رؤى

إدوارد سعيد .. الآخر مرآة للأنا

الآخر شرط حتمي لوجود الأنا، إذا لا أنا بدون آخر كما هو الحال مع كل الثنائيات المتقابلة، فلا شرق بدون الغرب ولا يمين بدون اليسار… وهكذا، والتعاطي مع الآخر يكون على نحويين رئيسين، النحو الأول هو أن يتعاطى الأنا مع الآخر بُغية أن يتعرف عليه ويفهمه، والنحو الثاني أن يتعاطى الأنا مع الآخر بغية أن يستخدمه، وهذا النمط الأخير هو ما تصطبغ به مقابلات الأنا بالآخر عادةً، لاسيما الأنا والآخر بالمفهوم الجمعي للشعوب، هذا ما فطن له إدوارد سعيد في عمله الرائد “الاستشراق” فراح يتتبع صياغة الأنا الغربي لصورة معينة للآخر الشرقي.

الاستشراق إدوارد سعيد
الاستشراق إدوارد سعيد

أثبت سعيد بمنهجية علمية رصينة كيف أن الرؤية الغربية للآخر الشرقي تعبر عن الأنا الغربي أكثر مما تعبر عن الآخر الشرقي، أثبت للجميع كيف أن “الاستشراق الغربي” ما هو إلا صناعة غربية خالصة أنتجتها المخيلة الغربية ذاتها وأنها لا تتسق في معظم جوانبها مع الواقع الحقيقي للشرق ذاته، فالشرق في المخيلة الغربية ظل مصطبغًا بالصبغة الأسطورية التي تسللت إلى العقلية الغربية عن طريق الأدب في بادئ الأمر، فالشرق في المخيلة الغربية كان مسرحًا للفانتازيا وحكايات ألف ليلة وليلة، ثم جاء الاستعمار وأراد أن يقوض الشرق ويرسم واقعه رسمًا ذاتيًا غربيًا، رسمًا لا يهتم كثيرًا بواقع الآخر كما يراه الآخر نفسه بل كما تريده الذات الغربية، فراح يبسط هيمنته السياسية على الواقع الشرقي كي يشكله كما أراد له أن يكون، بل إنه ذهب أبعد من ذلك فبسط عليه إلى جانب هيمنته السياسية هيمنته العلمية كي يؤسس لهذا الواقع الجديد؛ ليس فقط تأسيسًا جغرافيًا بل تأسيسًا معرفيًا أيضّا في العقل الغربي والعقل الشرقي على حد سواء، هكذا كان إسهام إدوارد سعيد إسهامًا فريدًا من نوعه، فالاستشراق ما بعد سعيد لم يعد كما كان قبله.

لوحة جون فردريك، وجبة الغذاء في القاهرة
لوحة جون فردريك، وجبة الغذاء في القاهرة

غير أن الأنا الشرقي الجمعي كان أقل المستفيدين من “استشراق” سعيد، بل إنني أدعي أن الأنا الشرقي قد تأثر بكتاب سعيد الاستثنائي تأثرًا سلبيًا في المحصلة النهائية، إذ وقع في ذات الخطأ الذي وقع فيه الآخر الغربي والذي وضع سعيد يده عليه، فاستخدم الآخرَ الغربي وبنى له في مخيلته صورة لا تهتم بواقع الغرب ذاته بل تهتم بصورته كما يراها الأنا الشرقي، صحيحٌ أن الأنا الشرقي لا يمتلك من الهيمنة السياسية ولا الهيمنة العلمية ما يمتلكها الآخر الغربي، وبالتالي فلن يتثنى له فرض صورته الذاتية عن الآخرعالميًا كما فعل الآخر الغربي، لكنه أسس لهذه الصورة الذاتية عن الآخر وروج لها محليًا فصارت هي الصورة الجمعية المهيمنة محليًا دون منازع، واستخدم في سبيل ذلك أول ما استخدم “استشراق” سعيد حيث أسس من خلاله لمظلومية الأنا الشرقي في مقابل هيمنة الآخر الغربي، فشيطن الآخر كليةً وتبنى القطيعة معه، بل ووصلت تلك القطيعة إلى كل ما يمت للغرب بصلة، فتبعت القطيعة مع الآخر القطيعة مع الحداثة نفسها، ومع كل ما انبثق عنها بوصفها أفكار الآخر ومنتجاته للهيمنة، ونسي الشرقيون أن تلك الافكار والمنتجات الغربية تشتمل في داخلها على أدوات النقد الذاتي بحيث لا يمكن لأحد حتى القطيعة معها دون أن يقوم بذلك من داخلها وليس من خارجها كما يريد أن يفعل الأنا الشرقي ولكن دون جدوى بالطبع، ونسوا كذلك أن “استشراق” سعيد نفسه هو أحد المنتجات الفكرية الحداثة وما تمخضت عنه، فما هو إلا حلقة في سلسلة النقد الحداثي وما بعده للتاريخ بداية من هيجل ومرورًا بكارل ماركس وأنطونيو جرامشي وميشيل فوكو ووصولًا إلى إدوارد سعيد.

هيجل وكارل ماركس وأنطونيو جرامشي وميشيل فوكو
هيجل وكارل ماركس وأنطونيو جرامشي وميشيل فوكو

لم يخلُ الأمر بالطبع من محاولات معرفية ( إبستمولوجية ) جادة لتعاطي الأنا الشرقي مع طرح إدوارد سعيد بشكل غيجابي، فعلى سبيل المثال كانت محاولة حسن حنفي في التأسيس لعلم “الاستغراب” في مقابل “الاستشراق” محاولة واعدة لبداية اشتباك معرفي جاد مع الآخر الغربي يتحول فيه الأنا الشرقي أخيرًا إلى “ذات” لها وجودها بعد أن قبع لعقود في دور “الموضوع” الذي تقوم الذات الغربية بدراسته ومن ثم الهيمنة عليه، وهو ما تصور حنفي أنه خطوة ضرورية لانتقال الأنا الشرقي من الهامش إلى المركز، إلا أن هذه المحاولة الفكرية لم تلق الرواج ولم تحظ بالاشتباك الفكري معها بهدف إنضاجها وتطويرها كما توقع حنفي وغيره لها، وهي على كل حال رؤية تستطيع أن تقرأ من بين سطورها نفسية حنفي الثائرة  والتي لا تخلو هي الأخرى من الأيدولوجية في بعض تجلياتها.

من كل ما سبق يتضح لنا أن تقديم صورة واقعية تمامًا عن الآخر، لا تتأثر بحمولة الأنا الذاتية، هو هدف متعذر المنال، فلا سبيل لنا أن نتجرد من كل ما هو ذاتي ونحن نبني لنا و/أو لغيرنا صورتنا عن الآخر، والحقيقة أنني أرى أن هذا الهدف – فضلًا عن أنه أمر يكاد يكون مستحيلًا إجرائيًا- لا يلزم أن يكون هدفًا أصلًا، فثمة هدف آخر ممكن التحقق وأكثر نفعًا وأبقى أثرًا، ألا وهو أن يفسح كل منا المجال للآخر أن يقدم نفسه لغيره دون تحيزات مسبقة أو أيديولوجيات متصارعة، والتجلي الأمثل لهذا هو النقد الذاتي فليس هناك ما هو أصدق منه، تمامًا كما فعل إدوارد سعيد في “الاستشراق”، إذ لا أراه إلا نقدًا ذاتيًا للأنا الغربي وليس تأسيسًا ل”استشراق” جديد كما قد يوحي العنوان، وكما يريد الأنا الشرقي الجمعي أن يفهمه، فالتأسيس للأنا الشرقي بالنسبة لنا هو خطوة لاحقة لم تأتِ بعد، ولم يعرها الأنا الشرقي اهتمامًا مثل ما اعتنى بالتأكيد على النقد الغربي لذاته، ولن يقوم بهذه الخطوة إلا الأنا الشرقي نفسه، فليته ينشغل بها عما سواها

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: