مختارات

«أن تحبي رجلًا متزوجًا».. كتابة جريئة في مساحة شائكة 

منقول من صفحة نور الهدى فؤاد على الفيسبوك
أبهرني عنوان كتاب “أن تحبي رجلًا متزوجًا” للكاتبة الرقيقة عزة سلطان، أولاً لأنه يتطرق لمنطقة شائكة جداً من العلاقات الإنسانية، بما تحمله من وصم وكتمان وتساؤلات، وثانياً لأن العنوان مباشر وبالتالي سيخطف عين كل من مر بتلك التجربة من قريب أو من بعيد..

الوصم الذي يثقل تلك التجربة يجعلها غير قابلة للمناقشة في أغلب الأحيان، فالأحكام مسبقة وباتة مع حيثيات قاطعة جامعة، ما أجده تجاهلاً لطبيعة الإنسان وعواطفه المتقلبة، والتي لا يمكن أن تخضع للقوانين، ونذكر من ذلك حديث سيدنا النبي حول حبه للسيدة عائشة الذي يتجاوز حبه للباقيات رغم عدله الظاهر في أفعاله، عندما دعى الله “اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك”

إذاً فليس على القلب سلطان إلا الله، حتى العقل والمنطق يقف عاجزاً أمامه..

 ولكن الأمر يقتصر على ما يجول في القلب والخاطر، فإذا ترجم لأفعال كان على صاحبه أن يتحمل تبعاته.

نجح الكتاب في طرحه هذا النوع من المشاعر غير المقبولة اجتماعيا، طرح يدفع لتقبلها والتعاطف معها، حتى أنه ينجح في جعل القارئ يختبر ذات المشاعر وألمها، وإن لم يكن سبق له اختبارها من وجهة النظر الوحيدة التي لا تحصل على حق الدفاع عن النفس ابداً، وتتركك تؤمن أن كل منا معرض لذلك طالما نحن مجرد بشر.

إن أسلوب الكاتبة الصادق والأوصاف الجمالية القريبة من الشعر عزز المغزى والهدف والرسالة التي تطمح لإيصالها، وشرح أبعاد هذا الولع الذي ربما يعبر عن تعاظم الرغبة في الأشياء كلما أمتنعت عنا، وإن عاب البعض تشابه الكثير من المقاطع في المعنى والكلمات في بعض الأحيان وتعارض وتناقض بعضها في أحيان أخرى، فإنني أرى في ذلك سببا يعمق مصداقية الفكرة ويعبر بالمقام الأول عن التشتت والصراع النفسي للشخصية الراوية أو “العشيقة”، في شكل خواطر تبدو يومية وفي كل يوم تعيد فيه فتح تحقيق جديد بذات المعطيات لتحل عقدة ذلك الطوق الملتف حول رقبتها بلا حبل ويؤرق مضجعها.

عزة سلطان مؤلفة أن تحبي رجلًا متزوجًا
عزة سلطان

مشكلة الكتاب الأولى أنها تقدم تبريرات جاهزة وساخنة وبسمسم تدعوا الرجال لخيانة زوجاتهم، فعلى الرغم من التشكك في الأسباب الظاهرية لخيانة الرجل لزوجته في بضع مواقع وهم تقريبا “3 مرات” تؤول الأمر لتقصير الرجل وأنانيته، تدافع الكاتبة عن الرجل بضراوة وتعذره في كل صفحة تقريبا، والحقيقة أن صاحبة ضمير المتكلم في الرواية تدافع بذلك عن نفسها وليس عن الرجل، إذا الأمر أعمق كثيراً من مجرد معركة نساء على رجل، ولكنه معركة بين الحبيبة والزوجة والصديقة المتابعة وهم جميعا الشخص ذاته، أو بالأحرى تجسيد لانقسامها على ذاتها، بل هي تلعب دون أن تشعر دورالحبيب الزوج أيضا.

تلك المبررات والمعارك الكلامية المدعمة بموجات غزل جارفة وملتهبة للرجل “الحبيب” تضخم كثيرا من ذاته أمام نفسه وأمام أي امرأة، حتى أنه يخيل إلي أن أي رجل سيقرأ هذا الكتاب سيظن أنه من المفترض أن “تقطع” النساء بعضهن من أجله، وإن كان لا يستحق ذلك، فالأمر غير منوط بمميزاته وعيوبه، فلماذا سيفكر أن يصلح من نفسه؟؟؟ أو ما الفرصة التي أمام هذا الزواج ليعيش في ظل تلك المقارنة غير العادلة؟؟؟

تتباهى “العشيقة” بأنها مصدر السعادة الخالص لحبيبها وفيضان عطاء بلا مقابل ونزهته ووسادة روحه التي تهون عليه كل شئ حتى هموم بيته، وتتحمل نظرات الاستحقار وعذاب الاغتراب وضلالات البعد وخيالات الوحشة في شكل من المازوخية المعنوية، ثم نجدها تعاتب الزوجة على تفانيها وتضحياتها قائلة “محدش قالك ضحي؟” حتى إذا راودها حلم الزواج في موضع آخر انفجرت رغباتها في زوج يغدقها بالرعاية ويتابع كل تفاصيلها ويضبط لها بوصلتها، في اعتراف ضمني منها أن متعة مشاركة الحياة بين اثنين تكمن في العطاء المتبادل وليست في العواطف الجياشة بلا مقابل، بل ولا يجب أن تكون “سكر محلي محطوط عليه كريمة” طول الوقت، فما قيمة الحب بلا تفاعلات وتقلبات “مفرمة” الحياة اليومية.

لوحة ثنائي تحت ضوء القمر لكارل شوينجر الإبن
لوحة ثنائي تحت ضوء القمر لكارل شوينجر الإبن

إنني كامرأة أرفض أن أكون الحلوى في حياة من أحب، أو أن يلعب هو في حياتي دور الأمير المثالي، بل إن متعة الحياة هي في عبور صعابها وسخافاتها وفتورها ومللها بأمان، وهو ما عبرت عنه “العشيقة” بشكل غير مباشر أنها تريده كله وليس ربعه أو نصفه، ومن يدري، فلعلها إن حظيت به كاملا صعقت مما قد تجده في الصورة الكاملة.

وأخيراً، عندما أختبرت شخصيا “أن أحب رجلا متزوجا” من خلال الكتاب، لم تعنيني الزوجة في شئ، ولا الزوج “الحبيب” الذي ربما يخفق قلبه لأخرى دون إرادة منه، ولكني توقفت أمام التعاطي مع تلك المشاعر بالفعل والتصريح، فوجدته “خاين” لزوجته، ووجدتني “خاينة” لنفسي ولكرامتي.

“أن تحبي رجلًا متزوجًا” كتاب مهم وجريء وإضافة على خط العلاقات الإنسانية التي لا نعترف أبدا أنها بلا نمط أو قوالب ثابتة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: