ثقافة

«الرؤية والأداة»..  نجيب محفوظ بعيون عبد المحسن طه بدر (2)

«عندما اخترت الأدب كان إختياري حتميا، كان اختيار حياة ولم يكن ثمة تردد، وكان لابد من الاستمرار والمثابرة أيا كانت النتائج .. كانت علاقتي بالفن علاقة حب وحياة أشبه بالتصوف..»

هكذا عبر أديبنا الكبير نجيب محفوظ  في حوار له أجراه الدكتور صبري حافظ حول تردده لفترة زمنية طويلة في الاختيار بين الأدب والفلسفة.

الناقد الأدبي الكبير الدكتور عبد المحسن طه بدر «1932-1990» يواصل التنقيب داخل عالم نجيب محفوظ عن رؤيته للحياة والإنسان في كتابه الشيق «الرؤية والأداة .. نجيب محفوظ» في محاولة لنسج ما يشبه خريطة لتطور رؤية محفوظ عبر رواياته المختلفة بداية من «عبث الأقدار» و«رادوبيس» حين كان محفوظ يرى في الأدب مجرد وسيلة للتسلية في مقابل الفلسفة التي تعد وسيلة الوصول للحقيقة، وحتى روايته «بداية ونهاية» التي وصل بها حدود عالم «الواقعية النقدية».

كفاح طيبة .. رسالة من مصر الفرعونية إلى مصر الجديدة

استهل الدكتور عبد المحسن طه بدر تناوله لرواية «كفاح طيبة» بالإشارة إلى أنها تعد بمثابة بداية مرحلة جديدة في حياة أديبنا الكبير نجيب محفوظ، فبها بدأ الفن الذي لا يقتصر على تقديم التسلية واللذة كما كان في روايتي «عبث الأقدار» و«رادوبيس»، ولكنه تجاوز ذلك بكثير حيث بات الفن لدى محفوظ يمكن أن يقدم أدبا جادا يتعمال مع البشر ولا يتعامل مع الأقدار وعبثها بالبشر.

مثلت «كفاح طيبة» نقطة تحول ثانية في حياة نجيب محفوظ،  فبدلا من الروايات التي تتخذ التاريخ مجالا لها، انتقل محفوظ  بعدها إلى الروايات التي تتخذ من الواقع مجالا لها، والمدهش حقا أن أديبنا الكبير لم يمل من ذكر أنه كان ينتوي كتابة أكثر من عشرين رواية عن تاريخ مصر، لكنه بعد «كفاح طيبة» وجد نفسه وقد تحول «فجأة» إلى الموضوعات الواقعية.

اختار محفوظ لرواية «كفاح طيبة» فترة من تاريخ مصر القديمة هى فترة كفاح المصريين ضد الهكسوس، وكان الاختيار وفقا لطه بدر موفقا بالنسبة إلى الرسالة التي أراد محفوظ توصيلها من الماضي إلى الحاضر، حيث يمكن وضع المصريين المحدثين في موقع المصريين القدماء، كما يمكن وضع الهكسوس المحتلين موضع الإنجليز المحتلين أو الأرستقراطية التركية أو كليهما معا.

«قد شاء الرب القدير أن يحبوك. أنت الذي أذللت عدوه، وأعليت كلمته. بعطفه ورحمته، فرزقك بغلام، نورا لعينيك ووليا لعهدك، دعوته أمنحتب تبركا بالرب المعبود، وقد تلقيته بيدي كما تلقيت أباه وجده وجد أبيه من قبل، وقلبي يحدثني بأنه سيكون ولي عهد مملكة عظيمة متعددة الأجناس واللغات والأديان»، من حديث الجدة التي تشبه «إيزيس» وتجسد الكفاح والصبر برواية «كفاح طيبة».

حملت الرواية شعار «الكفاح، مصر، آمون» مقابل شعار المصريين خلال عصر كتابة الرواية «الله، الملك، الوطن» وقد استبدلت الرواية شعار الكفاح مقابل الملك وتعديل الأولويات، وكانت غاية أحمس بالرواية من خلال كفاحه الشاق أن يحقق لشعبه إلى جانب السلام الخلاص من «الفقر والجهل والمرض» ذلك الثالوث المشهور بمصر المعاصرة.

كللت جهود الفرعون بالرواية بالنجاح، ذلك أن الرواية لم تكن فقط دعوة للكفاح ولكنها كانت إضافة إلى ذلك دعوة لبث الأمل والتفائل والإيمان بالنصر، حملت رواية «كفاح طيبة» رسالة من مصر القديمة إلى مصر الجديدة، رسالة تقوم على أن المصري سوف ينجو من القهر سواء كان سبب هذا القهر قوة غيبية ميتافيزيقية كالقدر أو قوة اجتماعية او نفسية او قوة سلطة وآجهزتها.

غلاف رواية كفاح طيبة
غلاف رواية كفاح طيبة

غير أن ما يعيب رواية «كفاح طيبة» وفقا لطه بدر أنها تحمل رؤية ملحمية ركز فيها محفوظ على غاية البطل ورسالته أكثر من تركيزه على شخصيته وبشريته، ما جعل شخصيته تأتي تجسيدا نقيا وصافيا لكل الفضائل في عصره وعصر المؤلف، وذلك في مقابل تلك الصورة المناقضة تماما لأعدائه، بحيث أصبح القارىء في مواجهة مع «الأبيض والأسود» و«الملائكة والشياطين» وعلى ذلك تبدو رواية «كفاح طيبة» أقرب للسيرة الشعبية في بنائها ورسم شخصياتها منها للرواية.

كما شابت الرواية أزمة تتعلق برؤية محفوظ لطريقة الخلاص من الهكسوس التي تقوم بالأساس على دور الأسرة الحاكمة وحدها دون الاستناد إلى الشعب، وحين تلجأ الأسرة الحاكمة فإنها تستعين بالنبلاء والأعيان أما بقية الشعب «فلا روح فيه ولا قدرة له على المقاومة»، وذلك على عكس ما شهد به تاريخنا المعاصر الذي شهد لجموع الشعب المصري بالخروج ضد المستعمر الإنجليزي عبر سلسلة متصلة من النضالات الشعبية التي لم يكن لطبقة النبلاء والأعيان فيها دور يذكر.

القاهرة الجديدة

صورت رواية «القاهرة الجديدة» أجواء مصر وهى خاضعة لكابوس جديد يتمثل في الأرستقراطية التركية التي تعمل لحساب قوى الإستعمار الإنجليزي، ويجمع بين هكسوس «كفاح طيبة» والهكسوس الجدد في «القاهرة الجديدة» أن كلاهما غرباء عن البلاد جنسا ولونا ولغة وطبيعة مصالح وكلاهما ينظران إلى المصريين بوصفهم عبيد سمر الوجوه، فلاحين.

يقدم طه بدر شخصية «محجوب عبد الدايم» تلك الشخصة البارزة برواية «القاهرة الجديدة» بوصفه قد فهم شروط اللعبة التي مكنته من دخول عالم الهكسوس الجدد، وتتمثل هذه الشروط في أن يكون الشخص مستعد لبيع نفسه وقيمه ومبادئه بيعا كاملا غير مشروط للشيطان، وقد تنجح الصفقة فيلقي إليك ببعض الفتات وقد لا تنجح فتفقد كل شىء.

نجح الهكسوس الجدد في إفساد الحاضر إفسادا كاملا، فلم يعد ثمة أمل في الخلاص، مظاهرات الطلبة بلا قيمة ولا جدوى، ولا يجد على طه ذلك المخلص النبيل حزبا له مبادىء إجتماعية لينضم إليه، والإخوان المسلمون حركة إنتهازية، وفي غمار هذا الفساد الكامل وغيبة الوعي الشعبي، لا يبقى ثمة أمل وفقا لرؤية محفوظ سوى في بعض الأفراد من طليعة الطبقة البرجوازية المثقفة التي مازالت تحمل مخيلتها ذلك الحلم بالمستقبل.

هذه الطليعة البرجوازية الصغيرة المثقفة ستظل وفقا لطه بدر في مجمل أعمال نجيب محفوظ مصدر التمزق والقلق، فهى تتحرك باستمرار بين عالمين ثابتين هما عالم الطبقة الأرستقراطية التي لا ترى في الإمكان أبدع مما كان، وعالم الكادحين الذي لا يعي واقعه ولذلك يرضى قانعا بما يعيش فيه من قهر وبؤس.

تمثل رواية «القاهرة الجديدة» أول محاولات نجيب محفوظ نحو مواجهة الواقع مواجهة مباشرة، فهي لا تصور قدرا عبثيا يتلاعب بمصير البشر كما يريد، ولا تقدم مجرد رسالة مفروضة من المؤلف على مصر الفرعونية، ولكنها تصور واقع عاشه محفوظ، ذلك أن أبطال الرواية يعيشون ظروف حياتية سبق لمحفوظ أن مر بها بنفسه.

«القاهرة الجديدة» تصور واقع عاشته مجموعة من الطليعة المثقفة من طلاب الجامعة سنة تخرجهم عام 1934، وهو ذات العام الذي تخرج فيها محفوظ من كلية الآداب جامعة القاهرة، كما تخرج على طه ومأمون رضوان أبطال الرواية من قسم الفلسفة بالكلية، وهو ذات القسم الذي تخرج منه محفوظ.

الثابت في رؤية محفوظ بروايته أن الفساد الذي تعاني منه الطبقة الأرستقراطية: «فساد كامل ونهائي ومطلق» وكما تفسد الطبقة بشكل كامل، تفسد الشخصيات بالدرجة نفسها، العامل الثاني الذي أثر على رؤية محفوظ وفقا لطه بدر يتمثل في ذلك الفصل الحاد ما بين «المادة والروح» ذلك الفصل الذي أدى إلى الحكم على البشر وتقسيمهم بصورة آلية وميكانيكية تقوم على أن أغلب البشر يعيشون حياة حيوانية مادية، وقلة نادرة تحاول أن تعيش حياة روحية إنسانية، وهو ذات التقسيم الذي يعيد القارىء إلى ثنائية «الأبيض والأسود» و«الملائكة والشياطين».

العامل الثالث الذي أثر على رؤية محفوظ يتمثل في تلك النزعة الأخلاقية الحادة الصارمة والتي حكمت مصير محجوب عبد الدايم، والتي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك من أن الجريمة لا تفيد، حيث انتهت انتهازية محجوب عبد الدايم وماديته إلى انهيار عالمه وتم فضحه والتشهير به حتى أنه قد فكر في الإنتحار، وهى نهاية تبدو مناقضة لمجمل رسالة الرواية.

الفنان حمدي أحمد بدور محجوب عبد الدايم في فيلم القاهرة 30
الفنان حمدي أحمد بدور محجوب عبد الدايم في فيلم القاهرة 30

غير أن أبرز عيب شاب رواية «القاهرة الجديدة» كما وصفها محفوظ بعد مرورما يقرب من أربعة عقود على كتابتها يتمثل في: «عيب القاهرة الجديدة البارز يتضح في التكنيك نفسه، إذا أنني كتبتها بوجهة نظر العالم بكل شيىء، وركزتها في نظرة الشخصية الأولى في الرواية، وذلك على عكس ما كان يجب من ترك بقية الشخصيات لتفصح بنفسها عن نفسها، حتى تتخلص من أسر البطل لها، أو بالأصح سيطرة المؤلف عليها».

يعيب طه بدر على محفوظ في رواية «القاهرة الجديدة» من أنه سيطر سيطرة كاملة على الأحداث والحركة بالرواية، بصورة قد تجعل القارىء يفقد الحس بالتلقائية التي ينبغي أن تتوفر في العمل الفني، كما أنه من الغريب حقا أن محفوظ ركز في روايته وأبدع فنيا حين عالج الشخصيات المرفوضة الساقطة كشخصية محجوب عبد الدايم، غير أن اهتمامه هذا قد قل كثيرا مع تلك الشخصيات الناجية، وهى ظاهرة مطردة كثيرا ما توجد بالعديد من رواياته.

أغرب ما في حوار رواية «القاهرة الجديدة» أن شخصية محجوب عبد الدرايم تبدوا دائما بين أصدقائه وكأنه الأذكى والأكثر قدرة على تحليل الواقع: «الحكومة أي الأغنياء أو الأسر، الحكومة أسرة واحدة، الوزراء يعينون الوكلاء من الأقارب، والوكلاء يختارون المديرين من الأقارب، المديرون ينتخبون الرؤساء من الأقارب، والرؤساء يختارون الموظفين من الأقارب، حتى الخدم يختارون من خدم البيوت الكبيرة، فالحكومة أسرة واحدة، أو طبقة متعددة الأسر، وهى خليقة بأن تضحي بمصلحة الشعب إذا تعارضت مع مصلحتها».

الجديد الذي أتت به رواية «القاهرة الجديدة» أن أديبنا الكبير نجيب محفوظ بداية من تلك الرواية سوف يقدم للقارىء سلسلة من الروايات التي يتعمق فيها في دراسة مدينة القاهرة بطبقاتها الثلاث تاريخيا وإجتماعيا، وبهذا يكون قد خطى خطوة ثابتة في طريق رحلته نحو الواقعية ومنها للواقعية النقدية التي ستعد بمثابة تتويج لرحلته الأدبية التي أمتعت ملايين البشر من قراء أدب نجيب محفوظ حول العالم.

وللحديث بقية ..

الجزء الأول: «الرؤية والأداة».. نجيب محفوظ بعيون عبد المحسن طه بدر (١)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: