فن

أزهريون في حضرة الغناء.. مشايخ الطرب في مصر (1)

ارتبط تجويد القرآن الكريم وترتيله بحلاوة الصوت وجماله وعذوبته، وتميز كثير من الأزاهرة بحلاوة الصوت والبراعة في حفظ القرآن وتجويده وترتيله، وخرج من الأزهر الشريف علماء كبار في الفقه والشريعة وعلوم الدين  تميزوا بعذوبة أصواتهم وبراعتهم في  دولة التلاوة القرآنية..

غير أن عددا من هؤلاء الأزاهرة ممن تميزوا بحلاوة الصوت وطلاوته ندهتهم نداهة الغناء فاتجهوا بكليتهم لهذا الفن الجميل  دون أن  يعتبروه خروجا على الدين  فامتهنوا حرفة الغناء والتلحين الموسيقي في زمن لم يكن يؤاخَذ المشايخ وأبناء الأزهر بالغناء ولم تُعتبر الموسيقى سبة وتهمة، في مجتمع كان ينظر للفن على أنه موهبة وهبة صادقة ونبيلة..

ومع مشايخ الغناء الأزاهرة تدور سطورنا التالية

الشيخ .. الرائد الموسيقي

في عام 1793 وقبل مجئ الحملة الفرنسية على مصر بخمس سنوات ولد  محمد عبد الرحيم المسلوب  بمدينة قنا في صعيد مصر، ألحقه والده بأحد الكتاتيب التي كانت تنتشر بكثافة في ذلك الزمان، وحفظ القرآن الكريم لينتقل بعدها إلى قاهرة المعز لكي يدرس بأزهرها  الشريف  العلوم الدينية..  وكان شيخاً  معمماً و ملتحياً حاضر البديهة شديد الذكاء يجيد الإنشاد الديني بكل أنواعه..

 محمد عبد الرحيم المسلوب
 محمد عبد الرحيم المسلوب

غير أن الشيخ المسلوب عقب انتهاء دراسته بالأزهر أيقن أن موهبته الموسيقية والغنائية  أوسع وأعرض من أن يحدها ويؤطرها بالإنشاد الديني فقط على كبر ساحته وعظمته، فقرر الاتجاه للغناء بمضمونه الواسع.

كان المسلوب صاحب رؤية فنية  تتجاوز عصره وزمنه بمراحل فقد أدرك مبكراً  أنه يجب أن  يقدم منجزاً  موسيقياً وغنائياً حقيقياً، وأن ذلك  لن يحدث حقا  إلا بتحرير الغناء المصري من الصبغتين التركية والأندلسية وأن يكون هناك غناء وطرباً على الطريقة المصرية، وهو ما حققه المسلوب بعد دراسته للموسيقى وللفن الشعبي السائد آنذاك ليصبح هذا الأزهري الصعيدي رائداً للأغنية المصرية وصاحب مدرسة جديدة في التلحين والغناء، بل عُد المسلوب صاحب أول مدرسة موسيقية وغنائية مصرية في العصر الحديث، واستطاع أن يوائم بين جماليات الإنشاد الديني والابتهالات والتواشيح؛ وبين حيوية غنائية جديدة، وانتقل المسلوب من قالب الطقطوقة إلى قالب الدور ليقرب الموسيقى إلى عموم الشعب المصري..

وإليه تنسب أول موسيقى مصرية صميمة  دونها قائد الموسيقات العسكرية الأميرالاى محمد ذاكر خلال الاحتفالات الصاخبة التي أقيمت لمناسبة زواج أنجال الخديوي إسماعيل والتي استمرت أربعين ليلة  وكانت موسيقى أغنية “أفراح وصالك في مجلس الأنس الهنئ”..

وعلى نهج المسلوب سار مطربون مصريون عاصروه وتوالوا فى حياته المديدة أمثال محمد الشلشموني ويوسف المنيلاوي وخليل محرم وسلامة حجازي ثم عبده الحامولي ومحمد سالم ومحمد عثمان وصولا إلى أبو العلا محمد وداوود حسني وإبراهيم المغربي، ثم إلى المجدد الأشهر في تاريخ الغناء المصري سيد درويش..

طور المسلوب الطقطوقة إلى الدور بحيث أصبح يتخلل الأغنية أكثر من مقام موسيقي  مع الاحتفاظ بمقام رئيسي ثابت  وتبادل الغناء بين المطرب والكورس..

 وقد لحن المسلوب وغنى عشرات الأدوار الغنائية الشهيرة مثل  “العفو يا سيد الملاح” و” البدر لاح في سماه ” و “أنعم وزار زاهي الجبين” و إليه أيضا تنسب أغنية ” يا حليوة يا مسليني” التي غناها عام  1850 واقتبسها من بعده عشرات المطربين  والملحنين  مثل زكريا أحمد في ” حبيبي يسعد أوقاته وسمير الإسكندراني في ” آه يا جميل يللى ناسيني” بنفس الشكل الموسيقي الذي أبدعه..

كان المسلوب أستاذاً ومعلماً لمن توالوا بعده من أساطين الغناء في القرن التاسع عشر مثل محمد عثمان وعبده الحامولي وعبد الحي حلمي، وكان يتولى منصب “شيخ أرباب المغاني” وهو ما يماثل منصب نقيب الموسيقيين في عصرنا الراهن، وقد ذكر المؤرخ الموسيقي المعروف كمال النجمي أن محمد عثمان شكا عبده الحامولي لدى شيخ أرباب المغاني الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب بسبب أن الحامولي غنى في حفلاته أغنية عثمان الشهيرة عشنا وشفنا وغضب عثمان غضبا شديداً لأن الحامولي غير في مقام الأغنية فاحتكم الاثنان للمسلوب الذي عقد بينهما صلحاً فنياً..

والغريب أن هذا الشيخ المجدد الموسيقي كان يعمل بالإضافة للتلحين والغناء تاجر سمك شهير، وقد عاش 135 سنة حيث ولد في أواخر العصر المملوكي عام 1793 وتوفي عام 1928 ليعاصر ثلاثة قرون..

 وكان له من لقبه “المسلوب” نصيب كبير فقد سلب حقه الذي يستحق من الشهرة والخلود باعتباره الرائد الحقيقي للغناء المصري.

أستاذ عبد الوهاب

يعتبر الشيخ درويش الحريري واحداً من الأزاهرة الذين صنعوا تاريخا مجيدا  في الغناء المصري وقدم للأغنية والموسيقى إسهاماً كبيراً ومعروفاً ….

 ولد درويش الحريري عام 1881 بحي الجمالية وفقد إحدى عينيه وهو في الثالثة من عمره، ثم فقد عينه الأخرى  عام 1921 وهو في سن الأربعين.

أدخله أبوه الكتاب وهو في الثالثة ليداوم على حفظ القرآن لمدة ست سنوات كاملة حتى أتمه  ثم تعلم تجويده على يد الشيخ مبروك حسنين ثم الشيخ علي سبيع..

والتحق درويش الحريري بالأزهر الشريف وأتم به دراسة العلوم الدينية والفقهية، لكن عشقه للغناء والموسيقى غلب وطغى على حياته كلها فتعلم نظريات الغناء والموسيقى على يد المنشد الأبرع فى زمنه علي محمود ثم تعلم  الموسيقى بشكل عملي  على يد الشيخ المسلوب وكامل الخلعي وداوود حسني وابراهيم المغربي.

 ونتيجة لما حصله من علوم موسيقية  بالإضافة إلى موهبته عين الحريري  بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية،  وتولى تدريس الموشحات الأندلسية وكان أستاذاً لعدد من أساطين الغناء مثل محمد عبد الوهاب والشيخ زكريا أحمد والشيخ إمام، ويقول خيري شلبي  في كتابه “صحبة العشاق” إن درويش الحريري كان هو المعلم الأول لعبد الوهاب وقد لحن له أغنية “أحب أشوفك كل يوم”

ورغم أن عبد الوهاب كان  معروفاً بوسوسته تجاه الأماكن غير الصحية أو التي تفتقد للنظافة فإنه كان يختلف بشكل مستمر إلى بيت درويش الحريري الضيق في حى التبانة بالدرب الأحمر، ويتحمل تدخين الحريري المتواصل للشيشة لإدراكه أنه سيحقق نفعا ويحصل على إضافات موسيقية عظيمة في مشواره الموسيقي على يد الحريري..

 كما كان الحريري أيضا أستاذاً لزكريا أحمد ومنه تعلم القواعد والأوزان الموسيقية المختلفة..

وكان الحريري كذلك معلما للشيخ إمام الذي تعرف إلى أستاذه في صالون حلاقة بحى حوش قدم بالغورية..  والذي لجأ إليه الشيخ إمام بعد أن تم رفده من الجمعية الشرعية السنية حين ضبط وهو يستمع لتلاوة الشيخ محمد رفعت عبر أثير الراديو باعتبار أن  الاستماع  للراديو من المحرمات، ومنعه أبوه من العودة إلى بلدته أبو النمرس، وفي بيت الحريري تعلم الشيخ إمام الموسيقى ومقاماتها والعزف على العود..

وألف الحريري كتاباً في الموسيقى يعتبر مرجعاً موسيقياً مهماً عنوانه “صفاء الأوقات في علم النغمات” تحدث فيه عن الأوقات المناسبة للموسيقى وللنغمات الموسيقية المختلفة، وكيفية استخدام المقامات الموسيقية وتوظيفها، والغريب أن الحريري لم يكن يجيد العزف على أى آلة موسيقية  ..

ولحن الحريري وغنى عدداً هائلا من الأغاني والأدوار والموشحات منها “حِبي زرني ما تيسر” التي غناها من بعده عبد الوهاب ومحمد قنديل وكارم محود والشيخ إمام”

ومن الموشحات التي شدا بها الحريري إنت سلطان الملاح  وهجرني حبيبي واشفعوا لي عند حبي ورشيق القد وآه من ظلم الغوالي واملا اسقيني وجعلني غرامي ويا حسن المعاني وطال ليلي وأهوى قمراً ..

ورحل درويش الحريري عام 1957 عن عمر ناهز السادسة والسبعين بعد أن أثرى المكتبة الموسيقية  بتراث زاخر من الموسيقى والغناء..

وللحديث بقية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: