رؤى

تشيلي…سبتمبر الآخر «غير الأمريكاني»

في روايته البديعة “الحب في المنفى” التي تدور أحداثها في عاصمة أجنبية في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، يورد الكاتب المصري الكبير بهاء طاهر شهادة مقتبسة عن قصة حقيقية للاجىء من تشيلي، ذلك البلد الصغير في أمريكا اللاتينية الذي أهدى العالم كله أشعار بابلو نيرودا.

يروي اللاجئ الذي يدعى بيدرو للمتعاطفين معه من الأجانب قصة نجاته من الجحيم الذي حل ببلاده عقب سيطرة الجنرال بينوشيه على مقاليد السلطة هناك وإسقاط النظام المنتخب من قبل الشعب برئاسة سلفادور الليندي.

ولعل بيدرو نسي في شهادته أن يذكر إحدى مفارقات التاريخ، وهي أن استيلاء الچنرال الفاشي على السلطة كان في الحادي عشر من سبتمبر من عام ١٩٧٣.

لا يمكن فصل ما حدث في ذلك اليوم الدامي عن مقدماته؛ أي عن الأحداث التي عاشتها تشيلي على مدار الأعوام الثلاثة السابقة.

ففي عام ١٩٧٠ شهدت البلاد انتخابات صوت فيها معظم التشيليين لأول مرة في حياتهم، وأسفرت عن فوز المرشح الاشتراكي سلفادور الليندي بكرسي الرئاسة.

كانت نتائج تلك الانتخابات أكثر مما تستطيع حكومة الولايات المتحدة وتحديداً إدارة الرئيس نيكسون أن تتحمله، إذ أن الأخيرة بنت دعايتها خلال فترة الحرب الباردة برمتها على فكرة مفادها أن الاشتراكية هي نقيض الديمقراطية التي يمكن أن يضمنها فقط نظام رأسمالي يقوم على حرية السوق كما هو الحال في الولايات المتحدة، فكيف يمكن إذن أن تفسر هذه الإدارة لشعبها وشعوب العالم بشكل عام وصول سياسي اشتراكي إلى السلطة في بلد ما عن طريق انتخابات حرة؟

كان وجود نظام اشتراكي آخر في أمريكا الجنوبية التي دأبت واشنطن على النظر إليها باعتبارها فنائها الخلفي أمراً خطيراً بالنسبة لرئيس محافظ مثل نيكسون الذي بنى شهرته على مكافحة الشيوعية وخاصة نظام كاسترو الحاكم في كوبا.

وزاد من ذعر كل من واشنطن والنخبة التشيلية المتحالفة معها الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة في تشيلي؛ مثل تأميم مناجم النحاس الذي يعد ثروة البلاد الطبيعية الرئيسية، والذي طالما استغلته شركات الاتصالات الامريكية.

كما بدأت السلطة الجديدة برنامجاً طموحاً لمحو أمية الفلاحين لا سيما في الريف، وأبدع العمال التشيليين شكلاً جديداً من اللجان العمالية على مستوى المناطق أسموه “الكردون“.

قررت واشنطن وأد هذه الحركة في مهدها وقال وزير خارجيتها هنري كيسنجر صراحة: “لا أفهم لم يجب أن نجلس جانباً ونراقب دولة تسير في طريق الشيوعية نتيجة لعدم تحمل شعبها المسئولية!  المواضيع أكثر أهمية بالنسبة للناخبين التشيليين من أن تترك ليقرروا هم بأنفسهم”.

هنري كيسنجر
هنري كيسنجر

في الوقت ذاته تعهد الرىيس الأمريكي نيسكون بأن يجعل الاقتصاد التشيلي “يصرخ” على حد تعبيره.

ومن المثير للسخرية أن الحركة العمالية التي أتت بالليندي تم استخدام قطاع منها لضرب نظامه، حيث نظمت النخبة التشيلية بدعم من واشنطن إضراباً لسائقي سيارات النقل، وكان الهدف منه إحداث أزمة اقتصادية وإفقاد النظام دعم الحركة العمالية.

ومع تدفق الدعم المالي الأمريكي الذي وصل إلى عشرة ملايين دولار من الرئيس نيكسون ووكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) بدت الساحة مهيأة لتدخل عسكري وهو ما كانت تراهن عليه واشنطن.

في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق الحادي عشر من سبتمبر عام ١٩٧٣ تحركت قوات عسكرية بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه المدعوم من الولايات المتحدة، وبدأت بقصف القصر الرئاسي حيث كان الليندي مجتمعاً مع وزرائه.

رفض الليندي الاستسلام وأصر على المقاومة حتى النهاية وقال في خطابه الأخير الذي وجهه للجماهير: “عاشت تشيلي، عاش الشعب، عاش العمال! هذه هي كلماتي الأخيرة، وأنا متأكد بأنّ التضحية لن تكون بلا جدوى، وأنّ عقاباً معنوياً على الأقل سوف يحلّ على الذين ارتكبوا الجبن والخيانة”.

حمل الليندي سلاحه وقاتل القادمين لقتله حتى لقي مصرعه وهو يقاتل في شرفة قصره الرئاسي الذي دمر عن بكرة أبيه.

شنت قوات بينوشيه لاحقاً حملة اعتقالات ضخمة لكافة مؤيدي الليندي، وتحول الاستاد الرياضي في العاصمة سانتياجو إلى مركز اعتقال ضخم مورست فيه أبشع صور التعذيب.

وكان من بين الضحايا فيكتور جارا، الشاعر والكاتب المسرحي والمغني الشعبي المعروف بأغانيه المؤيدة لسلفادور الليندي والحركة العمالية والذي قتل بعد أن تعرض لتعذيب حطمت خلاله يديه.

الاستاد الذي تحول إلى ساحة تعذيب
الاستاد الذي تحول إلى ساحة تعذيب

تلقى بينوشيه التهاني من قبل حكومة الولايات المتحدة وتدفقت المساعدات مرة أخرى، وطبقت السلطة الجديدة نظام الاقتصاد الحر المفتوح تماماً على السوق العالمية، والاستثمار والاستغلال الأجنبي لموارد البلاد الطبيعية.

ويعتبر الكاتب والاقتصادي البريطاني ديفيد هارفي في كتابه “النيوليبرالية…تاريخ موجز” أن ما حدث في تشيلي في السبعينيات شكل أول تجربة لتطبيق مبادئ النيوليبرالية حتى قبل وصول كل من رونالد ريغان إلى الحكم في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في المملكة المتحدة.

وتشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد من قتلوا أو اختفوا في عهد بينوشيه الذي استمر ١٥ عاماً تجاوز ثلاثين ألف فرد.

لكن نظام بينوشيه بدأ في التداعي مع مطلع الثمانينات تحت وطأة أزمة اقتصادية حادة، ورغم قضائه على كافة أشكال المعارضة لحكمه بالقوة المفرطة إلا أن أشكالا جديدة بدأت في الظهور، وتمكنت في نهاية الأمر من إسقاطه في استفتاء جرى على حكمه عام ١٩٨٨.

قضى بينوشيه أيامه الأخيرة مطارداً ومطلوباً لارتكابه جرائم ضد الإنسانية إلى أن توفي عام ٢٠٠٦ وهو رهن الإقامة الجبرية.

وبينما تحل هذا العام الذكرى التاسعه عشره لسبتمبر الأمريكي -إذا صح التعبير- يحيي التشيليون الذكرى السابعة والأربعين لسبتمبر الخاص بهم.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: