مختارات

بعد فيضانات السودان: ترحموا على عبدالناصر وتذكروا «سده العالي»

منقول من صفحة دكتور مصطفى سلطان على الفيسبوك 

نتألم كثيراً ونحن نشاهد الأشقاء في السودان وقد ضربهم فيضان النيل بقسوة، والذي يعد الأعلى خلال المائة عام الماضية حسب بيانات وزارة الري والموارد المائية السودانية؛ التي أكدت أن “مناسيب النيل وروافده لهذا العام زادت زيادة غير مسبوقة منذ عام 1912،  فقد أغرقت مياة الفيضان معظم أراضي السودان  وتضررت منها 16 ولاية من إجمالي 17 ولاية تتكون منها دولة السودان، فقد أدت الفيصانات لخسائر مفجعة وموجعة في الأرواح والممتلكات كما قال رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك ، وهو الأمر الذي دفع بمجلس الأمن والدفاع هناك إلى إعلان حالة الطوارئ في كل أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر واعتبار السودان منطقة كوارث طبيعية، حيث فقد العديد من المواطنين أرواحهم وأصبح الكثير منهم بلا مأوى بعد أن تضرر أكثر من نصف مليون نسمة وبعد حدوث انهيار كلي وجزئي لأكثر من 100 ألف منزل.

ويرى العديد من خبراء الري في السودان (وفقا لموقع سودانيل) أن هناك خطراً كبيراً يهدد السودان إذا استمر هطول الأمطار بهذا المعدل في منابع النيل، ويحذرون من أخطار تهدد سدي الروصيرص وسنار بالأنهيار لأن منسوب المياه في بحيرة تانا سيظل مرتفعاً طوال العام، وبالتالي فإن تزايد هطول الأمطارسيصاحبها فتح البوابات الحاجزة في سد النهضة وإحداث تأثيرات غير مسبوقة في مناطق النيل الأزرق والجزيرة والخرطوم .

عندما ننظر إلى ما يحدث في السودان نتذكر الزعيم الخالد جمال عبدالناصر ونترحم عليه، فقد أنقذ المصريين من الموت جوعا وعطشا ومن الموت غرقا، فالسد العالي (هرم ناصر) حمى البلاد سواء في حالات الفيضانات المنخفضة أو في فترات الجفاف الممتد (كما حدث خلال الفترة من 1979 إلى 1987) ، أو الفيضانات المرتفعة التي كانت في الماضي تغرق البلاد فلولا السد العالي لغرقت مصر  كما هو الحال في السودان الآن، فمنذ البدء فى إنشاء السد العالى، مر على مصر عدد من الفيضانات العالية في سنوات مرتفعة الإيراد المائي بصفة عامة أولها في الأعوام 1964، 1967، ثم 1975، 1988، 1996، 1998، وهو ما دفع وزارة الرى المصرية إلى فتح مفيض توشكى في عام 1996 لتصريف المياه الزائدة عن بحيرة ناصر وتدشين الحكومة آنذاك لمشروع إستصلاح توشكى.

مشروع توشكى
مشروع توشكى

ويذكر الدكتور ( أحمد السيد النجار في كتابه: من السد إلى توشكى.. النيل والبشر في مصر: الأساطير والواقع ): أن الدراسة العميقة للمشروع أوقعته في غرامه وحملته تقديرا هائلاً لكل من شارك في بناء هذه المعجزة التي أنقذت مصر من الجفاف السباعي الرهيب الذي ضرب منابع النيل من عام 1980 حتى عام 1987،علما بأن هذه الدورات السباعية للجفاف التي تتكرر كل قرن أو قرنين على الأكثر، كانت تقضي على ثلثي أو ثلاثة أرباع سكان مصر وتدخلها في دورة لا تنتهي من التراجع ثم الصعود، وأضاف كانت مصر خاضعة لمشيئة ونزق النهر قبل السد الذي أنهى المعادلة وجعل مصر متحكمة في النهر العملاق .

وتأكيداً لهذا الدور الكبير الذي لعبه السد العالي في حياة المصريين أختير كأعظم مشروع تم في القرن الماضي، ففي عام 2000 اختارت مجموعة من مؤسسات تصميم السدود والهندسة العقارية والدوريات العلمية الأمريكية والدولية سد مصر العالي الذي يمر عليه الآن 60 عاماً على بدء العمل فيه، كأعظم مشروع بنية أساسية في القرن العشرين وبالتالي في التاريخ، بعد منافسة حامية مع سد “بولدر” الأمريكي الذي بني على نهر ريوجراند وكان أحد أوائل السدود الضخمة في العالم، وأيضا مع “الإمباير ستيت” وهي أول ناطحة سحاب في العالم، وكان مبرر الاختيار هو أن السد العالي قد غير مصير شعب بأكمله.

السد العالي العظيم تعرض خلال العهد الساداتي لهجوم ضار وجاهل ضمن الحملة على عهد الزعيم جمال عبد الناصر، فقد بدأت حملة الإساءة إلى عبد الناصر إنطلاقاً من أهم إنجازات الحقبة الناصرية بل أهم الإنجازات المصرية عبر تاريخ مصر الطويل، ( هرم ناصر كما يطلق عليه في الغرب ) فتلك الحملة بدأت من منصّة الهجوم على السد العالي مجد عبد الناصر الكبير وقد بلغت حدا غير مسبوق من الجهالة و التجهيل، حملات ضارية من الصحف وبرامج الإذاعة والتليفزيون إلى جلسات مجلس الشعب وصالونات الحلاقة ومنابر المساجد، فالكل أصبح خبيرا في السدود يطالب بهدمه والقصاص من صاحبه!

فالسد العالي أصبح أم الكوراث، مصيبة لم تشهد مصر مثلها من قبل، فهذا السد الذي أصبح ملعونا يهدد مصر بالفناء، فالأرض الزراعية مهددة بالبوار بعد أن انكمش الطمى الذي يغذيها بالحياة، والإسكندرية مهددة بالانكماش والانفصال عن مصر، والدلتا مهددة بالغرق والاختفاء من اليابسة المصرية، وجسور النيل بدأت تتإكل وأصبحت كل الخزانات والقناطر الموجودة على النيل معرضة لخطر الانهيار، بل إن مصر كلها معرضة للغرق لاحتمال إنهيارهذا السد الملعون الذي تسبب أيضاً في حرمان المصريين من أسماك السردين التي اختفت من أمام سواحل رشيد!

هذا للأسف ما أحتوته المقالات والحوارات التي امتلأت بها الصحف القومية الثلاث، وكذلك مضابط مجلس الشعب (  خاصة مضبطة جلسة 26 نوفمبر سنة 1975 التي حمل فيها النواب على هذا السد العالي وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة علمية متخصصة عن كيفية تغييب وعى الشعوب – السد العالي نموذجا، نحن أحوج ما نكون إليها الآن ) ، ونشير هنا إلى بعض غرائب ما نشر، ففي 25 يونيو سنة 1977 نشرت أخبار اليوم تحقيقا صحفيا جاء فيه: (  ٢٠ سنة وبعدها تغرق القناطر في النيل، وأن النهر أصبح أكبر مشكلة تواجه المسئولين عن الري في مصر بعد بناء السد العالي )!  ..

أيضا نشرت جريدة الأهرام في 21 أكتوبر سنة 1978 تقريراً تحت عنوان:  ( بحثا علميا – مفاجأة في انتظار علماء مصر وأمريكا في الصحراء الغربية، التلال المتحركة الموازية لبحر الرمال الأعظم وصلت إلى حدود بحيرة السد لتهددها بالردم )!

وهذا الخبر الأخير وقف مرشد الأخوان الراحل (عمر التلمساني) معلقاً عليه في كتابه (  قال الناس ولم أقل في حكم عبدالناصر) قائلا: ( وهذه بلوى أخرى من بلاوي السد العالي الذي صمم عبد الناصر على إقامته رغم تحذيرات الفنيين لا لشيء إلا إرضاء لغروره الأجوف، ها هي التلال المتحركة تقترب من بحيرة السد العالي تهددها بالردم، وليس في العلم حتى اليوم ما يمكن معه منع تحرك هذه التلال جنوب بحيرة السد، قد يحدث من الأحداث الكونية ما يوقفها وقد يستطيع العلم في المستقبل أن يوقفها، ولكن شيئا من هذا لا يعرف له حدوث حتى اليوم، وهكذا شاء حب عبد الناصر لوطنه وشاءت له أهواء نفسه التي تذكيها فيه حاشيته، أن يفعل ما يشاء ولو كان في ذلك القضاء على مصر اليوم أو الغد أو بعد عشرات السنين، ما قيمة هذا عند عبد الناصر الزعيم الأوحد، ما دام في إقامة السد العالي ما يكتب اسمه في صفحات التاريخ بالخير أو الشر على السواء، ترى أية كارثة تنتظر هذا البلد المسكين الذي ابتلي بحكم عبد الناصر في غفلة الزمان، ترى أية كارثة تنتظره إذا ما طمست الرمال هذه البحيرة التي تختزن فيها مياه النيل اليوم، إرضاء لنزوة من نزوات الزعيم الفريد؟) .

عمر التلمساني
عمر التلمساني

التلمساني الذي خصص فصلاً في كتابه السابق ذكره للهجوم على السد العالي  كان نموذجا لحملات تغييب الوعى التي شارك فيها الإخوان بقوة، يطالب بهدم هذا السد فكتب يقول: هذا السد الذي أصبح اليوم خطراً داهماً يهدد بكارثة ماحقة، ستأتي على مصر كلها، إن لم يتداركنا الله برحمته،  إن الله بالناس لرءوف رحيم، فلم يبق شر من الشرور لم يجلبه علينا هذا السد البغيض الذي لم يقم لمصلحة مصر، ولكن إرضاء لغرور أجوف ملأ جوانب حاكم لم يؤت من العلم والرحمة والوفاء للوطن والتقدير للعقيدة، لا قليلا ولا كثيرا، إن كل ما يقوله المدافعون المغرضون عن هذا السد، أنه وقى مصر من غوائل الفيضان سنة كذا وسنة كذا، وحتى لو صح هذا الذي يقولون، فقد فاض النيل قبل السد العالي فماذا كانت النتيجة؟ خسائر طفيفة إلى جانب الأهوال المريعة والخسائر الفادحة التي سببها وسيسببها هذا السد الأنكد، نسأل الله أن يهيئ لمصر من يكون له من الحزم والحسم ما يقضي به على هذا السد المشئوم قبل أن تحل بنا أخطاره المحققة الماحقة!

ويضيف: لقد تحدث المؤرخون عن المظالم والضحايا التي ذهبت في حفر قناة السويس وبناء الأهرام، وكان من حسن الحظ أن هذه المظالم والضحايا، لم تذهب عبثا، فقد عادت القناة على مصر بالخير والبركات، كما أصبح الأهرام مصدر دخل وفير من أموال السائحين الذين يحضرون لمشاهدة الأهرام في مصر، ولكنه كان من سوء الحظ، ونكد الطالع، أن المظالم والضحايا التي أزهقت أرواحها في إقامة السد العالي، عادت على مصر بأخطار، تكاد تودي بخصب هذا البلد المترع بالخير بعد إقامته، ألهذا الخراب الداهم بنى السد العالي؟ أين كانت هذه التوقعات عند البناء، أكان حكم عبد الناصر يجهلها؟ وتلك مصيبة سوداء، أن يقام مثل هذا السد الضخم ولا تتخذ كل الاحتياطات التي تقي البلاد من أخطاره، أم كانت كل هذه النتائج متوقعة، ورغم ذلك ركب عبد الناصر رأسه ومضى في البناء، لأن مجده الشخصي أهم وأكبر عنده من الوطن والمواطنين؟ وهذه أدهى وأمر من التي قبلها – إنه تاريخ يسجل بمداد من قطران لذلك العهد ولا شأن لي في اختراعه، ولكنه الشر ينبئ بالشر عن نفسه وعن نتائجه، ولا يبلغ الناس من الظالم ما يبلغ الظالم من نفسه.

وليس هذا الجيل وحده الذي سيقيم هذا التقييم الأخير، ولكنها الأجيال المسكينة القادمة، هي التي ستعاني من ويلات هذا السد الشرير، وستبدي الأيام في المستقبل، ما لا يزال خافيا على أبناء هذا الجيل من الوثائق التي ما يزالون يحاولون إخفاءها عن الشعب الذي ابتلي بحكم هؤلاء الناس في غفلة من الزمان، وهكذا أراد الله أن يترك حكم عبد الناصر بصماته المدمرة على كل شيء في مصر، مما ينذر بالشر المستطير، الذي نسأل الله سبحانه، أن يقينا شره برحمة من رحماته الواسعة، وإنه لدليل من أدلة الطغيان التي حلت بهذا البلد نتيجة حكم عبد الناصر لها، فقد كان عبدالناصر عبدا للمجد الأجوف فكلما توهم في شيء مجدا له سارع إلى تنفيذه ولو بنى هذا المجد التافه على الأشلاء الممزقة والأعراض المنتهكة والأموال المغتصبة والجماجم المبعثرة … ويتساءل التلمساني قائلا: لماذا أنفق عبد الناصر هذه المئات من ملايين الجنيهات لإقامة هذا السد؟ ولماذا امتنع البنك الدولي عن تمويله؟ ولماذا تدخلت الشيوعية فيه وأقامته رغم الأخطار المريعة التي ظهرت بوادرها منذ إنشائه ؟ هذه الأخطار الماحقة التي لا نستطيع تقدير مدى أضرارها على هذا الوطن المسكين في المستقبل القريب والبعيد، إن الخبراء العالميين والمصريين، رفضوا إنشاء هذا السد وأظهروا أخطاره على البلاد، وهم لا يمكن اتهامهم بأن رفضهم بعثته الأهواء المغرضة، ولكن الخبراء السوفييت الحريصين على تدمير كل بلد إسلامي، انتهزوا فرصة غرور عبد الناصر، وزينوا الأمر له، فأقدم تحت وطأة حرصه على الزعامة الزائفة، ولن يهمه بعد ذلك ما يكون، ما دام التاريخ سيكتب أن عبد الناصر حول مجرى النيل، كما حوله الفرعون مينا منذ آلاف السنين!

الله سبحانه وتعالى الحق العدل، سود وجوه هؤلاء الكذبة المنافقين ورد للسد العالي وصاحبه اعتباره كأعظم مشروع تم عبر تاريخ مصر الطويل حاضرا بقوة في ذاكرة المصريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: