الذي يقدم لهذا المجتمع.

وكما في المشهد المشار إليه في بداية هذا المقال، فحين كان المسرح المصري يقوده فنانون من نوعية يوسف وهبي وجورج أبيض ونجيب الريحاني وغيرهم من الرواد؛ كان الجمهور يستوعب ويهضم ما يقدمه المسرح سواء في شقه التراجيدي كأعمال وهبي، أو الكلاسيكي كما في أعمال أبيض، أو الكوميديا الراقية التي عرف بها مسرح الريحاني.

كان هؤلاء الرواد يدركون تماما أنهم حملة رسالة واضحة ومحددة، وانعكس هذا في أعمالهم التي حرصوا على أن تقدم بلغة راقية سواء كانت أعمالا بالعربية القحة أو مزيجاً من الفصحى والعامية الدارجة.

وكان الجمهور، الذي يتعالى عليه البعض، على قدر توقعات هؤلاء الرواد، وهو ما دعا فناناً مثل إسماعيل ياسين الى أن يعتبر في حوار إذاعي أن الخالق يكافئه على كفاحه الطويل “بهذا الشعب الطيب”، الذي صار بفضله صاحب فرقة ومسرح بعد سنوات طوال من الحرمان.

جورج أبيض ويوسف وهبى وزكي طليمات واسماعيل ياسين
جورج أبيض ويوسف وهبى وزكي طليمات واسماعيل ياسين

ومع مجيء الستينات، برز المسرح القومي ومعه جيل من المبدعين تم تدريبهم على يد الرائد المسرحي زكي طليمات، وصار المسرح قبلة للمتفرجين الذين شاهدوا على خشبته نصوصا بأقلام كبار الكتاب مثل عبد الرحمن الشرقاوي وتوفيق الحكيم والفريد فرج وغيرهم.

كما كان هذا الجمهور أيضا هو الذي يتحلق حول المذياع منتظراً حفل السيده أم كلثوم الشهري، وتحديداً الخميس الأول من كل شهر، ويتمايل طرباً مع “كوكب الشرق” وهي تغني بلغة فصيحة قصائد كبار الشعراء من أبي فراس الحمداني إلى أحمد شوقي.

إلا أن السبعينات حملت معها رياح تغييرعاتية، تراجعت الدولة عن دعم الفنون وفي مقدمتها المسرح الذي أصبحت الغلبة فيه للمسرح الخاص أو التجاري الذي لا يعبأ صناعه بالنص المكتوب بقدر ما يعنون ب”الإفيه” أو النكتة السريعة الخاطفة التي تنتزع الضحكة حتى وإن كانت على حساب الموضوع.

كما غابت “الست” ولياليها منذ منتصف السبعينات وحل محلها أغان فرضها سوق الكاسيت الذي سرعان ما تسيد الساحة.

في أجواء كهذه كان من الطبيعي أن تظهر “المهرجانات”، فهي نتاج منطقي لتراجع الاهتمام الرسمي بالثقافة والفن وتراجع دور المبدعين وعزلتهم، لا نتاج للجمهور كما يدعي البعض.

وربما يكون من المفيد هنا ذكر قصة رواها الفنان المصري المخضرم عبد الرحمن أبو زهرة توضح تلك العلاقة الطبيعية بين ما يتلقاه المستمع وما يردده، حيث يذكر الفنان القدير أنه وأثناء توجهه إلى موقع تصوير مسلسل كان يشارك فيه في الصباح الباكر، وجد عامل النظافة يردد أغنية سمعها في حفل لأم كلثوم ويقول بلسان عربي فصيح: “هل رأى الحب سكارى….مثلنا”

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: