ثقافة

عندما أرسل لي نجيب محفوظ ثلاث رسائل

في عام ٢٠٠٦ بينما كنت أجلس في مقر عملي بصالة تحرير جريدة الدستور وبشكل مفاجيء وبلا مقدمات سألني الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى وكان وقتها رئيسا لتحرير الجريدة : “عمرو إيه أول عمل قريته لنجيب محفوظ”، باغتني السؤال، ولكن الغريب أني شعرت للحظات أن عقلي يسترجع ليس العمل الأول الذي قرأته لأديب نوبل فقط؛ بل يستعيد كل أحاسيسي النفسية وقت القراءة، ولثواني غرقت في جمال اللحظات التي تملكتني وعشتها، تذكرت غرفتي المغلقة علي بالساعات، وسهري حتى ساعات متأخرة من الليل وأنا احتصن الرواية، تذكرت تركيزي مع كل التفاصيل الصغيرة وكأنني أعيش فيها أو كأنها جزء منها، ثم استفقت من خيالي الذي استغرق ثواني فأعادني سنوات للوراء وأجبت عيسى مبتسما: السمان والخريف!

غلاف رواية السمان والخريف
غلاف رواية السمان والخريف

في زيارة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وكنت وقتها في الصف الأول الثانوي، اقتنيت رواية لأديب لا أعرفه اسمه نجيب محفوظ، لم يكن هناك معيار معين استندت إليه وقت شرائي للرواية، فقط رغبة في اقتناء رواية كان اسمها جذابا، وقد كانت هذه الصدفة هي النقلة الأولى في حياة صبي ما زال يتلمس خطواته الأولى نحو قراءة الأدب،كنت حتى شهور قريبة لا تزيد قراءاتي عن “المغامرون الخمسة” والشياطين ال ١٣” للكاتب الكبير محمود سالم.

الحقيقة أنني لم أستطع وقتها،بحكم سني، استيعاب كل التفاصيل التي تحكيها رواية السمان والخريف، ولكني كنت أعيش وأتفاعل بكل وجداني مع الجو النفسي للرواية وبطلها “عيسى الدباغ”، كنت أشعر بالتوتر والقلق والصراع الداخلي الذي يعيشه البطل الذي توزعت روحه بين عالم مضى وعالم بدأ، بين مرحلة الوفد ومرحلة ٢٣ يوليو.

بعد فترة زمنية طويلة وكنت قد اكتسبت خبرات وزادت مساحة الاطلاع والقراءة؛ اكتشفت أن “محفوظ” بشخصه موجود في الرواية، وأن عيسى الدباغ يحمل بعض ما يحمله محفوظ من أفكار وبعض ما عاشه من صراع، فنجيب محفوظ الوفدي لم يكن متحمسا لكثير من قرارت وسياسات ٢٣ يوليو، وربما لهذا السبب استطاع أن يصف بدقة بالغة الصراع النفسي الذي تملك عيسى الدباغ وبعثره بين الجديد والقديم، إلا أن عيسى،ومحفوظ كذلك، استطاعا أن يحسما موقفهما في النهاية، وقد كانت هذه هي الرسالة الأولى لرواية محفوظ التي علمتني صغيرا، وظللت ممتنا لها وله، فقد حسم الدباغ الصراع بأن السلطة ليست الوطن، وأنك تستطيع أن تختلف مع السلطة ولكنك تظل مع الوطن في معاركه وأزماته لا تفارقه أبدا.

حسم عيسى الدباغ موقفه وتعلمت الرسالة الخالدة والأولى: مع الوطن دائما حتى ولو اختلفت مع السلطة دائما.

نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس
نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس

هذه الرسالة التي بلغني بها نجيب محفوظ في ختام سطور روايته هي موقفه الذي عاش عليه حتى رحل عن دنيانا، اختلف مع السلطة واتفق على الوطن، هذه الرسالة لم تصل إلي فقط بل وصلت بالتأكيد إلى ملايين غيري، وقد كانت هذه الرسالة بالنسبة لمحفوظ حصيلة عمر ورؤى وقراءات وخبرات وصراعات أوصلته لأن يتوقف عن الكتابة! نعم، فكثيرون لا يعلمون أن محفوظ قد توقف عن كتابة الرواية لعدة سنوات بعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢ قبل أن يعود إلينا بروايته البديعة الخالدة “أولاد حارتنا”.

في بداية دراستي الجامعية قرأت عن محاولة اغتيال تعرض لها أديب نوبل على يد أحد المتطرفين بسبب رواية له اسمها”أولاد حارتنا”، كنت أول مرة أسمع اسم الرواية، وكنت وأنا أتابع تفاصيل الاعتداء أفكر في كيفية الحصول على هذه السطور التي كادت أن تودي بحياة صاحبها، كانت لهفتي في الحصول على الرواية أشبه بشعور يتملكني أن “أولاد حارتنا” ستحمل لي الرسالة الثانية من رسائل نجيب محفوظ بعد رسالته الأولى التي بعثها لي في روايته السمان والخريف.

وقتها وبالصدفة علمت أن جريدة الأهالي قررت طبع رواية أولاد حارتنا في نسخة خاصة وستعرضها للبيع بجنيه واحد، انتظرت صدور الرواية بفارغ الصبر، وفي اليوم الذي حددته الجريدة كنت أول الواقفين في مكتبة بيع الصحف، ها هي الرواية بين يدي: سأقرأ الآن أولاد حارتنا!

عدت سريعا إلى منزلي، بدأت في ممارسة طقوسي الخاصة عندما أقرأ، أغلقت باب حجرتي وصنعت جوا هادئا يليق بقراءة الرواية المثيرة للجدل، فكرت في اسم الرواية الجذاب قبل أن أفتح صفحاتها، تنقلت داخل غرفتي من مكان إلى آخر وكأنني أختار أنسب الأماكن التي أجلس فيها قبل القراءة، قلبت أوراق الرواية بشكل عام وتوقفت بعيني عند بعض الأسطر والكلمات، زادت لهفتي لمعرفة التفاصيل المختبئة بين السطور والدخول إلى أجواء نجيب محفوظ وشخصياته وقد كان.. بدأت في القراءة!

كانت صدمتي لا توصف، شعرت بالدهشة، وبالخوف من المكتوب، كاتب مشهور يتحدث عن الله، يسميه “الجبلاوي”،تحمل تصرفات الجبلاوي نوعا من الاستبداد، ثم تتوالى الفصول والشخصيات التي من الواضح أنها شخصيات الرسل والأنبياء!

مع كل سطر كانت صدمتي تزداد، ومع الصدمة يزيد شغفي للوصول للصفحة الأخيرة.

كانت صدمتي  بشكل ماهي الصدمة الإيجابية، فقد دفعتني للبحث فيما وراء الرواية وشخصياتها والمقصود منها، قرأت كثيرا مما كتبه نقاد وكتاب ومبدعون عنها؛ وكانت كلها تصب في معاني واحدة عظيمة شكلت رسالة محفوظ الثانية لشاب في بداية دراسته الجامعية، كان مختصر الرسالة العظيمة: لا تفسر النص دائما بمعناه المباشر، فالكاتب من حقه أن يلجأ للرمز لإيصال رسالته، والنص الأدبي لا يتم الحكم عليه بمقاييس دينية، ثم أولا وأخيرا كن مع حق الكاتب والمبدع في الكتابة بحرية بعيدا عن القيود.

هذه الرسالة “المحفوظية” أكاد أجزم أنها شكلت جزءا من شخصيتي، ورسخت بداخلي مساحة خاصة ودائمة للدفاع عن حرية الكتابة والإبداع، هذه المساحة التي عاشت معي حتى اليوم، وجعلتني دائما وأبدا أرفض الاستبداد، وأدافع عن حق الكتابة بحرية، وأدرك أن دور الكاتب هو ترسيخ الحرية والاستنارة ومواجهة القبح وانتهاك كرامة الإنسان، هذه هي القيم التي أدركها محفوظ وعاش بها دائما، وسيطرت عليه بالتأكيد وهو يخرج لنا روايته البديعة “الكرنك”.

صورة من داخل متحف نجيب محفوظ
صورة من داخل متحف نجيب محفوظ

في نهاية التسعينيات شاهدت فيلم “الكرنك” للمرة الأولى، لم أتحمس كثيرا له، كان لدي إحساس دائم أن الروح التي صنع بها الفيلم لها مغزى سياسي واضح، فهدف الفيلم كما شعرت وقتها ليس مجرد توجيه نقدا مشروعا لتجربة حكم جمال عبد الناصر، بل المقصود هو خلق مقارنة مفتعلة بين تجربتي حكم  ناصر والسادات، لينتصر فيها السادات، وقتها قررت أن أقرأ نص رواية محفوظ بعيدا عن الفيلم!

استعرت الرواية من صديق لي، قرأتها في يومين، شعرت أن “محفوظ” لم يخذلني أبدا، فرغم النقد الحاد الذي توجهه الرواية إلى تجربة جمال عبد الناصر، ورغم هجوم الرواية على غياب الحريات العامة وانتشار المعتقلات في الفترة الناصرية؛ إلا أن روحا مختلفة عن روح الفيلم سرت بين سطورها، شعرت وأنا أقرأ بأن أديب نوبل يقوم بدوره ككاتب ليس أكثر، يفتح النار على ما يراه جريمة في حق شباب ثورة ٢٣ يوليو بل وفي حق مصر كلها، ما إن انتهيت من قراءة سطور الرواية حتى شعرت أن “محفوظ” يرسل لي الرسالة الثالثة من بين سطور روايته، رسالة ربما تكمل ما تعلمته من قبل في روايتيه السمان والخريف وأولاد حارتنا، فها هو ،في رواية واحدة، يختلف مع السلطة في انتهاكات حدثت لحقوق الإنسان لكنه يفرح بالوطن وهو ينتصر في حرب أكتوبر ٧٣، ثم في نفس الرواية يدافع عن الحق في الحرية والكرامة ويدعو لمصر خالية من السجون والمعتقلات ليصبح الوطن أجمل وأرحب!

الكرنك رواية قرأتها بروح تؤكد أن “مشروع” محفوظ كان واحدا منذ البداية وهو يدافع عن “الإنسان”.

اقتباس من رواية الكرنك
اقتباس من رواية الكرنك

ثلاثة رسائل بعثها لي نجيب محفوظ في بدايات شبابي، كانت حاكمة ومتحكمة في شخصيتي بدرجة كبيرة، فلم تكن هذه الرسائل مجرد سطور بين رواياته، بل كانت حصيلة حياته وعمره وخبراته بكل ما فيها من توتر وقلق ونجاح وفشل وصراعات، بل وحملت أيضا فلسفته الخاصة بالحياة، هذه الفلسفة الحياتية التي أسرتني وتملكتني وهي تختصر المكان كله وترمز إليه بجملة “كان يا مكان” في روايته الفلسفية الخالدة: ليالي ألف ليلة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: