ثقافة

«ثلاث نساء سويديات».. تاريخ مصر الحديث في رواية بديعة 

شهدت صحراء مصر بزوغ الفراعنة، ومهْد المسيحية التي انتشرت في العالم أجمع، كما شهدت تقدم العلماء والمؤرخين المسلمين الذين ألهموا الغرب، ليخطو خطواته صوب الحداثة.

ألم نستطع جميعنا التواصل مع بعضنا البعض عبر الحواجز، تمامًا كما يقول البدو؟

تداعت الأفكار إلى رأسي في حوار طويل مع النفس التي انطوت تحت أجنحة الخلود الذي أسر صحراء مصر.

مَن يدري بما تحمله السنوات القادمة في جعبتها لأرض الفراعنة؟ تلك الأرض الطيبة التي طالما استطاعت أن تحيا رغم كل ما كابدته من سنوات الشقاء والعناء.

هذه هي السطور الأخيرة من رواية «ثلاث سويديات في القاهرة» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، لمؤلفتها آن إيديلستام، الباحثة في علم الأجناس والمؤرخة الإسلامية، وأنجزت ترجمتها إلى العربية المترجمة مروة إبراهيم آدم.

بدايةً نقرأ على غلاف الرواية الأخير أن هذه قصة حقيقية ترويها الحفيدة «آن» ببراعة، ساردة للقاريء كيف استطاعت جدتها هيلدا وأمها إنجريد، وهي بعدهما، اكتشاف مصر بداية من عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 2011، كاشفة عن سمات المجتمع المصري وتحولاته، من خلال السويديات الثلاث اللاتي يُمثّلن ثلاثة أجيال مختلفة، ساقهن القَدَر للحياة في مصر، ومن خلالهن ترصد «آن» مؤلفة الرواية، التحولات الحادة التي شهدها المجتمع المصري منذ عام 1924.

كانت هيلدا ترى دائمًا الجانب الإيجابي في الأشياء، مثلما كانت شخصية عملية ودائمًا ما كانت تتوق إلى المغامرة، إضافة إلى أنها كانت تعشق الموسيقى وتقول عنها إنها نعمة إلهية.

كما كانت ترى الحياة في القاهرة مثلها مثل الحياة في مدن أوروبا تقريبًا، بل وربما أفضل نظرًا إلى التدهور الاقتصادي الذي كانت تعاني منه معظم المدن الأوروبية يومذاك.

آن إيديلستام في مكتبة الاسكندرية
آن إيديلستام في مكتبة الاسكندرية

مصائر متشابكة

هذا وفي تقديمه لهذه الرواية يقول الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، الراحل بطرس بطرس غالي، إن رواية ثلاث سويديات في القاهرة تُعدّ عملًا رائعًا حيث يتسنى لنا من خلال القصص الأصلية لثلاث بطلات من ثلاثة أجيال لعائلة سويدية، أن نتعرف على التطور والتحول الذي حدث في مصر على مدى ثلاثة عقود هامة.

كما أن هذه الرواية تكشف لنا عن ثلاثة مصائر متشابكة: الجِدة التي كان زوجها قاضيًا في المحاكم المختلطة، والابنة التي تزوجت من السفير السويدي في القاهرة، والحفيدة التي تلقّت تعليمها في القاهرة، وهي أيضًا مؤلفة هذه الرواية، والتي تهديها إلى أسرتها وجميع المصريين الذين شاركوها في تلك الرحلة الرائعة.

بطرس بطرس غالي
بطرس بطرس غالي

ومن خلال مصائر السيدات، يقول بطرس غالي، تتكشّف لنا مراحل مهمة في التاريخ المصري المعاصر، وكذلك ما يوازيها من أحداث في بقية بلدان العالم، إنها ثلاث لقطات خاطفة ومتناقضة في حِراك أمة يتم استعراضها، فمن خلال الجدة نتعرف على نضال مصر ضد الاستعمار سعيًا للاستقلال، حيث كانت القاهرة مدينة أنيقة كوزموبوليتانية منفتحة على الآخر، وبرغم تعدادها السكاني الذي بلغ مليوني نسمة، فقد كانت مكانًا ساحرًا: ”في بداية عام 1930 كانت القاهرة مدينة ساحرة ذات زخم ثقافي، كما كانت خالية من التلوث، وغير مكدسة بالسكان.كانت الحياة فيها رائعة، للصفوة والأغنياء من الأجانب والمصريين، مما عوّض هيلدا عن المتاعب التي مرت بها حتى بدأت مرة أخرى في قلقها على إنجريد“.

أما الأم التي نشأت وسط القصور والمنازل الفاخرة ذات الطراز الأوروبي في القاهرة، فنتعرف من خلالها بعمق على الثورة السياسية التي حولت مصر من مَلَكيّة إلى دولة اشتراكية تحكمها سلطة مركزية، وأخيرًا تصف الكاتبة الثورة السكانية التي حولت مصر إلى ما آلت إليه اليوم كمدينة مكتظة يقطنها حوالي عشرون مليون نسمة، وتمتليء بالصخب والتلوث، في حين أن أصالة هذه الرواية، كما يرى بطرس غالي، لا تكمن فقط في كونها تتكون من عدة أجزاء منفصلة تجتمع معًا لتكوّن رؤية للتاريخ المصري، إنما تكمن، إلى جانب هذا، في التناقض الصارخ بين الواقع المؤلم الذي تكتشفه الروائية بعد سنوات من الغياب، وبين عمق الذكريات الساحرة، التي انتقلت عبر الأجيال في عائلتها، وهي بذلك تعطي لنا شهادة موثقة، لنشاركها شغف ثلاث سيدات من السويد عِشْنَ ذات زمان في مصر صاحبة الستة آلاف سنة من الحضارة.

أحداث تاريخية

آن إيديلستام تتعرض لأحداث تاريخية مهمة كان لها أثرها على مصر وربما المنطقة العربية بأكملها، منها أنها ترصد سقوط الإمبراطورية العثمانية وسعْي بريطانيا لتوسيع نفوذها خاصةً بإحكام السيطرة على قناة السويس، وتصاعد موجة جديدة من الوطنية بقيادة سعد زغلول.ومنها تَمَكّنُ شامبليون الفرنسي من فك شفرة الكتابة الهيروغليفية المنقوشة على حجر رشيد، ومنها وقوع مصر في أكثر من أزمة اقتصادية، ومنها الحروب التي خاضتها القاهرة، ومنها توقيع معاهدة 1936 التي أعطت الصلاحيات للقوات العسكرية البريطانية بالتحرك حال شعورها بأن ثمة خطر يهدد قناة السويس.

كذلك تتعرض لحياة جمال عبد الناصر ونكسة عام 1967، ثم تولّي أنور السادات الحكم بعده، وعلاقته الوثيقة بالإخوان المسلمين، والتوقيع على معاهدة كامب ديفيد عقب حرب السادس من أكتوبر 1973، كذلك تمر على سنوات حكم مبارك الذي كان يُطلق عليه المصريون لقب la vache qui rit حيث كان ضخم الوجه ونادرًا ما كان يبتسم.

وتمر أيضًا على التغيرات التي حدثت على خريطة العالم عقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، وما نتج عنها من تغيّر سياساتها مع الدول الأخرى، خاصة الإسلامية منها، كل هذا بالتوازي مع اتساع الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء، سواء في مصر أو في غيرها من الدول الأخرى، كما تمر سريعًا على بعض القضايا مثل ظهور الأصولية الإسلامية وبشدة في العقود الأخيرة، وقضية المثلية الجنسية التي رُفضت في مصر وفي غيرها من الدول العربية، وأخيرًا تصل الرواية عند حدود الثورة المصرية التي اندلعت شرارتها في الخامس والعشرين من يناير عام 2011: «كانت مصر أشبه بالزوجة التي يتم استنزاف كل قوّتها، ومواردها إلا أن غالبية المصريين لا يزال يحدوهم الأمل في أن تسير الأمور بشكل أفضل يومًا ما، حتى أتى اليوم الذي فاض فيه الكيل بمصر، بعد أن فقد المصريون الكرامة، والأمل فانتفضت مصر لتتحدث عن نفسها من جديد ثلاث سويديات في القاهرة».

ثورة 25 يناير
ثورة 25 يناير

وبعد..إننا هنا أمام رواية ممتعة، لا لسلاسة السرد وانسيابية الحكي، ولا للعالم الروائي الشائق الذي صنعته الروائية فقط، بل لأنها أيضًا تُسلط كاميرا كاتبة روائية على تاريخ مصر، في فترة تعتبر من أهم وأحرج الفترات التي مر بها التاريخ المصري، تبدأ من عشرينيات القرن الماضي وحتى قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011.

كما أنها لم تكتفِ بالحديث عن المجتمع من بعيد، بل غاصت إلى أعماقه، وعبّرت عما كان يحدث فيه بصدق واقعي وروائي، إلى جانب رصدها لاختلاف الثقافات فيما بين الشعوب وبعضها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: