مدونة أصوات

في بيت العشق

في بيت العشق

«يطرق الحب الباب، فتدخل الحياة» حين رأت الصغيرة تلك العبارة لأول مرة معلقة على باب إحدى غرف ذاك البيت الأثري العتيق، قفز قلبها بين جنبات صدرها الصغير.

على عتبات «بيت العشق» كما أطلقت عليه، وعدت الصغيرة البيت، بالعودة مرة أخرى، حين تقابل رجل حلمها الجميل، نعم وعدت البيت بالعودة، فقد اعتادت أن تواعد الأماكن التى تحبها بالعودة مرة أخرى، وهى عادة ما تفي بوعدها.

حين رأته، عرفت منذ الوهلة الأولى، أنه رجل حلمها الجميل، دعته إلى زيارة عالمها الخاص، صحبته إلى دار الأوبرا، المتحف المصري، الحسين، خان الخليلي، بيت زينب خاتون، الرفاعي، السلطان حسن، وبالطبع مسجد ابن طولون، وبيت العشق المجاور له. حين رأى سويا تلك اللوحة التي نقش عليها «يطرق الحب الباب، فتدخل الحياة» عرف كل منهما أنهما قد دخلا للتو الحياة، فلاذا كلاهما بالصمت الطويل.

يطرق الحب الباب، فتدخل الحياة
يطرق الحب الباب، فتدخل الحياة

مع المساء حين عادت إلى بيتها، نامت نوما عميقا، استيقظت وفي أذنيها صوت عميق، يشبه صوتها، لكنه أكثر عمقا، أكثر دفئا، يهتف قائلا: «أهداني الرب سهم الحياة، كي أطلقه في عنان السماء، ليضىء بريقه طريق الحائرين».
في جولاتهما اللاحقة على ضفاف النيل، حاولت كثيرا أن تطرح السؤال؟ ولكن أي سؤال هذا؟ هل يطرح الحب عبر سؤال؟، عيناه تعداها بالحب، ولسانه لم يزد شيئا.

حاولت جاهده، أن تتواصل مع عالمه الخاص، لكنها لم تتمكن من هذا أبدا، بالكاد عرفت أنه يهوى العزف على العود، تمنت لو كان بإمكانها يوما أن تستمع إليه وهو يعزف على عوده، ببيته الصغير، بأم دورمان.

حين وقفا بمنتصف كوبري قصر النيل، أشار إلى الجنوب باسما، وقال هناك يقع وطني الحبيب، النيل بالسودان مختلف عن القاهرة، النيل بالسودان أكثر إتساعا، النيل بالسودان أكثر رحابه، نحن في السودان نعلم كل شيىء عن مصر، نقرأ صحفها، وكتابات أدباءها ومفكريها، نتابع معاركها السياسية والفكرية، نشاهد الأفلام المصرية،،وأنت ماذا تعرفين عن السودان؟ .. بُهِتت من طرح السؤال، تلعثمت، ثم قالت، لا أعرف عنها شيئا، سوى الطيب صالح، وروايته «موسم الهجرة إلى الشمال» ضحك ضحكته الرنانة وقال، نعم إنه «موسم الهجرة إلى الشمال».

الطيب الصالح وموسم الهجرة إلى الشمال
الطيب الصالح وموسم الهجرة إلى الشمال

قرد وكلب وكرة حمراء

طافت الصغيرة، بثوبها الأبيض، الذى يشبه ثوب راقصة البالية، في أرجاء جنة الخلد، عدة أيام، غير أنها ما لبست أن شعرت بالسأم الشديد، فرفعت رأسها للسماء تخاطب ربها، مشيرة إلى أن هذه الجنة وبرغم كل ما تتمتع به من جمال، إلا أنها شعرت فيها بالملل الشديد، حار الرب كثيراً فى أمر الصغيرة، الجنة وما فيها وتشعر بالملل؟! غير أن الصغيرة ما لبست أن طلبت من الرب أن يمنحها، ثلاثة من الرجال تلهو وتلعب بهم حتى يزول عنها السأم، تبسم الرب وأشار بأن لها ما تريد، أختارت الصغيرة، «أبيها، وشاعرها، وطبيبها».

في التو، حولت الصغيرة أبيها إلى كلب، يشبه كلبتها «حابي»، التي كانت بمثابة أبنة لها، ثم حولت شاعرها إلى كرة، حمراء اللون، وطبيبها إلى قرد عجوز، أخذت الصغيرة، تلهو وتلعب بثلاثتهم، طوال اليوم، تقذف الكرة، في اتجاه الشرق، وترسل أبيها الكلب، كي يحضرها لها، وتقذفها في إتجاه الغرب، وتبعث طبيبها القرد، ليحضرها.

حين اقتربت الشمس من المغيب، أعادت الصغيرة، ثلاثتهم إلى هيئتهم التى كانوا عليها، أخذت تحبوا نحو أعلى ربوة في الجنة، حيث انتوت أن تغزل بيتها الصغير، وثلاثتهم أبيها وشاعرها وطبيبها، يهرولون خلفها، بانفاسٍ متقطعة، من طول الطريق.
حين وصلت الصغيرة، أعلى الربوة، أخذت تغزل بيتها من جريد النخيل، الذي تعشقه، وتجيد غزله منذ نعومة أظافرها، وهى تردد أنشودة النقشبندى، «مولاي إني ببابك قد بسطت يدي»، بعد أن انتهت من غزل بيتها، ذهبت إلى النخلتين الشامختين، أمام مدخل بيتها، وقامت بغزل أرجوحة حول ساقيهما.

أمام النخلتين، بدأت بحفر حفرة كبيرة، على شكل قلب كبير، فرشتها بزهور حمراء كبيرة الحجم، ورفعت رأسها، مرة أخرى إلى السماء، وأخذت تناجى ربها، عله يمنحها، مائة من الإناث الصغيرات، عمر خمس سنوات، ومائة من الذكور، عمر ثلاث سنوات.
حار الرب ثانية، من طلبها هذا، غير أنه ما لبس أن استجاب لها، فأرسل لها الإناث الصغيرات، ومعهم الذكور، أخذت الصغيرة، تغزل لكل أنثى صغيرة، ثوبا يشبه ثوبها الأبيض، من زهور الياسمين، وطوق للرأس من زهرة الفل، وحذاء من زهور البنفسج، أما الذكور فقد تركتهم عرايا كما ولدتهم أمهاتهم.

حين انتهت الصغيرة، جاءت بأبيها وشاعرها وطبيبها، وقذفت بهم في الحفرة الكبيرة المفروشة بالزهور الحمراء، ثم جاءت بكل كتاب قد قراءته يوماً وقذفت به عليهم. وطلبت من الإناث الصغيرات، أن يشبكن أيديهن، ويدرن حول الحفرة، في اتجاه عقارب الساعة، وطلبت من الذكور، أن يشبكوا أيديهم، ويدوروا عكس عقارب الساعة، وهم يرددون جميعا، في صوت متناغم يشبه صوتها الدافىء العميق: «سلام، حمام، يمام .. سلام، حمام، يمام .. سلام، حمام، يمام» .. وأشعلت الصغيرة النيران فى الحفرة الكبيرة وهى تبكي «كتبها وأبيها وشاعرها وطبيبها» مرددة مع الأطفال .. «سلام .. حمام .. يمام»

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: