ثقافة

«فؤاد حسنين علي».. قيمة علميّة رغم التجهيل

علينا أن نعرف أسباب فصل «فؤاد» من الجامعة والسبب الحقيقي في تجاهل تاريخه الكبير.. 

أكاد أجزم أنَّ كثيرين ممن يحملون الشهادات العلمية العُليا، سواء في الدراسات الإنسانية المختلفة أو غيرها من الدراسات الأكاديمية الأخرى، لا يعرفون كثيرًا عن الدكتور فؤاد حسنين علي (وُلد 1907)، أحد أوائل الدارسين والباحثين في الآداب السامية القديمة، بل ربما لا يعرفونه بالأساس، لأنّ الرجل تعرّض للإهمال والتجهيل والمصادرة والفصل من العمل كأستاذ بالجامعة، حتى إنّ كلية الآداب بجامعة القاهرة، نفسها، عندما احتفلت، منذ سنوات، باليوبيل الذهبي (50 سنة) على إنشاء أقسام اللغات الشرقية لم تتذكره كأحد أهم أساتذة فقه اللغات السامية القديمة على الإطلاق!

لا نعرف الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى فصْل الدكتور فؤاد حسنين علي من الجامعة في يناير من العام 1954، بعد عام فقط من ترقيته إلى درجة أستاذ، على الرغم من كونه أحد الأوائل الذين كان لهم الفضل في تأسيس قسم اللغات الشرقية في الجامعة، كما كان الأستاذ المصري والعربي الوحيد – ربما – الذي يعرف ويعلّم اللغات العبرية والسومرية والآكادية والآرامية والسريانية والبابلية، فضلا عن إجادته للغات الفارسية والألمانية واليونانية واللاتينية، ما يعني أن الرجل كان موسوعةَ لغات حيّة، يعرف فقهَها وتاريخَها ووشائجَ الاتّصال فيما بينها، وكيف كانت تتسرّب كلماتٌ من تلك اللغة إلى اللغة العربية خصوصا، الأمر الذي جعله يصنِّف مُعجمًا ضخمًا، يحوي أكثر من 1000 مفردَة من المفردات الدخيلة إلى اللغة العربية.

جامعة القاهرة
جامعة القاهرة

للدكتور فؤاد حسنين علي نحو ثمانية كتب مؤلَّفة باللغة العربية، هي: التوراة عرض وتحليل، مدخل إلى الأدب الشعبي، إسرائيل عبر التاريخ، التوراة الهيروغليفية، اليهودية واليهودية المسيحية، من الأدب العبري، فلسطين العربية، الأدب اليهودي المعاصر، فضلا عن خمسة كتب أخرى مترجَمَة أشهرها على الإطلاق كتاب (شمس الله تسطع على الغرب) للمستشرقة الألمانية زيجريد هونكه (1913- 1999)، وفيه تتناول تاريخ العرب وتأثير حضارتهم وعلمائهم واختراعاتهم على الحضارة الغربية، وتأثر اللغات الأوروبية باللغة العربية وحضارة الأندلس، كما كانت له إسهامات ممتازة في مراجعة كتاب (مصر القديمة) للعلامة الأثري سليم حسن، وكذا كتاب (الدين والعلم) الذي ألَّفه المشير أحمد عزت باشا، بخلاف بعض الكتب الأخرى والمقالات المتعددة التي يدل محتواها على سَعة اطّلاع وثقافة وعِلم الدكتور فؤاد حسنين علي.

من أهم آرائه واجتهاداته في حقل الدراسات السامية القديمة، أن النبي موسى وسائر بني إسرائيل الذين كانوا في مصر لم يتكلموا اللغة المصرية القديمة ولم يتكلموا العبرية كذلك؛ بل تكلّموا اللغة الآرامية، وهي اللغة التي كانت في الأصل لهجة عربية، أما اللغة العبرية فهي قد تولّدت عن اللغة الكنعانية، وقد عرفها الإسرائيليون بعد دخولهم أرض كنعان (فلسطين)، وهؤلاء الإسرائيليون الذين دخلوا أرض كنعان هم أولئك الذين كانوا في مصر فحملوا معهم اللغة المصرية القديمة، ومن خلالها نقلوا كثيرا من مفرداتها إلى اللغة العبرية، ما يعني أن صحف النبي موسى لم تُدوَّن بالعبرية بل بالمصرية القديمة، الأمر الذي يجعلنا نرجح وجود صلات وثيقة بين العقيدة المصرية القديمة والعقيدة اليهودية [راجع كتاب التوراة الهيروغليفية، دار الكاتب العربي، 1968]، وهذه نظريته في أصل التوراة.

غلافي التوراة الهيروغليفية والأدب اليهودي المعاصر لـ د.فؤاد محمد حسنين علي
غلافي التوراة الهيروغليفية والأدب اليهودي المعاصر لـ د.فؤاد محمد حسنين علي

ويرى الدكتور فؤاد حسنين علي أن لفظة فلسطين هو الصيغة اليونانية للفظ (فلاشت)، الذي ورَد في أسفارالخروج وأشعيا والمزامير في العهد القديم، ومعناه (أرض الفلسطينيين)، كما يرى كذلك أن هذا اللفظ ليس هو أقدم الأسماء التي أُطلِقت على هذا الإقليم؛ إذ إن الكتابات المسمارية ذكرت لها اسما آخرَ هو (أمورو)، وفي العبرية نجد اللفظ كذلك ولكن بالياء بدلا من الواو (أموري) في الوقت الذي تطلق فيه رسائل تل العمارنة على فلسطين اسم (كينخي)، كما عُرف جنوبها في اللغة المصرية القديمة بلفظ (خرو)، وشمالها باسم (رونتو).

ويرى الرجل أنَّ استيطان بني إسرائيل في فلسطين حصل نتيجة تسلل تدريجي واندماج سكاني مع أهل فلسطين الأصليين، وتثبت رسائل تل العمارنة أن الأمراء الكنعانيين استدعوا أولئك الإسرائيليين (قبائل الخبيري أو الساجاز، ويعني اللفظ في السومرية: الصياد أو اللص) لخدمتهم، لكنهم بعد تكاثرهم وتغلغلهم بينهم بالمصاهرة والاختلاط كان التخلص منهم أمرا عسيرا، خصوصا مع وجود جيل جديد ذي أصول إسرائيلية لكنه يحمل الثقافة الكنعانية، التي كانت مزيجا من ثقافات شتى أهمها المصرية والبابلية والفينيقية.

برج قلعة القدس
برج قلعة القدس

 إن آراء واجتهادات الدكتور فؤاد حسنين علي لم تكن ترديدا لما كان سائدًا في عصره، فالرجل كان باحثا ممتازا، وخبيرا تاريخيا ولُغويا على درجة كبيرة من الثقة العلمية والتمكُّن اللغوي العميق، كونه أجاد عشْر لغات مرة واحدة، استطاع من خلالها الربط بين كل لغة وأخرى، وهو ما منحه ميزة لم توجَد في أيٍّ من أقرانه في ذلك الوقت، لكن التجهيل الذي أحاط باسمه، بل أحاط حتى بصوره الشخصية، يجعلنا نعجب منه، فلماذا لا يُقدَّر الرجل تقديرا يليق به حتى الآن؟! ولولا بعض  المعلومات الشحيحة عنه، ولولا مسارَعة بعض دور النشر الخاصة – مؤخرا – على إعادة نشر بعض كتبه المؤلَّفة بالعربية، لما عرفنا عنه شيئا ذا بال، الأمر الذي يجعلنا نطالب بكشف النقاب عن أسباب فصْله من جامعة القاهرة بعد نحو أقل من عام على ترقيته إلى درجة أستاذ، ودعوة وزارة الثقافة إلى الاحتفاء به وبمنجزاته العلمية الكبيرة التي لا تقل بحال عن منجزات أيٍّ من المفكرين والعلماء والمؤرخين المصريين، بل إن فؤاد حسنين علي يفوقهم في أوجه كثيرة من وجوه البحث التاريخي للمنطقة العربية ولا سيما منطقة فلسطين وما حولها.

الوسوم

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: