ثقافة

المسرح المصري.. «أبو الفنون» يعيش محنة قاسية 

فى الخامس من سبتمبر عام 2005 كانت مصر على موعد مع حدث حزين ومؤلم، فقد توجه 50 شخصية مسرحية لحضور عرض بعنوان “من منا”، لفرقة نادى طامية بالفيوم بقاعة الفنون التشكيلية الملحقة بقصر ثقافة بنى سويف.

وأثناء العرض تحولت المسرحية إلى واقع أليم إذ التهمت النيران أجساد الموجودين فى القاعة دون مغيث ليتحول المسرح إلى كتلة من النيران بسبب “شمعة” سقطت من خلفية ديكور العرض أحدثت حريقا فى القاعة بأكملها – بحسب تقرير لجنة تقصي الحقائق – وأحدثت 3 انفجارات متتالية.

لقي أكثر من 50 مسرحيا حتفه بالإضافة إلى 23 مصابا آخرين ليتحول هذا اليوم الكئيب والموجع فى تاريخ أبو الفنون إلى يوم للمسرح المصرى .

ولعل احتفال الدولة بهذا اليوم بعد توقف استمر سبع سنوات يمثل خطوة إيجابية لاستعادة مكانة المسرح المصري الذى ساهم فى خلق مكانة مصر الثقافية فى العصر الحديث وصار يعانى من أزمة حادة منذ سنوات .

وتزايدت جراحه مؤخرا فى ظل انتشار فيروس كورونا وما ترتب عليه من إجراءات احترازية جعلت من التواصل المباشر بين الممثل وجمهوره أمرا شديد الصعوبة، ولأن المسرح عبر التاريخ يمثل تلك الحالة شديدة الخصوصية من التواصل هذا ما جعل أبو الفنون يفتقد أهم خصائصه.

وقد شهد المسرح المصري الحديث عدة مراحل ومحطات، وساهم فى تشكيل وجدان مصر، وكان رافداً مهماً فى نهر القوى الناعمة الذى صَنع مجراه بسرعة شديدة مستعيناً بتاريخ عريق، ولهجة مصرية سريعه الانتشار، ومكانة استثنائية فى المنطقة رغم كل العقبات.

ورغم أن المسرح بدأ غريباً من حيث الموضوعات التى تناولها – لأسباب تتعلق بصٌناعه الأوائل – إلا أنه سرعان ما صار جزءاً من النسيج المصري، وتحول إلى منبر رئيسي فى تقديم صورة للفن المصرى فى معظم فتراته الزمنية، وعكس بدقة مقومات مصر الناعمة فى مختلف الفنون باعتباره أبو الفنون، وجامعاً لكل أنواع الإبداع الفني والأدبي .

كانت الحملة الفرنسية قد جلبت معها الممثلين والمخرجين والكتاب، وأقاموا بعض المسارح الخشبية ليمثلوا فيها بالفرنسية، وبعد خروج الحملة عام “1801”، وفى تلك الفترة التي ظهر فيها الفن المسرحي على أيدي مارون النقاش في لبنان، وأبي خليل القباني في سورية، ثم قام الخديو إسماعيل فى عام 1869 بإنشاء دار الأوبرا الخديوية بمناسبة افتتاح قناة السويس التي قدمت عليها لأول مرة أوبرا “ريجوليتو”، كما قدمت أوبرا “عايدة ” المستوحاة من التاريخ المصري القديم بناءً على طلب الخديوى.

ولم يكتف إسماعيل بذلك، بل أنشأ عدة مسارح، مثل الكوميدي عام 1868 لتقدم عليه فرقة “الكوميدي فرانسيز”عروضها من روائع موليير .

دار الأوبرا الخديوية
دار الأوبرا الخديوية

في عام “1910 “عاد جورج أبيض من فرنسا لتبدأ مرحلة جديدة فى المسرح المصري الوليد، حيث سعى أبيض لمقاومه سيطرة المسرح الغنائي، والعمل على  تأسيس المسرح الدرامي، وشهدت بدايات القرن العشرين تكوين فرق غنائية وأخري درامية منها “عكاشة” و”منيرة المهدية” ويوسف وهبى وعبدالرحمن رشدي، وواكب تأسيس تلك الفرق ظهور مؤلفين ومترجمين ومقتبسين، مثل فرح أنطون وإبراهيم رمزي ومحمد تيمور ونجيب حداد ثم أحمد شوقي بمسرحه الشعري ومن بعده عزيز أباظة.

وبعد سنوات يعود توفيق الحكيم من فرنسا عام ١٩٢٨، حاملاً رؤى جديدة  لصناعة ثورة في البنية الذهنية، خاصة حين قدم مسرحيته الشهيرة “أهل الكهف” عام ١٩٣٣.

وظهر دور الدولة لأول مرة عام 1935 فى تأسيس الفرقة القومية المصرية للمسرح، والتي أدارها الشاعر خليل مطران ثم أسس زكي طليمات المعهد العالي للفنون المسرحية أوائل الأربعينيات، وأسس مع بعض خريجيه فرقة المسرح المصري الحديث سنة ١٩٥٠، لتحقق إنعاشاً في الحركة المسرحية بمنافستها الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى،

زكي طليمات وخليل مطران
زكي طليمات وخليل مطران

وظهر جيل من كُتًاب المسرح أعقاب ثورة 1952 والذى ظهرت بداياتهم فى مرحلة الأربعينات إلا أن المُناخ المسرحى الذى جاءت به الثورة ساعدهم على الظهور والانتشار.

كان لانحياز الثورة مبكرا لقضايا العدالة الاجتماعية أثراً فى تلاقي أحلام المسرحيين مع رؤى رجال الثورة وتصوراتهم، ولأن المسرح بطبيعته منبر تعبير جماهيرى مباشر فإن علاقة وثيقه جمعت كتاب المسرح ورواده مع أفكار الثورة ووجدوا فيها تعبيرا عن طموحهم الفنى والفكري، وأرسى مسرح الستينيات قواعده فى التعبير عن الآمال والآلام والتطلعات الاجتماعية، وتلازم هذا مع ظهور” الواقعية الاشتراكية ” كمدرسة أدبية وفنية تأثر بها جميع ألوان التعبير الأدبي والفني.

وهكذا شهد المسرح المصري عدداً من كُتاب المسرح الذين قادوا مدارس مسرحية متنوعة داخل الإطار الواقعي، و ظهرت أعمال ومؤلفات مسرحية كُتِبَت مباشرة لخشبة المسرح، بعد الاعتماد على الإعداد والاقتباس والتعريب، إلا نادراً، بينما ظهر فى مرحلة الستينيات عدد من كُتَّاب المسرح يتمتعون بالوعي بفن المسرح والقدرة على الكتابة له مباشرة،

وظهر كتاب مثل “رشاد رشدي” و”ألفريد فرج” و”سعد الدين وهبه” و”يوسف إدريس” و”نعمان عاشور” و”ميخائيل رومان”- و”صلاح عبد الصبور”- و”عبد الرحمن الشرقاوي” و” نجيب سرور”، حيث تنوعت أساليب الدراما بين هؤلاء الكُتاب، مابين دراما واقعية اجتماعية، ودراما واقعية سياسية، إلى جانب الدراما الذهنية التى أرسى قواعدها “توفيق الحكيم” من قبل والميلودراما الشعبية والاجتماعية التي عرفت مبكراً عند “إسماعيل عاصم” و”فرح أنطون” و”إبراهيم رمزى” و”عباس علام” وغيرهم.

واستمر هذا حتى نكسة (1967) المؤلمة والتى خلقت حالة من عدم التوازن لدى المثقف المصري وانعكست على كل الفنون.

وفى السبعينيات تخلت الدولة عن دورها ودعمها وتراجع دورها بشكل كبير فى رعاية المسرح، مما أدى إلى عودة سيطرة المسرح التجاري، ورغم اعتماده على فنانى ومخرجى المسرح الكوميدي التابع للدولة فى الستينات؛ إلا أنهم توجهوا بمضامين مسرحياتهم وجهة جديدة تختلف عن تلك التى شهدها المسرح فى الستينات، إذا اتجهت وبشكل سريع إلى تقديم نصوص بعيدة كل البعد عن النواحي الفكرية والاجتماعية، واعتمدت بشكل واضح على التسلية والترفيه، هذا ما جعل بعض النقاد وعدد كبير من جمهور المسرح يشبه المسرح التجاري ” بالملهى الليلي “.

وتميزت تلك المرحلة بتشوه كامل فى دور المسرح ورسالته التقليدية باستثناء قلائل حافظوا على أنفسهم وسط طوفان من التراجع.

وفى عقد السبعينيات  تزايد رواج المسرح الكوميدي، فظهرت أعمال مثل “مدرسة المشاغبين ” عام 1973 للمخرج جلال الشرقاوي، و”العيال كبرت ” عام 1979 للمخرج سمير العصفوري، وكلاهما من مخرجي مسرح الطليعة ذي التوجهات الأقرب للمسرح الاجتماعى – السياسي، وتمثل مدرسة المشاغبين إعلاناً عن توجه مسرحي منافس بقوة لمسرح الدولة، وللمسرح الاجتماعى والسياسي،

ويتطور الحال إلى الأسوأ وتتغير طبيعة جمهور المسرح، وتمتلئ القاعات بالأثرياء الجدد، وشيوخ النفط، ويتطلب هذا قطعاً تقديم كوميديا تناسبهم، تحتوي على مبالغة فى الإسقاطات الجنسية، وفواصل للرقص الشرقي، والغناء الشعبي المصاحب له، ولا يخلو العرض من إسقاطات سياسية “سطحية ” فى معظمها؛ بغرض اجتذاب فئة يستهويها هذا النوع،

وبعد أن كان المسرح يَحمل رسالة إلى العالم صار مجرد وسيله للتسلية  مما أثر سلباً على دوره،

وفى حقبة الثمانينيات ينتعش المسرح التجاري فى ظل تراجع ملحوظ لمسرح الدوله الذى يعانى من نقص شديد فى الإمكانيات والدعم الرسمى من الدولة وتشهد مصر خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين حالة تردي مسرحي غير مسبوقة، قادها مسرح القطاع الخاص بإستثناء بعض التجارب القليلة من أهمهما تجربة  “ستوديو 80 ” لكل من “لينين الرملى – محمد صبحى ” التى حفظت لتاريخنا المسرحى ماء وجهه أمام سيل من الابتذال الفني، وغياب كامل للمضمون أو حتى لجماليات المسرح، ويأتى إلى جانب تجربة مسرح “ستوديو 80 ” عدد من التجارب الفردية لبعض مخرجى المسرح الخاص مثل جلال الشرقاوى ومسرحه السياسى.

بينما ظلت عروض كل من عادل إمام وسمير غانم ويونس شلبى وغيرهم من هذا الجيل مشغولة بشباك التذاكر أكثر كثيراً من أى رسالة فنية أو قيمة فكرية للمسرح.

وتواصلت أزمة مسرح الدولة رغم جهود بعض المسرحيين المخلصين لإستعادة المسرح لمكانته،  ورغم عدد كبير من التجارب المضيئة والمواهب الكبيرة التى قدمها، لكن يبدو أن الأزمة قد اتسعت لتشمل المسرح المصري بكل تنويعاته .

هذا ما يفرض على صناع المسرح من جهة ووزارة الثقافة من جهة أخرى بحث سبل الحفاظ على أحد أهم مكونات قوتنا الناعمة قبل أن يصبح جزءا من تراثنا المنسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: