فن

هل نجحت السينما في مواجهة ظاهرة الإرهاب؟ 

ظاهرة الإرهاب والتطرف من أهم الظواهر والأزمات التي تواجه العالم العربي؛ بل والعالم بأسره في الوقت الحالي، وللثقافة والفن دور كبير في مواجهة الفكر المتطرف لا يقل أهمية عن الدور الأمني إن لم يكن هو خط الدفاع الاول، وكان من الطبيعي أن تهتم السينما بهذه الأزمة وتقدمها في أكثر من عمل فني ومن زوايا ورؤى مختلفة، ولكن هل نجحت السينما في مواجهة هذه الأزمة أو على أقل تقدير نجحت في طرحها ومناقشة هذه الأفكار الشاذة؟ للأسف فشلت السينما في مواجهة الإرهاب وتعاملت معه بسطحية ونمطية شديدة، بدأ الإرهاب يطل علينا منذ نهاية السبعيات وحتى الآن وما قدمته السينما خلال هذه المدة لا يتناسب مع خطورة هذه الظاهرة، من حيث عدد الأفلام و جودتها وما قدمته من أفكار، وبمتابعة بسيطة لما قدمته السينما خلال هذه الفترة سوف نجد أن عدد الأفلام التي تناولت ظاهرة المخدرات مثلا أكثر من الأفلام التي تناولت ظاهرة الإرهاب، بغض النظر عن مستوى الأفلام وقيمتها الفنية.

الناقدة ماجدة خير الله
الناقدة ماجدة خير الله

هذا ما أكدت عليه الناقدة ماجدة خير الله معتبرة أن السينما فشلت في مواجهة الإرهاب وقدمت نموذج الإرهابي بشكل سطحي وغير حقيقي، شخص جاهل دائما من أصول ريفية أو شعبية لديه حقد طبقي كبير، مريض نفسي، تم تلقينه بأفكار متطرفة يرددها دون وعي أو فهم، وهو تصور خاطيء لأن شكل الإرهابي اختلف في السنوات الأخيرة، وأصبحت هذه الأفكار تستقطب أبناء الطبقة العليا وخريجي الجامعات الخاصة وساكني القصور وليس الريف فقط، وأضافت: لم يدرك من تصدى لهذه القضية أن هذه الجماعات وأفكارها نجحت في استقطاب الشباب على مدار سنوات طويلة، وما زالت تنجح في هذا وأنهم في تطور مستمر بدليل نجاحهم في التعامل مع كل الشباب بمختلف الثقافات والاتجاهات، وكان لابد من التعامل بقدر من الذكاء والاهتمام بشكل أكبر من هذا  وأضافت خير الله حتى الحوار في هذه الأعمال متطابق ومتشابة إلى حد كبير وهو ما يؤكد على عدم الاهتمام بما نقدمه نطرحه من قضايا”

بدأ تناول السينما للأرهاب من خلال عدد محدود من الأعمال في نهاية السبعينات والثمانينات عندما حذر عاطف الطيب في أفلامه من قدوم هذا التيار، وللأسف هناك عدد من الكُتاب لم يعِ ما قدمه الطيب بل سخر منه وانتقده، ثم توالت الأعمال بعضها أجاد وتعامل بجدية مثل ” طيور الظلام ودم الغزال” فيما استغلت أعمال أخرى شخصية الإرهابي بشكل تجاري وقدمته بشكل ساذج و نمطي مثل ” الإرهابي، الخلية، جواب اعتقال، الناجون من النار” دون التطرق لما يحمله من أفكار ومناقشتها وفضحها، والدليل هو أننا لو استبدلنا شخصية الإرهابي بقاتل مأجور أو لص في هذه الأفلام لما تغير شيء في العمل ولا أحداثه، لأن طرح ومناقشة الأفكار غائبة كما قلنا، شخص خارج القانون مُطارد من الشرطة و يختبيء في مكان ما ثم ينتهي العمل بمقتله.

من جانبه أكد الكاتب الكبير بشير الديك أنه لم يرأي فيلم سينمائي يُناقش قضية الإرهاب أو أية قضية هامة منذ نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات، حيث اتجه الجميع للسينما التجارية بعيداً عن القضايا المجتمعية بحثا عن الإيرادات من خلال تيمات مضمونة النجاح مثل الأفلام الكوميدي والأكشن، ثم اتجهوا للدراما التليفزيونية بحثا عن المشاهدات الكبيرة وعائد الإعلانات، وهو ما جعل عدد الأفلام التي ناقشت الإرهاب أقل نسبيا من أي نوع آخر من السينما، وأضاف: ” كثير من صُناع هذه الأفلام وقع في فخ النمطية والقوالب المتكررة و قدموا نموذجا وحيدا متكررا من الارهابي والذي تجاوزه الزمن ولم يصبح موجودا في الواقع بهذا الشكل، فالسينما هي كسر للقوالب والأنماط وهو ما لم يحدث في هذه الحالة، قائلا الدولة نفسها غير جادة في محاربة الإرهاب، هي فقط تحارب مجموعة من الخارجين عن القانون دون الإهتمام بمناقشة الأفكار وفضحها والقيام بدور تنويري وثقافي وهو ما انعكس على صُناع السينما و قدموا أفلاما بلا فكر أو رأي أو وجهة نظر ما.

بشير الديك
بشير الديك

في نفس السياق يرى المنتج محمد العدل أن السينما لم تولي قضية الإرهاب أي اهتمام وتعاملت معها بشكل تجاري وسطحي جدا، بل على العكس ظهر الإرهابي بشكل سيء وساخر مما دفع البسطاء بأن يعتقدوا أنه مظلوم وأن هناك سخرية من أي رجل متدين، وأضاف العدل أن منطق السينما التجارية وتحقيق الإيرادات هو الذي يُحرك صُناع السينما ويجعلهم يقدمون ما يضمن لهم تحقيق الإيرادات سواء كانت تيمات تجارية أو حتى تقديم قضايا المجتمع بشكل سطحي وبدون عمق خوفا من فشل الفيلم تجاريا، و لهذا لا توجد أفلام ناقشت وطرحت رؤى مختلفة أمام هذا الفكر الشاذ المتطرف، حتى أفلام وحيد حامد ” طيور الظلام، دم الغزال” تحدثت عن تركبية المجتمع وصراع السلطة والقوى بين أكلر قطبين  وكتلتين في المجتمع دون التطرق لمناقشة أفكار هذه الجماعات، ويعزو ذلك إلى غياب الرؤية لدى كثير من صُناع السينما في قضايا المجتمع والدور الذي يجب أن تلعبه السينما والفنون بشكل عام.

فيما يرى الفنان القدير أحمد عبد العزيز أن المعركة في الأساس معركة دولة بكامل مؤسساتها ولابد من وجود خطة ومنهج لمواجهة هذا الغزو الثقافي والحضاري، و دائما ما نسمع هذه الجملة أنها معركة ثقافة ومعركة دولة، لكن في الواقع لا نرى سوى الحل الأمني فقط في حين غاب دور الثقافة والفنون وهو أمر غير صحيح، لأن الأفكارالشاذة تحتاج لفكر تنويري لمواجهتها وحصارها، أما عن السينما فقد كان حضورها ضعيفا في هذه الأزمة بعدد قليل من الأعمال منها الضعيف ومنها الجيد ولعل أفضلها هو فيلم “طيور الظلام” والذي تطرق لظاهرة الإرهاب بقدر من الجدية والاهتمام، لكن بشكل عام لا نستطيع تحميل المنتج الخاص مسئولية مواجهة ظاهرة بهذا القدر من الخطورة لأن معاييره تجارية، وبحثه عن المكسب حق مشروع له، لكنه دور الدولة ومؤسساتها الثقافة والفنية، ضد هذه الجماعات التي أستطاعت الوصول لعمق المجتمع ومختلف شرائحه وطبقاته وطورت من خططها بشكل يناسب العصر، و ستظل المعركة قائمة ما دامت الخطة غير موجودة وما دام الحل الأمني فقط هو المتبع.”

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: