رؤى

محمد علي وعمر مكرم.. انقلاب «الباشا» على «الزعيم» (2-2)

اعتلى محمد علي باشا حكم مصر بإرداة المصريين، وعملت الزعامات الشعبية التي أجلسته على عرشه على تثبيت ركائز حكمه، فأحبطوا المؤامرات التي دُبرت ضده وجمعوا له الناس ليتمكن من مواجهة أعدائه من الإنجليز والعثمانيين والمماليك، ولما أحكم الوالي الجديد قبضته على السلطة ضاق صدره بتلك الزعامات فقرر التخلص منها.

تحول مشايخ ووجهاء المصريين وعلى رأسهم السيد عمر مكرم نقيب الأشراف في سنوات حكم محمد علي الأولى إلى سلطة رقابية تراجع أعماله وتنقض قرارته، فكانوا بمثابة ملجأ الشاكين ممن ينالهم الظلم، وتكرر تدخلهم لإقناع محمد علي بالعدول عن فرض الضرائب والإتاوات.

وبعد أن استتبت الأمور للحاكم الجديد نزعت نفسه إلى الاستبداد، وشعر بغضاضة من تدخل العلماء وأهل الرأي في شئون الحكم وسعيهم لرفع المظالم عن الناس، فبدأ التدبير للخلاص منهم وقرر أن يكون السيد عمر مكرم على رأس قائمة المبعدين، وما كان له أن ينجح في خططه بإنهاء أي دور لهؤلاء الزعماء إلا باستغلال الخلافات التي دبت بينهم.

كان السيد عمر مكرم له مكانة خاصة في قلوب المصريين صنعها بتعففه وعلو نفسه وبعده عن الصغائر، وهو ما أثار عليه نفوس زملائه من العلماء والمشايخ، فأخذوا يكيدون له لإضعاف مركزه والنيل من مكانته، ولم يجدوا سبيلا أقرب لتحقيق هدفهم إلا بالتزلف من محمد علي، فانتهز الباشا الفرصة وأصدر قراره بنفي الزعيم الذي رفعه على كرسي العرش وشرط عليه أن يحكم بالعدل ويرفع عن الشعب الظلم، وبعد أن انتهى محمد علي من السيد عمر أجهز على زملائه، فحكم مصر بلا رقيب ولا حسيب.

ويذكر الجبرتى أن محمد على كان «يدبر تفريق جمع الشيوخ، وخذلان السيد عمر لما فى نفسه منه من عدم إنفاذ أغراضه، ومعارضته له فى غالب الأمور، ويخشى صولته، ويعلم أن الرعية والعامة تحت أمره، إن شاء جمعهم، وإن شاء فرقهم، وهو الذى قام بنصره وساعده وأعانه وجمع الخاصة والعامة حتى ملكه الإقليم، ويرى أنه إن شاء فعل نقيض ذلك».

تاريخ الجبرتي
تاريخ الجبرتي

كانت حكومة محمد علي كلما احتاجت إلى المال تفرض ضرائب وإتاوات جديدة على الأطيان والمتاجر وغيرها، وفي عام 1808 نقص النيل نقصا فاحشا، فارتفعت الأسعار واشتد الغلاء وقلت الغلال في الأسواق، فلجأ الأهالي كعادتهم إلى العلماء، وهؤلاء كلموا محمد علي في كثرة الضرائب وطلبوا منه رفع تلك المظالم، فغضب الباشا عليهم، ونسب إليهم ظلم الأهالي، لأنه كان قد أعفى أطيانهم من الضرائب الجديدة وكانوا هم مع ذلك يقتضونها من الفلاحين، وهددهم بمراجعة ما نالهم من إعفاء، فقبلوا المراجعة.

المسلمون والنصارى في صلاة الاستسقاء

كان هذا الجدل نذيرا باشتداد الخلاف بين محمد علي والعلماء، واتفقوا على إقامة صلاة عامة للاستسقاء، حتى يرفع الله الكرب ويجري الماء، ويقول الجبرتي في يومياته: «اُتفق على الخروج والسقيا بجامع عمرو بن العاص كونه محل الصحابة والسلف الصالح.. ركب السيد عمر والمشايخ وأهل الأزهر وغيرهم وذهبوا إلى الجامع المذكور، فلما كان في صبحها وتكامل الجمع صعد الشيخ جاد المولى على المنبر وخطب بعد أن صلى صلاة الاستسقاء، ودعا الله وأمن الناس على دعائه، ورجع الناس بعد صلاة الظهر وبات السيد عمر هناك، وفي تلك الليلة رجع الماء إلى محل الزيادة الأولى واستتر الحجر الراقد بالماء، وفي اليوم التالي خرج الناس أيضا، وأشار بعض الناس بإحضار النصارى أيضا، فحضروا وحضر المعلم غالي ومن يصحبه من كتيبة الأقباط، وجلسوا في ناحية من المسجد.. وانفض الجمع أيضا، وفي تلك الليلة ازداد الماء ونودي بالوفاء وفرح النساء، وطفق النصارى يقولون أن الزيادة لم تحصل إلا بخروجنا، وفي صباح اليوم التالي حضر الباشا والقاضي واجتمع بالناس وكسروا السد وجرى الماء في الخليج جريانا ضعيفا».

جامع عمرو بن العاص 1888
جامع عمرو بن العاص عام 1888

وبالرغم من جريان النيل فإن الضائقة الاقتصادية لم تخفف وطأتها، واتخذ محمد علي في عام 1809 مجموعة من القرارات، منها فرض ضرائب على الأراضى المعفاة كأراضى الرزق الإحباسية التى ينفق ريعها على المساجد والمدارس الدينية، والأواسى وهى أراضٍ كانت فى حوز الملتزمين، كما كلف المسئولين فى المديريات بحصر الأوقاف والرزق ومطالبة نظارها والمستفيدين منها بتقديم مستنداتهم التى تثبت الوضع القانونى لأراضيهم أو مصادرتها، وقرر الاستيلاء على نصف ما يتحصل عليه الملتزمون، وتزامن ذلك مع اعتقال ولاة الشرطة لأحد طلاب الأزهر وسجنه فى القلعة، فبدأت حالة من التذمر فى القاهرة وخرجت المظاهرات فى الشوارع إلى الأزهر، فى الوقت الذى توالت الشكاوى من الأقاليم بسبب قرارات محمد على.

الزعامات تقاطع الباشا

اجتمع عمر مكرم والمشايخ بالجامع الأزهر وقرروا كتابة عريضة للباشا بمطالب الناس وعدم الصعود له للقائه بالقلعة، وتعاهدوا على ذلك، «توافق الشيوخ في اجتماعهم بالأزهر على الإخلاص والتضامن، وتعاهدوا وتعاقدوا على الاتحاد وترك المنافرة»، كما يقول الجبرتي، «لكن هذ العهد لم يكن صادرا على نية صادقة فحساد السيد عمر مكرم كانوا مضمرين في أنفسهم أن يخذلوه إذا حزب الأمر واشتدت الأزمة، وأن يدعوه وجها لوجه أمام محمد علي»، كما يقول المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «عصر محمد علي».

أرسل محمد على سكرتيره ديوان أفندي إلى المشايخ المجتمعين، ويروى الجبرتى ما حدث فيقول: «حضر ديوان أفندى وقال إن الباشا يسلم عليكم، ويسأل عن مطلوباتكم، فعرفوه بما سطروه إجمالا، وبينوه له تفصيلا، فقال ينبغى ذهابكم إليه، وتخاطبونه بما تريدون، وهو لا يخالف أوامركم ولا يرد شفاعتكم، وإنما القصد أن تلاطفوه فى الخطاب لأنه شاب مغرور جاهل وظالم غشوم ولا تقبل نفسه التحكم، وربما حمله غروره على حصول ضرر بكم وعدم إنفاذ الغرض، فقالوا بلسان واحد لا نذهب إليه أبدا ما دام يفعل هذه الفعال، فإن رجع عنها وامتنع عن إحداث البدع والمظالم عن خلق الله رجعنا إليه وترددنا عليه كما كنا فى السابق، فإننا بايعناه على العدل لا على الظلم والجور».

أدرك محمد علي أن اجتماع العلماء على مقاطتعه سيترتب عليها نتائج غير محمودة، فبادر أولا بالإفراج عن الطالب الأزهري الذي تم القبض عليه، وهو قريب للسيد حسن البقلي من علماء الأزهر، ليفهم الجمهور أن لا ظلم ولا حبس ولا تعذيب، ثم عمل على استمالة بعض الشيوخ إليه وتحريضهم على السيد عمر مكرم وهنا بدأت مؤامرة الانقلاب على الزعيم.

القلعة ومسجد محمد علي
القلعة ومسجد محمد علي عام 1890

مؤامرة الانقلاب على السيد

كان أطراف المؤامرة فى البداية الشيخ محمد المهدى والشيخ الدواخلى ومحمد أفندي طبل ناظر المهمات، ويقول الجبرتى: «اجتمع الشيخ المهدى والشيخ الدواخلى عند محمد أفندي طبل ناظر المهمات، وثلاثتهم فى نفوسهم للسيد عمر ما فيها، وتناجوا مع بعضهم، ثم انتقلوا فى عصرها وتفرقوا، وحضر المهدى والدواخلى إلى السيد عمر، وأخبراه أن محمد أفندى المذكور ذكر لهم أن الباشا لم يطلب مال الأوسية ولا الرزق، وقد كذب من نقل ذلك، وقال إنه يقول لا أخالف أوامر المشايخ، وعند اجتماعهم به ومواجهته يحصل المراد».

ورد عليهم مكرم وفند حججهم بالمستندات، وأقسم ألا يصعد إلى محمد على في قلعته إلا إذا عدل عن مشروعه فى فرض ضرائب جديدة، وقال: «إذا أصر الباشا على مظالمه فإننا نكتب إلى الباب العالى، ونثير عليه الشعب، وأنزله عن كرسيه كما أجلسته عليه».

واستأنف محمد علي باشا السعي لاستمالة السيد عمر، وكان الشيوخ وسطائه في هذا السعي، واجتمع فريق منهم بالسيد عمر في منزله وحاولوا إقناعه بمقابلة الباشا، «حلف السيد عمر أنه لا يطلع إليه، ولا يجتمع به، ولا يرى له وجه إلا إذا أبطل هذه الأحدوثات، وقال أن جميع الناس يتهمونني معه ويزعمون أنه لا يتجارى على شيء يفعله إلا باتفاقي معه، ويكفي ما مضى، ومهما تقادم يتزايد في الظلم والجور».

حاول المهدى والدواخلى مرة أخرى الالتفاف على مقاطعة الزعماء للباشا، وكان الشيخ الشرقاوى ضالعا معهما فى المؤامرة، فصعدوا إلى القلعة للقاء الباشا، وأثناء اللقاء هاجم محمد علي عمر مكرم وانتقد مواقفه، فأعطاه الشيخان الإشارة إلى استعداد كبار المشايخ للتخلى عن عمر مكرم، وقال الشيخ المهدى: «هو ليس إلا بنا، وإذا خلا عنا فلا يسوى بشىء، إن هو إلا صاحب حرفة، أو جابى وقف يجمع الإيراد ويصرفه على المستحقين».

وحاول محمد علي أن يجمع بين سيف المعز وذهبه فى التعامل مع عمر مكرم، فعاد الشيخان المهدى والدواخلى إلى عمر مكرم حاملين تهديد محمد على الصريح له وللشعب بأنه ليس لديه لهم سوى السيف والانتقام، وزرع محمد علي الجواسيس حول بيت عمر مكرم لرصد تحركاته ومتابعة ما يقوم به، وفى نفس الوقت حاول شراءه بالمال، لكن عمر مكرم ثبت على موقفه.

وزادت الجفوة بينهما عندما رفض عمر مكرم التوقيع على كشف حساب عن نفقات ولاية مصر مرفوع للباب العالي واتهم محمد علي بالكذب والتلاعب فى أموال الولاية، وبعد محاولات عديدة وافق عمر مكرم على لقاء محمد علي فى منزل الشيخ محمد السادات، وقال لرسل الباشا: «إذا كان ولابد فاجتمع به في بيت السادات، وأما طلوعي إليه فلا يكون»، فلما بلغ هذا الجواب محمد علي ازداد حنقه، وكبر عليه أن يشترط عمر مكرم أن تكون المقابلة بينهما في دار غير مقر حكمه، وقال: «هل بلغ به أن يزدريني ويأمرني بالنزول من مقر حكمي إلى بيوت الناس».

وهنا دبر محمد علي والمشايخ مؤامرة للتخلص نهائيا من عمر مكرم، ففى صباح الأربعاء 9 أغسطس 1809 توجه محمد علي إلى منزل ابنه إبراهيم بالأزبكية واستدعى القاضي والمشايخ، للاحتكام إليهم فيما وقع بينه وبين السيد عمر مكرم، بعد أن رتب الأمر معهم على إصدار قرر بنفيه بعيدا عن القاهرة، ووجه الدعوة لعمر مكرم للحضور، وكان هناك احتمالان لا ثالث لهما: أن يحضر ويتفق القاضي وأغلب المشايخ على إدانته بتهمة الخروج على ولى الأمر، أو يرفض فيعتبر رفضه خروجا وعصيانا، ورفض عمر مكرم المثول فى المجلس الذى كان يعرف قراره المعد مسبقا، وبالفعل تقرر عزله ونفيه إلى دمياط، وتعيين الشيخ السادات نقيبا للأشراف.

أما الشيخ المهدي فأسرع يطلب المكافأة، وكانت له، فأخذ وظائف عمر مكرم فى نظر أوقاف الإمام الشافعي ووقف سنان باشا ببولاق، وحصل على ما كان متأخرا له من راتبه من الغلال نقدا وعينا لمدة 4 سنوات دفعها محمد علي نقدا من خزانة الدولة.

ولم يكتف كبار المشايخ بهذا بل سعوا لتشويه سمعة عمر مكرم وإعداد عريضة يتهمونه فيها باتهامات باطلة أخذوا يجمعون عليها التوقيعات من مشايخ الأزهر، لكن أغلبهم رفضوا التوقيع، فخفف المشايخ الكبار لهجة العريضة، ومع ذلك استمرت مقاطعة التوقيع عليها، وتصدى لها الشيخ الطحطاوى مفتى الحنفية، فكان نصيبه العزل والإبعاد.

كانت النتيجة سقوط مكانة المشايخ فى نظر الناس وفى نظر محمد علي أيضا، ويقول الرافعى: «خلا الجو لحساد السيد عمر مكرم، ولكنهم في الواقع قد جنوا على أنفسهم وعلى مكانتهم ونفوذهم، فالمؤامرة التي دبروها قد أسقطت منزلتهم في نظر الجمهور وفي نظر محمد علي، فالجمهور رأى في عملهم معنى الغدر والخيانة، والباشا رأى فيها الضعة وصغار النفس، فلم يبق لهم عنده ذلك الشأن ولم يعد يعبأ برأيهم، وسقطت تلك الزعامة الشعبية اليت كانت لها المكانة العظمى والقول الفصل، وزالت عنهم تلك الهيبة ودالت دولتهم ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة».

السيد في المنفى

أما السيد عمر فقد عاش في دمياط تحت المراقبة والحرس ملازمون له، إلى أن تشفّع له قاضي قضاة مصر صديق أفندي لدى محمد علي، فأذن له بالانتقال إلى طنطا، بعد أن قضى في دمياط نحو أربع سنوات، وبقى في طنطا حتى ديسمبر من عام 1818، إذ طلب الإذن بتأدية فرضية الحج، وكان محمد علي قد أحكم قبضته على السلطة و«بلغ قمة المجد بعد أن قهر الوهابيين في الحجاز، فتذكر المنفي العظيم الذي كان له الفضل الأكبر في إجلاسه على عرش مصر، وإذن له بالعودة إلى القاهرة وأن يقيم بداره إلى آوان الحج» يروي الرافعي.

وقال محمد علي لجلسائه متحدثا عن صديقه القديم: «أنا لم أتركه فى الغربة هذه المدة إلا خوفا من الفتنة، والآن لم يبق شيئا من ذلك، فإنه أبي، وبينى وبينه ما لا أنساه من المحبة والمعروف».

على أن محمد علي لم يأمن على مركزه من نفوذ السيد عمر، ولم يطمئن لبقائه طويلا في القاهرة، وبالرغم من شيخوخته واعتكافه في بيته بمصر القديمة بساحل أثر النبي، فأنه كان مصدر قلق للباشا، ولم تمض ثلاث سنوات إلا وعاد السيد عمر إلى المنفى مرة أخرى بمدينة طنطا ، ففى سنة 1822 خرجت مظاهرة صاخبة فى القاهرة بسبب فرض محمد علي لضرائب جديدة على منازل العاصمة، وظهرت من بين مشايخ الأزهر قيادة شعبية جديدة متمثلة فى الشيخ العروسى، فخشى الباشا من وجود عمر مكرم فى القاهرة وقرر نفيه مرة أخرى.

هكذا انقلب محمد علي باشا على السيد عمر مكرم الذي أجلسه على عرشه، وهكذا ينقلب المستبدون عادة على كل من شهد ضعفهم وعمل على تثبيت حكمهم وشرط عليهم أن يمشوا في الناس بالعدل.

المراجع:

«عصر محمد علي» عبد الرحمن الرافعي
«محمد علي الكبير» محمد شفيق غربال

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: