فن

رحيل تشادويك بوسمان.. فنان في مواجهة العنصرية

على مدار سنوات طوال اعتادت أفلام هوليوود تقديم كل ما هو غير أبيض بشكل مشوه وساخر، وفي مقدمة هؤلاء الذين كانوا هدفاً دائما ومفضلاً لتلك الصورة المشوهة هم الأمريكيين السود.

قدم السود لفترة طويلة باعتبارهم أدنى فكرياً وثقافياً، وكان ظهورهم على الشاشة يهدف لحصد ضحكات الجمهور لا أكثر؛ خاصة حين يقدمون كشخصيات ساذجة للغاية.

وبطبيعة الحال لم تخرج صورة الأفارقة عما رسمه الاستعمار الأوروبي: همج يرتدون ثياباً فضفاضة ويقاتلون بالحراب والنبال، وهم في كافة الحالات أقل شأنا من البيض القادمين من بلادهم الأصلية عبر البحار ل”تمدين” هؤلاء الأفارقة.

من هنا وهنا تحديداً يمكن فهم أهمية مسيرة ممثل أمريكي أسود كالنجم الشاب تشادويك بوسمان الذي رحل منذ ساعات بعد صراع طويل مع مرض السرطان.

لم يستسلم بوسمان للأدوار النمطية التي عادة ما تمنحها استوديوهات هوليوود الكبرى للممثلين السود مثله، لم يقبل أن يتم حصره وحصر موهبته في أدوار من نوعية تاجر المخدرات أو سائق التاكسي أو القواد.

شادويك بوسمان في شخصية الملك تاكيلا في النمر الأسود
شادويك بوسمان في شخصية الملك تشالا في النمر الأسود

فبعد تألقه في عدة أعمال تلفزيونية استطاع بوسمان أن يقتحم عالم السينما بشروطه الخاصة، ومن خلال أفلام مستقلة من إنتاج شركات صغيرة مثل فيلم “ذا كيل هول” عام ٢٠١٢، وهو الفيلم الذي لعب من خلاله دور ضابط في الجيش الأمريكي شارك في غزو العراق، ويعاني من تبعات هذه الحرب، خاصة حين يبدأ تحقيقاً في جريمة حرب جرت أثناء تأديته لفتره خدمته هناك.

وفي الأعوام التالية، كرس بوسمان ذاته كممثل قادر على تجسيد الشخصيات التاريخية التي لعبت دوراً محورياً في حياة السود في الولايات المتحدة وفي مقدمة هذه الشخصيات: لاعب رياضة البيسبول جاكي روبنسون في فيلم حمل رقمه الشهير “٤٢”، وهو اللاعب الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه حين استطاع تجاوز كافة العراقيل التي وضعتها السياسات العنصرية، وأصبح أول لاعب أمريكي أسود في تاريخ تلك الرياضة ينضم إلى الاتحاد الرسمي لها من خلال تعاقده مع فريق “بروكلين دودجرز”.

وفي عام ٢٠١٤ قدم بوسمان تجربة مماثلة من خلال تجسيده لشخصية المطرب والموسيقي الشهير جايمس براون، أحد مؤسسي موسيقى “السول” في الولايات المتحدة،  وذلك من خلال فيلم يحمل اسم “جيت ال اب” وهو عنوان واحدة من أشهر أغاني براون وأكثرها نجاحاً.

وبرع بوسمان في تصوير حياة براون ومسيرته الفنية والإبداعية الطويلة، ودوره في حركة الحقوق المدنية التي كانت تنشد المساواة في الخمسينات والستينات، والتي ساهم فيها من خلال أغنيته التي باتت واحدة من أناشيد الحركة “أسود وافتخر”.

وبسبب إدراكه التام لحقيقة أن صورة السود المشوهة في أفلام هوليوود هي جزء لا يتجزأ من تشويه الأفارقة وحضارتهم السابقة على الاستعمار الأوروبي، كان من الطبيعي أن يشارك بوسمان في أفلام تعيد رسم صورة الأفارقة، لا سيما حضاراتهم القديمة وفي مقدمتها حضارة مصر القديمة، فشارك عام ٢٠١٦ في فيلم بعنوان “أرباب مصر” الذي تناول أسطورة الصراع بين حورس وعمه الشرير ست ولعب بوسمان دور الحكيم تحوت.

وفي عام ٢٠١٨ قدم بوسمان أبرز أعماله على الإطلاق وهو فيلم “بلاك بانثر” أو الفهد الأسود، المقتبس عن سلسلة قصص مصورة تحمل نفس الاسم.

لعب بوسمان في الفيلم الذي نال استحسان الجمهور والنقاد على حد سواء دور بطل خارق يحكم مملكة أفريقية مجهولة، ولا تظهر على الرادار أو حتى في نشرات الأخبار حيث أبقاها ملوكها سراً دفيناً لسنوات، إلا أن مملكة “واكاندا” في حقيقة الأمر هي مملكة متقدمة للغاية بفضل مواردها الطبيعية بل لعلها أكثر تقدماً من نظيراتها الغربية بفضل جهود علمائها وخاصة في ظل وجود الملك تشالا الذي يحميها بقواه الخارقة.

كانت الصورة المقدمة للأفارقة هذه المرة مبهرة إلى أقصى الحدود، وعلى حد تعبير الممثلة الكينية لوبيتا نيونج فإن الفيلم من خلال هذه المملكة المتخيلة يطرح سؤالا حول ما كان يمكن لأفريقيا أن تحققه أو تقدمه للعالم لو أن مسيرتها الحضارية لم تباغت فجأة بوصول المستعمرين الأوروبيين إلى شواطئها.

نال بوسمان بفضل دور الملك تشالا ثناء النقاد وشعبية هائلة في أوساط الجمهور الأفرو-أمريكي وحصد عدة جوائز مثل جائزة نقابة الممثلين الأمريكيين وجائزة اختيار الجمهور وغيرها.

وفي أعماله التالية سعى بوسمان للحفاظ على الصورة الإيجابية للبطل الأسود في أفلامه، كما في فيلم “٢١ بريدجز” الذي لعب فيه دور ضابط يطارد مجموعة من القتلة أو في فيلم “ذا فايف بلودز” الذي جمعه لأول مرة بالمخرج الأسود الأكثر شهرة في هوليوود سبايك لي، والذي تناول فيه دور الجنود الأمريكيين السود في حرب فيتنام، وهو الفيلم الذي عانى طويلاً من التعتيم الرسمي عليه.

ورغم رحيله عن عمر لم يتجاوز ٤٢ عاماً، إلا أن جمهور السينما في الأغلب سيذكر النجم الذي أسبغ عليه لقب الملك لسعيه الدائم لتقديم مجتمعه وثقافته في إطار مغاير لما اعتادت عليه هوليوود.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: