ثقافة

في ذكرى ميلاده: تولستوي القصاص هنا

لا يمكن لأي ناقد أدبي أو قارئ مهتم بالأدب العالمي أن يذكر الأدب الروسي دون أن يذكر معه بالضرورة اسم ليو تولستوي.

فتولستوي المولود في التاسع من سبتمبر عام ١٨٢٨ لأسرة أرستقراطية في روسيا التي كانت لا تزال آنذاك تحت حكم نظام القياصرة، صار رمزاً وأيقونة للأدب الواقعي؛ وهو لا يزال شاباً في العشرينيات من عمره، خاصة عقب نشر روايته الأولى “الطفولة” والتي أعقبها بروايتي “الصبا” و”الشباب” ليكونوا ثلاثية أدبية مقتبسة عن حياته الخاصة.

كما استطاع تولستوي أن يوظف خبرته كجندي شارك في حرب جزيرة القرم (١٨٥٣-١٨٥٦) حتى يصوغ من هذه الخبرات عمله الملحمي “الحرب والسلام” الذي نشر عام ١٨٦٩ والذي يعده بعض النقاد الرواية الأهم في تاريخ الأدب العالمي بشكل عام، والذي استطاع تولستوي من خلاله رصد تأثير الحروب النابليونية -نسبة إلى نابليون إمبراطور فرنسا- على المجتمع الروسي من خلال قصص خمس أسر ارستقراطية، إضافة إلى تأثير الحروب على النفس البشرية بشكل عام.

وعاد تولستوي ليتناول الطبقه الأرستقراطية مرة أخرى عام ١٨٧٨ في روايته “آنا كارنينا”، التي أسماها “أول روايه حقيقية” يخطها قلمه٫ فمن خلال قصة آنا المتزوجة من سياسي مرموق يكبرها بنحو عشرين عاماً والتي تقع في غرام ضابط شاب، يطرح تولستوي أسئلة عن مفاهيم الحب والخيانة الزوجية والوفاء وطبيعة وحقيقة مؤسسة الزواج بشكل مغاير لما اعتاد عليه المجتمع في روسيا القيصرية في ذلك الوقت.

كانت الرواية أحد أكثر أعمال تولستوي نجاحاً وكرست وضعه كأحد أهم أدباء عصره إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وتحولت رواياته إلى أعمال فنية في أكثر من بلد من بينها مصر.

إلا أن هناك جانباً في حياة هذا الأديب لم يحظى بنفس القدر من الاهتمام والنقد والبحث بقدر ما حظيت أعماله الروائية الطويلة ألا وهو أعماله القصصية.

ومن أجل فهم هذه الأعمال ينبغي أولا فهم الأزمة التي عاشها تولستوي، فمع حلول سبعينيات القرن التاسع عشر، خاض تولستوي أزمة روحانيه أشار إليها فيما بعد في كتابه النثري “اعتراف”، حيث أعاد كمسيحي أرثوذوكسي متدين، قراءة وتفسير تعاليم السيد المسيح ولاسيما مواعظه التي ألقاها من فوق جبل الزيتون وفقاً للإنجيل، وهو ما جعله ينأى بنفسه عن الكنيسة الروسية معتبراً أن هذه الأخيرة لا تطبق تعاليم المسيح.

كما أدت هذه القراءة الجديدة التي أفاض تولستوي في شرحها في كتاب نثري آخر هو “مملكة الرب بداخلك” إلى موقف رافض من جانبه لسلطة القياصرة، بل لأي سلطة على الإطلاق لإيمانه أن العلاقات بين البشر كما تعرفها المسيحية لا ينبغي أن تكون على قاعدة حاكم ومحكوم أو سيد وعبد ولكن على قاعدة المساواة التامة.

كما آمن تولستوي تماماً باللاعنف وضرورة مقاومة الشر في العالم بالطرق السلمية، لا باستخدام القوة وهي الآراء التي تأثر بها في مرحلة لاحقاً الزعيم الهندي الشهير المهاتما غاندي.

كانت قصص تولستوي على قصر بعضها وعلى طول بعضها الآخر أداة لتحويل أفكاره المشار إليها إلى مادة أدبية تؤثر في القارئ، حيث كان يؤمن بما يمكن وصفه ب”الأدب التربوي” الذي يغرس قيمة بعينها في نفوس القراء.

فعلى سبيل المثال لا الحصر،قصة “حبة قمح في حجم البيضة” تسخر من فكرة الملكية الفردية والاستحواذ على الأراضي التي كان تولستوي يعارضها بشدة، حيث يجد أحد الملوك حبة قمح ضخمة في حجم البيضة، فاستدعى حكيماً طاعناً في السن لمعرفة سر هذه الحبة، والذي يطلع الملك على حقيقة أن هذه الحبة كانت أمراً طبيعيا حين كانت الملكية الزراعية جماعية وكان خير الأرض لكل من يزرعها أياً كان، لكن لم يعد أي منها موجوداً بعد أن قسمت الأرض وصار هدف كل شخص الاستئثار بأكبر قدر ممكن منها.

وهي فكرة يعود إليها تولستوي في قصة “كم من الأرض يكفي الإنسان” متناولاً الجشع البشري تجاه الأراضي من خلال قصة فلاح يسعى طيلة القصة للاستحواذ على مزيد من الأراضي وفي النهاية لا ينال سوى قطعة أرض لا تتجاوز بضعة أمتار هي لحده الذي يدفن فيه.

وفي قصه “الله والشيطان” يتناول تولستوي فكرة مقاومة الشر بالخير والإحسان لا بالشر، موكداً أن الخير في النفس البشرية هو الجانب الإلهي الذي أودعه الخالق فيها.

أما قصة “الجحيم الذي أعيد بناؤه” فيبدو فيها جلياً أسباب معارضة تولستوي للكنيسة، حيث يعتبر الأخير في هذه القصة أن الكنيسة لا سيما الروسية٫ أسست على كذبة وهي أن المسيح اختار أناساً بعينهم لقيادة الآخرين وأن القائمين عليها يعتبرون أنفسهم وحدهم أصحاب الحقيقة.

وفي قصة “مقهى سورات” تتبدى روح مغايرة تماماً للقصة السابقة، وهي روح التسامح بين البشر أياً كانت عقيدتهم، حيث يضع تولستوي على لسان صيني عجوز فلسفته الخاصة فيما يتعلق بالعلاقه بين الأديان؛ حيث يرى أن الجدل بين أصحاب الديانات المختلفة حول أيهم الأصح أو أيهم الأقرب إلى الخالق هو جدل عقيم، وهو أشبه بالجدل حول الشمس حيث أن “الشمس لا تسطع فقط من أجل جبل أو جزيرة أو بحر، بل ولا من أجل الأرض كلها فقط، بل من أجل كواكب أخرى أيضا، وكل واحد منكم كان بوسعه أن يفهم ذلك لو نظر إلى الأعلى، إلى السماء لا إلى موضع قدميه، ولو لم يفكر أن الشمس لا تسطع إلا من أجله أو من أجل بلده.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: