رؤى

الإسلاموية .. لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (11)

نشرت “أصوات” للأكاديمي والباحث المتخصص د وائل صالح على مدى عدة أسابيع سلسلة مقالات عن تعاطف جزء معتبر من الأكاديميا الغربية مع الإسلاموية السياسية، وذلك بعد أن أسبغوا عليها صفات المقاومة والعدل والمواطنة والانفتاح على الآخر، وكلها صفات غير موجودة لا في نصوصها ولا في ممارساتها في الحكم أو حتى في المعارضة.

وبناء على طلب العديد من أصدقاء وقراء “أصوات” نعيد نشر الملف بأكمله مع نص إضافي من المؤلف؛ يحدد فيه باختصار جوهر كل مقالة من المقالات العشر السابقة، وذلك كمفاتيح للقاريء وكرابط بين مقالات السلسلة كلها..
تناولنا في سلسلة المقالات التي نختتمها اليوم الأصول والمباديء التي تأسس عليها ذلك الاتجاه في الأكاديميا الغربية والذي يغلب عليه التعاطف مع “الإسلاموية” أى فكر الحركات الإسلامية، وبينا أن هذا التعاطف مؤسس  ومن منذ عقود على أفكار خاطئة عن جماعة الإخوان بالأساس ولكنها أصبحت من المسلمات في اللاوعي الجمعي لهؤلاء الأكاديميين في الجامعات ومراكز البحث الغربية.

‎ لماذا تتعاطف دوائر عديدة في الأكاديميا الغربية مع الاسلاموية؟ (1)

‎لماذا تتعاطف دوائر عديدة في الأكاديميا الغربية مع الاسلاموية؟ (1)
في المقال الثاني، “هل الإسلاموية لاهوت تحرير أم تكفير؟” على سبيل المثال، أوضحنا المقارنات المهمة والاختلافات الجذرية الواضحة التي لم يضعها بعض الباحثين الغربيين في اعتبارهم عند تشبيه حركات الإسلاموية بحركات لاهوت التحرير ذات التوجه المدني التحرري التي وقفت مع الفقراء بحق في أمريكا اللاتينية، لنستنتج أن الطبيعة الفكرية الخاصة للتطور السياسي للحركات الإسلاموية في بلادنا قد انتجت في واقع الأمر فكرا دينيا رجعياً غير تقدمي كما يدعي هؤلاء الباحثين الغربيين المتعاطفين  مع الإسلاموية  في الأكاديميا الغربية.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (2): هل الإسلاموية لاهوت تحرير أم تكفير؟

و في المقال الثالث، هل الإسلاموية تيار ينتمي إلى ما بعد الحداثة؟ فككنا ونقدنا مسوغات الباحثين الغربيين «ما بعد الحداثيين» الذين يظنون أنه بما أن الإسلاميين ينتقدون الحداثة ومفاهيمها الخاصة بدور الدولة المركزي والهوية الوطنية الواحدة الشاملة، فإنه يمكن اعتبارهم تيار ذو بُعد ما بعد حداثي، بينما الحقيقة أن الحداثة هي حركة فكرية مدفوعة بالقيم الفلسفية وليس بالقيم الثيوقراطية الدينية كما هو الحال مع الإسلاموية التي لا تقبل بالطبع تعددية ما بعد الحداثة.
في المقال الرابع، هل الإسلاموية هي الإسلام أو هى التيار المتغلب إعلاميا؟ بينا مدى الخطأ الذى تقع فيه الأكاديمية الغربية التي تطابق بين الإسلام كدين وبين الجماعات الإسلاموية، وتعتبر الأخيرة هي الممثل الوحيد للاسلام، متجاهلة تيارات أخرى مهمة على الساحة الإسلامية، كتيار التصوف وتيار التجديد العقلي …إلخ.
وكان من المدهش مطابقة بعض هؤلاء الأكاديميين الغربيين بين الإسلام وبين الإخوان تحديداً، وأوضحنا كيف أن تيارات متعارضة تتعارض تعارضا كليا تتفق على هذه الفكرة، فكيف يصل تيار الاستشراق في قسمه الإستعماري الذي تمثله أسماء مثل برنارد لويس إلي نفس النتيجة التي يتباها تيار مابعد الكولونيالية الرامي إلي فهم صحيح للمستعمرات السابقة يزيح الركام الخاطئ الذي زرعته الدوائر الامبريالية القديمة والحديثة.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (4): هل الإسلاموية هي الإسلام أم هى التيار المتغلب إعلاميا؟

هل الإسلاموية هي الإسلام أم هى التيار المتغلب إعلاميا؟

في المقال الخامس، هل فصل الدين عن الدولة هو خصوصية مسيحية بينما المزج بينهما هو من خصوصية الإسلام؟ أوضحنا أن فصل الدين عن الدولة ليس خصوصية مسيحية، كما أن المزج بينهما ليس خصوصية الإسلام كما يدعي بعض المتعاطفين من الأكاديميا الغربية مع الإسلاموية، فالتطورات الجذرية (الاقتصادية/ الاجتماعية/ الفكرية) هي التي فرضت العلمانية فرضًا على الكنيسة في السياق الغربي، بينما في المقابل، لم تتعرض البلاد ذات الأغلبية المسلمة بعد، للتأثيرات الجذرية للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية بالقدر الكافي لتتطور في نفس الاتجاه، وإن بطريقة تعكس خصوصية تجربتها الثقافية والحضارية.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (5) هل فصل الدين عن الدولة هو خصوصية مسيحية بينما المزج بينهما هو من خصوصية الإسلام؟

في المقال السادس، فندنا أراء من يقول بأن تحليل النصوص التأسيسية لفهم ممارسات ومخيلة الإسلاميين هو اختزال لواقعهم. إن هؤلاء لا يستخدمون نهجًا تفرضه الظاهرة الإسلاموية و طبيعتها علي الباحث، بقدر ما يعملون على اختزال ظاهرة الإسلاموية القائمة علي نصوص مؤسسة لها كرؤية للعالم في عدد قليل من المقابلات [المخطط لها بعناية] مع بعض قياداتها التي تتعمد استخدام «خطاب مصطنع» موجه للغرب تحديدا بهدف كسب تعاطفه وتأييده السياسي.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (6) عندما يتحول فريق من باحثي الإسلاموية إلي أجهزة تسجيل تعيد ترديد مقولات الإخوان المنمقة

عندما يتحول فريق من باحثي الإسلاموية إلي أجهزة تسجيل تعيد ترديد مقولات الإخوان المنمقة
في المقال السابع، عندما يبرر فريق من باحثي الأكاديميا الغربية العنف الذي تمارسه الإسلاموية، بينًا ان إعطاء كل العوامل وزنها النسبي هو أمر ضروري لفهم أفضل لظاهرة التطرف التي تؤدي إلى العنف – كذبا – باسم الإسلام ، كما أشرنا إلى خطورة وقوع الكثير من الباحثين الغربيين في فخ تبييض عنف حركات الإسلاموية، حيث يبرؤن نمط التدين المنغلق والمتشدد الذي يتربى عليه أعضاء هذه الجماعات، من تفسير انتقالهم السريع لممارسة العنف ضد الآخرين، كما ينكرون تمامًا دور النص الإيديولوجي المؤسس والمسوغ للعنف مثل كتب سيد قطب والمودودي وفرج عبد السلام … وغيرها، وتحصرون أسباب عنف هذه الحركات فقط في  التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي – وهى عوامل ذات تأثير بالفعل – باعتبارها وحدها العوامل المنشأة لهذا العنف.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (7) عندما يبرر فريق من باحثي الأكاديميا الغربية العنف الذي تمارسه الإسلاموية

عندما يبرر فريق من باحثي الأكاديميا الغربية العنف الذي تمارسه الإسلاموية
في المقال الثامن، هل هي رد فعل على الغزو الثقافي الغربي؟ أوضحنا أن الهوية عند حركات الإسلاموية قائمة قبل كل شيء في مواجهة “الآخر” داخل الوطن، أى المسلم غير المنضوي تحت فكر تلك الحركات، وليس كبديل لهوية المستعمر الغربي السابق أو العدو الحالي، كما يدعي بعض المتعاطفين في الأكاديمية الغربية  مع الإسلاموية. وبما أن مفهوم الهوية لا يمكن فصله عن مفهوم الآخر الذي تستمد الهوية شرعيتها منه، فإننا بينا في هذا المقال كيف أن أكثر نماذج “الآخر” كراهية في أيدلوجيا حركات الإسلاموية هو المسلم غير المنتمي لهذه الحركات وفكرها، وليس الآخر الغربي أو الآخر المغاير في الدين – لأن وجود المسلم الرافض للفكر السياسي لتلك الحركات في حد ذاته يشكك في أساس فكرهم السياسي وهو أن “الإسلام هو الإسلاموية”.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (8)

في المقال التاسع، هل تتوافق الإسلاموية مع المواطنة والعيش المشترك؟ أوضحنا أنه بعيدا عن الدور الروحي الذي يلعبه الدين في حياة الفرد والمجتمع، فإن الشروط الرئيسية لتوفير بيئة سياسية تناقش الشأن العام وتسودها القيم الأساسية للمواطنة والعيش المشترك، توجب تفريغ الفضاء الدولتي من الديني والعقدي، فالدولة لا يجب عليها في نفس الوقت أن  تتدين ولا أن تعادي  الدين. و في الفضاء العام يجب أن تحصر المنافسة بين الفاعلين السياسيين علي من يدير الدولة بشكل أفضل في إطار دولة تنموية و إخراج الدين من مجالات المنافسة و الصراعات السياسية. في هذا الفضاء العام يكون للحركات والقوى السياسية الحق في اختيار وتبني المرجعية والإطار الأخلاقي سواء أكان دينيًا أو أيدلوجيا، لكن لا ينبغي فرض تقديسها علي الأخرين أو منعهم من نقدها بإسم الدين. فضاء عام سياسي لا تعزل فيه الآلية السياسية للديمقراطية (صندوق الاقتراع) عن معاييرها وشروطها السياسية و الفلسفية الكامنة وراءها و التي بدونها لا يمكن للديمقراطية أن توجد. شرعية الحكم يجب أن تكون قائمة و فقط علي شرعية الإنجاز. و أن ما اتفق الناس عليه لتنظيم شؤون حياتهم هو المصدر الوحيد للتشريع. تلك المعايير هي وحدها التي تستطيع  ضمان القيم الأساسية للمواطنة والعيش المشترك وهي تتعارض كليا مع النصوص المؤسسة لفكر حركات الإسلاموية.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (9)

في المقال العاشر، هل نعيش مرحلة “ما بعد الإسلاموية” أم “نهاية الإسلاموية” فصلنا المؤشرات التي تدل على أن مصير حركات الإسلاموية هو موتها و ليس تطورها لنسخة أكثر تقبلا للحداثة الاجتماعية – السياسية. وبينا أن هذا الموت لا يعني الاختفاء الفوري أو الاندثار التام للإسلاموية و لكن يعني أن التأثير الذي كان لديها قبل الربيع العربي لن يعود أبداً كما كان.
هو نوع من الموت الإكلينيكي يجعل الإسلاموية لا تغادر أبداً نطاق الهامش وكلما استعادت الدولة الوطنية قوتها ومكانتها ودورها كلما اضمحلت الإسلاموية لتصل إلى درجة الخروج التام من مشهد التأثير.

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (10)

مما سبق يتضح أن المقولات التي يعتمد عليها المتعاطفون مع الإسلاموية من باحثي الأكاديميا الغربية هي مقولات غير صحيحة وغير مبنية علي قراءة صحيحة لحركات الإسلاموية وفكرها المسيس.
ومما لا شك فيه أن تلك المقولات المغلوطة والتي تحولت بمرور الوقت إلي مسلمات غير مطروحة للنقاش وإعادة النظر، وهى مسلمات تصب في صالح حركات الإسلام السياسي لأنها تدفع تلقائياً، ليس فقط نحو قبول هذه الحركات دون إدراك مخاطر فكرها وسلوكها العنيف، ولكن أيضاً لأن هذا التبرير الأكاديمي المتسرع يقدم التبرير “العلمي” لإقدام بعض المؤسسات السياسية بل الدول الغربية للتعاون مع هذه الحركات.
الوسوم

د. وائل صالح

مدرس مشارك في معهد الدرسات الدولية بجامعة كيبك بمونتريال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: