ثقافة

حضرة الموظف نجيب محفوظ: تمنيت ترك الوظيفة لكن «مصر بلد الوظائف»

ظل يسخر من نفسية الموظف التي لازمته حتى بعد أن ترك الوظيفة

بسبب الخلاعة رفض الرقيب نجيب محفوظ أغنية من تلحين عبد الوهاب وغناء صباح

يحيى حقي: «ليست في نجيب محفوظ ذرة من طبائع الموظفين، ولا تستغرب إن قلت لك إنه مع ذلك موظف مثالي»

14 عاما من الحضور رغم الغياب، وهل يمكن أن تغيب شمسه المشرقة كل صباح بكل هذا الألق، وكل هذا الحضور المتألق بإنتاجه وأعماله وفلسفته وما خلفه من وراءه من تراثٍ يبقى أبد الدهر حاملاً مشاعل النور والتنوير والوعي والانحياز إلى القيم النبيلة.

قليلون هم من نفتقدهم في رحيلهم، وعلى رأس هؤلاء جميعاً يتربع كاتبنا الأديب العالمي نجيب محفوظ، واحتفاءً بالمناسبة، وتذكيراً بواحد من أهم جوانب تركيبته الابداعية نتحدث هنا عن «الموظف» في حياة أديبنا الكبير.

انقسمت حياة نجيب محفوظ العملية بين صفتي الموظف والمؤلف، وحكمت هذه الثنائية مشواره المهني، وتداخلت الصفتان طوال 37 سنة من عمره المديد قضاها موظفاً في دواوين الحكومة، وكتب خلالها العديد من أعماله، بدأ مشوار الوظيفة فور تخرجه من كلية الآداب قسم الفلسفة في عام 1934، وتسلم أول وظيفة له في 11 نوفمبر 1934 كاتباً بقلم المستخدمين في الجامعة المصرية ليخرج من الوظيفة وكان قد صار مستشاراً لوزير الثقافة بدرجة نائب وزير في 10 ديسمبر 1971، ليسترد مرة أخرة حريته وجزءاً مهما من وقته كان يضيع في دواوين الحكومة ويتفرغ للكتابة وانضم بناء على طلب محمد حسنين هيكل إلى كتيبة كبار الكتاب بجريدة الأهرام.

نجيب محفوظ في العمل
نجيب محفوظ في العمل

بدأ محفوظ مسيرته الوظيفية بالعمل في إدارة الجامعة المصرية موظفاً حكومياً في بداية السلم الوظيفي، وكان عمره آنذاك لا يزيد على 23 عاماً. انتقل لاحقاً إلى العمل في وزارة الأوقاف مع أستاذه الشيخ مصطفى عبد الرازق، حين عُيّن وزيراً للأوقاف، فعمل معه سكرتيراً برلمانياً.

كان زملاؤه جميعاً أكبر منه سناً، ولم يحصلوا على أية شهادات جامعية، بعضهم حصل على شهادة الابتدائية، وبعضهم حصل على شهادة الثانوية (التوجيهية)، وكانوا يسخرون منه ومن شهادته الجامعية، وحين علموا أن شهادته تلك في الدراسات الفلسفية سموه «أرسطو».

واصل محفوظ مشواره الدراسي وظل لمدة عامين، يدرس ويحضّر لدرجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية، تحت إشراف أستاذه الإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق، حتى رُشح لسفر في بعثة علمية للدراسة في فرنسا، ولما تخطوه وفقد فرصته في السفر وجد نفسه أمام القرار الصعب، هل يواصل طريق الدراسات الفلسفية أم يتفرغ للكتابة الأدبية؟

لم يطل تردده واستقر على أن يهب نفسه ووقته وجهده للرواية والأدب، وشعر بأنه أخيراً حصل على حريته، حتى أنه كان يقرن بين معاهدة الاستقلال في عام 1936 التي أعطت مصر نوعاً من الاستقلال الصوري، وبين قراره بالتفرغ للكتابة الأدبية، والتوقف عن إكمال دراسته الفلسفية.

في عام 1950، أصبح محفوظ مديراً لمشروع القرض الحسن بوزارة الأوقاف، وهو المشروع الذي كان يقرض المحتاجين من دون فوائد مالية، وبعد ثورة 23 يوليو 1952 انتقل نجيب محفوظ إلى وزارة الإرشاد القومي حيث انتدب للعمل في مكتب يحيى حقي مدير مصلحة الفنون الذي عينه فتحي رضوان وزير الإرشاد القومي آنذاك، وطلب منه أن يستعين باثنين في إدارة العمل بالمصلحة الحكومية الكبيرة، واختار حقي نجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير.

نجيب محفوظ وعلي أحمد بكثير
نجيب محفوظ وعلي أحمد بكثير

وحين تولى الدكتور ثروت عكاشة وزارة الثقافة فرح جداً بوجود محفوظ في الوزارة، وكان يعرفه قبل الثورة عن طريق بعض الأصدقاء والأقارب، يقول نجيب محفوظ: «كنت أرسل إليه برواياتي وكان يرسل لي بمترجماته، ولكننا لم نلتق إلا في الوزارة حيم جاء وزيراً فأصدر قراره بتعييني مديراً للرقابة ثم أسند إليَّ رئاسة مؤسسة دعم السينما، وظللت في هذا المنصب حتى قبل إحالتي إلى المعاش بعامين حين عينني مستشاراً لوزير الثقافة».

دخل نجيب محفوظ عالم الوظيفة وكان راتب الموظف، مهما يبدو الآن صغيراً، في وقتها كافياً لتحقيق ضرورات الحياة، بل وبعض الكماليات أيضاً، وحين بدأ مسيرته العملية كانت الوظيفة الحكومية أملاً كبيراً يسعى الجميع إلى الوصول إليه ولو بالواسطة، كانت الوظيفة الحكومية تعني الأمان والضمان والاستقرار، وكانت توفر لصاحبها وضعاً اجتماعياً مميزاً، بالإضافة إلى ما تمنحه من فرص الترقي على درجات السلم الوظيفي، والزيادة في الراتب والرفعة في المقام.

أما أجمل سنوات الوظيفة عنده، فهي حين كان موظفاً صغيراً في مكتبة تابعة لوزارة الأوقاف بالأزهر، نقل للعمل فيها بعد مجيء حكومة الوفد، وذهاب حكومة «الأحرار الدستوريين» التي كان الوزير مصطفى عبد الرازق منها، فرح نجيب محفوظ بوضع «الموظف المركون» في مكتبة بحي الأزهر، الذي أتاح له ـ أولاً ـ أن يكون في الحي الذي يعشقه، وسمح له هذا الوضع الجديد ـ ثانياً ـ بأن يقرأ كما يحب، وأمضى فيها أجمل أيام الوظيفة، بالمقارنة مع أية وظيفة أخرى خلال خدمته الطويلة في الحكومة.

أصعب سنوات الوظيفة حين وصل إلى أعلى درجاتها، كنائب وزير، وأصبح رئيساً لمؤسسة دعم السينما.

 كان مفروضاً عليه الكثير من الاجتماعات المسائية، وجارت على نصيبه الذي كان يخصصه للقراءة والكتابة، ومرة أخرى كانت سعادته بالغة حين ترك رئاسة المؤسسة، وحين تم «ركنه» مجدداً في منصب مستشار الوزير.

حافظ نجيب محفوظ على وقته طول الوقت، وعلى عاداته على مر السنين، وحين خصصوا له سيارة بسائق بعد أن ترأس مؤسسة السينما تنازل عنها حتى لا يفقد ما اعتاد عليه من أن يذهب إلى عمله، ويعود إلى بيته كل يوم سيراً، ووجد أن هذه السيارة الحكومية ستمنعه من ممارسة رياضته اليومية، فتخلص منها، وعاد إلى عادته المستديمة.

نجيب محفوظ على الطريق
نجيب محفوظ وهوايته المفضلة السير

يعرف نجيب محفوظ الكاتب والأديب أن الوظيفة في تاريخ مصر مؤسسة مقدسة كالمعبد، والموظف المصري أقدم موظف في تاريخ الحضارة، وهو القائل: «أول تعاليم أخلاقية حفظها التاريخ كانت وصايا من أب موظف متقاعد إلى ابن موظف ناشئ، وفرعون نفسه لم يكن في اعتقاد قدماء المصريين إلا موظفاً معيناً من السماء ليحكم الوادي من خلال طقوس دينية وتعاليم إدارية ومالية وتنظيمية».

وكان يردد: «مصر بلد وظائف»، وكان يسر إلى أصدقائه المقربين: «عشت طول عمري أتمنى ترك الوظيفة، ولكنني لم أستطع بسبب احتياجي إلى راتبها». كان يخشى على مستقبل بناته لو أنه ترك الوظيفة المرموقة والمرتب المضمون والموقع الاجتماعي المعتبر ليعتمد على ثمار الأدب التي قد تأتي أو تتأخر، وكان يقول: «مفيش حاجة تذل الرجل إلا الأولاد».

الوظيفة رغم قيودها تعطي كثيراً من الحرية للكاتب، لأن الأديب فقير لا يصمد أمام متطلبات المعيشة، وقد أعطته الوظيفة الأمان الاقتصادي، إضافة إلى كثير من الصداقات، وكانت بالنسبة إليه كأديب بمثابة «منجم» مليء بالشخصيات والأنماط البشرية المختلفة، تلك النماذج التي لم يكن له أن يتعرف إلى دواخلها ولا أن يفك رموز ومفاتيح شخصياتها من دون مثل هذا الاحتكاك الحياتي في أوساط الموظفين.

كانت الوظيفة أحد مصادر الوعي لدى نجيب محفوظ، وكانت منجماً يحتوي على نماذج بشرية عدة لها خصائص ومكونات شخصية لا توجد إلا في عالم الوظيفة، وقد أعاد الأديب الكبير توظيف هذه الشخصيات في أدبه، بما تمثله من قيم وتقاليد ودلالات، وصارت الوظيفة مثل الحارة واحدة من أهم مصادر الرواية المحفوظية، وكما أن الحارة عنده هي العالم مصغراً، فقد كانت الوظيفة هي البشر في حالات خاصة، وقد عالج عالم الوظيفة في أكثر من عمل، وأفرد له واحدة من أعماله هي «حضرة المحترم»، يقول: «لم أندم على السنوات الطويلة التي أمضيتها موظفاً، فالكتب وحدها ليست مصدراً للوعي، ولا الحياة السياسية وحدها مصدراً للوعي، ولا الجامعة، ولا الصحافة فقط، وقد تعاملت مع الوظيفة باعتبارها مجموعة من العلاقات والقيم والدلالات».

نجيب محفوظ يشتري كتبًا من بائع متجول
نجيب محفوظ يشتري كتبًا من بائع متجول

وهو يعترف بأن «الوظيفة» أثرت أعماله، بل اعتبرها واحدة من المصادر الرئيسة لعالمه الروائي الذي انحصر تقريباً في ثلاثة أماكن: دواوين الحكومة والحارة والمقهى، علمته الحارة فن «الإصغاء» وعلمته الوظيفة قيمة «الانضباط»، وكان المقهى واحته المفضلة.

ظل محفوظ ينصح القريبين منه من الأدباء الشباب الذين حازوا شرف صداقته بعدم الاعتماد على «الأدب» في لقمة عيشهم، وحين كان يعبر بعضهم عن كراهيتهم الشديدة للعمل الوظيفي الثابت الروتيني ويرونه قاتلاً للإبداع؛ ويتمنون لو أنهم تفرغوا لحرفة «الأدب» كان الأستاذ يحذرهم بأبوية من مغبة التعويل على الأدب ويقول: «اجعل من الأدب هوايتك، لا حرفتك، حتى تضمن الاستمرار، وتتجنب اليأس».

وهي لا شك نصيحة «مجرب»، وخبرة كاتب وأديب كبير اعتبر الأدب حياة لا مهنة، وكان يقول: «إذا اعتبرت الأدب مهنة فسوف تنشغل، لا محالة، بانتظار الثمرة، وحرصت على أن أحصر اهتمامي بالإنتاج نفسه، وليس بما يمكن أن يأتيني من ورائه. كنت أكتب على أمل أن ألفت الأنظار إلى كتاباتي، ذات يوم، بل كنت أكتب أحياناً وأنا معتقد أنني قد أظل على هذه الحال دائماً».

وجاء حين من الوقت كان نجيب محفوظ يحتفظ في أدراجه بخمس روايات «مركونة» بانتظار ناشر يعترف بموهبته، ولم تأت الفرصة إلا مع تأسيس «لجنة النشر للجامعيين» التي انطلقت أوائل عقد الأربعينيات من القرن الماضي.

كانت الوظيفة تأخذ نصف يومه، لمدة 37 سنة، وهذا هو الأثر السلبي الذي رآه في الوظيفة، ولكنها علمته ضرورة أن ينظم وقته، وقال مرة وهو يتحدث عن نفسه: «نعم أنا منظم والسبب في ذلك بسيط، إذ عشت عمري كموظف وأديب، ولو لم أكن موظفاً لما اتخذت النظام بعين الاعتبار. كان عليّ أن أستيقظ في ساعة معينة، وتبقى لي من اليوم ساعات معينة، فإن لم أنظم هذا اليوم فسأفقد السيطرة عليه»، ويضيف: «الوظيفة جعلتني أتمكّن من أن أصبح أديباً، فبعد أن أنتهي من عملي أذهب لتناول الغداء وأستريح، ثم أعمل ست ساعات… ثلاثة منها للقراءة وثلاثة للكتابة، وهذه الساعات يرجع الفضل فيها إلى الوظيفة التي علمتني تنظيم الوقت».

صديقه الأديب الكبير يحيى حقي يقول عنه: «ليست في نجيب محفوظ ذرة من طبائع الموظفين، ولا تستغرب إن قلت لك إنه مع ذلك موظف مثالي لم يحدث أن تأخر عن الوصول إلى مكتبه دقيقة». وهو نفسه يقرر أنه كان موظفاً كما يجب أن يكون الموظف: «عمري ما زوغت، ولا أخذت إجازة عارضة من دون وجه حق، ولا استأذنت قبل موعد الخروج الرسمي للموظفين، وعملت في الوظيفة بضمير، ولم آت بأي عمل أخجل منه أثناء مدة عملي».

نجيب محفوظ ويحيى وحقي
نجيب محفوظ ويحيى وحقي

 هكذا يتذكر الأديب سنوات عمله موظفاً، ويستشهد على نزاهته في عمله بما يخصه، فقد ترأس مؤسسة السينما وفي أثناء رئاسته لها رفضت لجنة النصوص قصة من تأليف ثروت أباظة يقول محفوظ: «وهو أحد أقرب أصدقائي، فلم أتخذ أي إجراء حيال ذلك، بل وافقت على استبعاد النص رغم صداقتي لثروت الذي قدر موقفي بينما لم يكن آخرون يقدرون موقفي إذا فعلت معهم ذلك».

يذكر محفوظ واقعتين من وقائع كثيرة مرت به في أثناء حياته الوظيفية، لا تخلوان من الطرافة، الأولى تختص بأغنية «يا مصطفى يا مصطفى، أنا بحبك يا مصطفى»، وكانت قبل تسجيلها في شريط كاسيت منتشرة فعلاً، وتذيعها الإذاعة الوطنية مرة أو مرتين يومياً، ورغم ذلك حين عرضت على الرقابة رفضها أحد الرقباء، يقول محفوظ: «تعجبت من اعتراض الزميل فذهبت إليه أتحرى سبب رفضه، فقال لي إن الأغنية تسيئ إلى «ثورة يوليو»، سألته: كيف ذلك؟ فأجاب: يقصدون مصطفى النحاس بدليل أنهم يقولون سبع سنين في العطارين، ولا تنسى أن الثورة قامت منذ سبع سنوات فقط. كان ذلك عام 1959 ودهشت من طريقة تفكير الزميل الذي يبحث داخل النص عن أي محظور رقابي، واقترحت عليه حلاً فكاهياً وهو أن يعاد عرض الأغنية على الرقابة في العام المقبل، بعد ما تكون الثورة قد احتفلت بعيدها الثامن ونكون بالمرة قد ارتحنا من هذا اللبس المفتعل، والغريب أن الزميل اقتنع بهذا الحل، ولم يفطن إلى ما فيه من سخرية».

كان بطل الواقعة الثانية الفنان عز الدين ذو الفقار الذي قدّم للرقابة أغنية في أحد أفلامه يقول محفوظ: «وجدناها شديدة الإزعاج رقابياً، كانت للمطربة صباح وما إن استمعت إليها حتى استفظعتها واستبشعتها بسبب التياعها الجنسي المحرق وفحيحها الذي ينبو على ما اصطلحنا عليه وتعارفنا من تقاليد.

كانت الأغنية من تلحين الموسيقار محمد عبد الوهاب، فقلت لعز الدين ذو الفقار لا داعي لهذه الأغنية، لكنه كان شديد الاعتداد برأيه، وكان يعتبر نفسه من الضباط الأحرار، فاستكثر أن تقال له ملحوظة رقابية، ولم يتوان عن شكايتي إلى الوزير يتظلم منا محتجاً معترضاً على ما قدمته من مبررات ومسوغات، فاستدعاني الوزير ليستوضح الأمر مني، فقلت له هذا من حقي، ومن صميم عملي، وأطلعته على موقفي وحيثياته. ولكنه إزاء الضجة التي أثارها عز أمر بتأليف لجنة من المثقفين غالبيتها من كبار الضباط وطلب منها أن تستمع وتقيم الأغنية، فجاء تقرير اللجنة موافقاً لما رأيت، وقالت أكثر مما سبق أن قلته لعز الدين ذو الفقار، فاضطر إلى إدخال بعض التعديلات على الأغنية وسمح بعرض الفيلم.

قبل أن يصير مديراً للرقابة على المصنفات الفنية، رفضت الرقابة سيناريو فيلم «القاهرة 30» المأخوذ عن روايته «القاهرة الجديدة»، يقول: «لما صرت رقيباً جاء لي المخرج صلاح أبو سيف وقال: أنا فرحت لما عرفت أنك أصبحت الرقيب، قلت له: «لا تفرح لأني لا أستطيع أن أغير قرار الرقيب السابق فأقع في الشبهات». فتركني أبو سيف غاضباً، وظل موقفي الرافض للسيناريو ومنعت السماح بالموافقة على الفيلم إلى أن تركت الرقابة فأجازها الرقيب الذي أتى من بعدي». ويعتز محفوظ بأنه عندما ترك وظيفته في الرقابة جاءته رسائل شكر عدة من الفنانين والمنتجين عن الفترة التي أمضيتها رقيباً.

في 11 ديسمبر 1971 وبعد مرور 37 سنة بالتمام والكمال، كتب نجيب محفوظ استمارة الخروج إلى المعاش (التقاعد) بعد بلوغه سن الستين، يقول: «كنت متلهفاً على التحلل من ذلك النظام الرهيب الذي فرضته على نفسي طوال هذه السنين، عرض عليّ الدكتور عبد القادر حاتم وزير الثقافة والإعلام أن يجدد لي فاعتذرت فوراً، وعرض عليّ أن أكون رئيساً لتحرير مجلة «روزاليوسف» واعتذرت أيضاً، لم يكن من المعقول أن أخرج من عمل إداري إلى عمل إداري آخر.

الورقة الأخيرة التي حواها ملف خدمته في لحظة النهاية جاءت من مكتب وزير الثقافة وموجهة إلى عبد الحميد جودة السحار، تحيطه فيها باقتراح منح وسام مناسب لنجيب محفوظ بمناسبة انتهاء خدمته، وجاء فيها: «أرجو التفضل بموافاتنا بمذكرة بالمعلومات التي يمكن إدراجها في هذا الموضوع، ذلك من واقع ملف خدمة سيادته وما قدمه للمؤسسة من خدمات، مع رجاء اعتبار هذا الموضوع مهماً وعاجلاً».

ثم كانت الورقة النهائية تحمل قرار رفع اسم نجيب محفوظ من سجلات العاملين في المؤسسة المصرية العامة للسينما، اعتباراً من 10 ديسمبر عام 1971، لبلوغ السن القانونية للإحالة إلى المعاش. حملت الورقة توقيع عبد الحميد جودة السحار، رئيس مجلس الإدارة، وإلى جانبه أربعة توقيعات أخرى، وفي نهايتها تأشيرة كأنها تشير إلى خلاصة هذا العمر الوظيفي: «للحفظ بملف السيد الأستاذ نجيب محفوظ، مع تمنياتنا له بالصحة والرفاهية».

كان محفوظ يسخر من نفسية الموظف التي لازمته طول حياته، حتى بعد أن ترك الوظيفة، وهي نفسية خاصة تتشكل ملامحها الأساسية على مدار سنوات العمل الوظيفي، ومن بينها تلك التراتبية بين الموظفين التي تجعل أعلاهم درجة هو الأهم وصاحب الحيثية بينهم. ويحكي الأديب الروائي سعيد سالم أن وزير الثقافة الفرنسي فاجأ الحاضرين بندوة نجيب محفوظ بحديقة فندق «سان ستيفانو» البحرية بحضوره لتقديم التهنئة للأستاذ بجائزة «نوبل»، فانتفض محفوظ واقفاً للوزير وهو يصافحه ويشكره بشدة وباحترام مبالغ فيه لفت نظر الحاضرين، وحين انصرف الوزير تهكم محفوظ على ما جرى، واعتبره بقايا نفسية الموظف عنده فقال: «يا أخي مافيش فايدة، الموظف يفضل موظفاً طول عمره».

ولكنه كان متصالحاً مع نفسه ومع الوظيفة، ورغم أنه تمنى لو أنه وهب شبابه وقوته ووقته للأدب وحده، فإنه قال مرة: «أقول للوظيفة، قد غفرت لك ما التهمت من شبابي ووقتي بسبب ما وفرت من الرزق والاستقرار ولأنك وهبتني حياة غنية في اتصالي بالموظفين أبطال رواياتي»

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: