ثقافة

«مذكرات طالب بعثة».. لويس عوض عندما يثير الجدل (2-3)

بقدر ما تمٌثلْ ” مذكرات طالب بعثة ” للدكتور ” لويس عوض ” نموذجاً لإثارة الجدل فيما يتعلق بالطريقة المكتوبة بها ، وهي الكتابة ب ” اللهجة العامية المصرية ” فإنّ حكاية العثور عليها بعد فقدها لنحو ربع قرن ، تُثير من الشوق الكثير ، لمعرفة وقائع ما حدث  ، بل والشغف بمعرفة تفاصيل تلك الحكاية !!

مذكرات طالب بعثة لويس عوض
مذكرات طالب بعثة لويس عوض

*****

ففي صيف ١٩٦٥ ، دخل الأستاذ ” لطفي الخولي ” والذي كان مكتبه يجاور مكتب الدكتور ” لويس ” بمُغلّفْ كبير ، مكتوب عليه ” إلى الأستاذ ” لطفي الخولي ” ومنه للدكتور ” لويس عوض ” !! وبعد دقائق حدث الشئ نفسه من تلك المكاتب المجاورة لمكتب الدكتور ” لويس ” من توفيق الحكيم وحسين فوزي وغيرهم …

لطفي الخولي
لطفي الخولي

****

فتح الدكتور ، هذه المُغلفات واحد  بعد الآخر ، ليجد ملزمة مطبوعة من مذكراته المفقودة ، والراسل شخص واحد ، يحمل اسماً لافتاً هو ” كناري ” والمدينة التي جاءت منها تلك الرسالة هي الإسكندرية !!

*****

لكن ، أي ” كناري ” هذا !! ؟؟

ثم كيف الوصول إليه في مدينة كبيرة ومترامية الأطراف ؟؟

*****

الصدفة هنا لعبت دورها ، وحقًّا ، فلا تأتي الصدفة إلاّ لمن يستحقها ..

ففي خلال حديث عابر  بين الدكتور ” لويس ” وصديقه ، الكاتب المسرحي الكبير” ألفريد فرج ” قّصّ خلالها حكاية هذه الملزمة المطبوعة من مذكراته الضائعة منذ سنة ١٩٤١ ،  فوجئ الدكتور ” عوض ” بأن الأستاذ ” نبيل فرج ” يعرف ” كناري ” هذا ، و”يعرف أصله وفصله وعنوانه ” !!

*****

ودون الدخول في تفاصيل إضافية ، كان الدكتور ” لويس” و” ألفريد فرج ” وشقيقه في بيت ” كناري ” بأحد أحياء الإسكندرية ، وبعد مناورات  وألاعيب مكشوفة ، وخفيفة الظل ، عادت المذكرات كاملة الى يد صاحبها ، وما كان يحدث هذا الأمر دون ثورة غضب من  ” لويس عوض ” عَلى ” كناري ” الذي أدرك أن تصميم الدكتور لإستلام مذكراته قد يصل الى حد القضاء ، وتسليمه  لِيَد العدالة !!

سّلّمّ ” كناري ” المخطوط المكتوب بالآلة الكاتبة لصاحبه ، مذكراً إياه بظروف وملابسات وقوع المذكرات في يديه منذ العام 19٤١ ، وكيف أن عشقه ” للأدب قد دفعه للاتفاق مع الدكتور ” لويس ” عَلى أن يكتب  بضع صفحات في بداية هذه المذكرات ونهايتها ، باعتباره هو الأمين على هذا النص التاريخي ، الذي لولا حرصه عليه لبات نسياً مّنسياً …

ألفريد فرج
ألفريد فرج

*****

وقد كان له ما أراد ، فقد وافق الدكتور” لويس ” على مطلبه ، وهكذا كانت المُقدمة والخاتمة لهذه المذكرات ، تحمل بجانب المُقدمة المكتوبة بقلم صاحب المذكرات ، مقدمة قصيرة بقلم ” كناري ” أديب الإسكندرية المجهول ، فيما جاءت  كلماته في الختام آية من الجمال !!

*****

غير أننا نعرف من تلك المُقدمة بقلم الدكتور ” عوض ” أن الأستاذ ” محمد عودة ” المفكر القومي الكبير، كان أول القارئين لها ، وهي مجرد مخطوط ، وذلك عام ٤١ أو ٤٢ ، ولعل الوازع في ذلك هو ، أن الأستاذ ” عودة ” له سابق معرفة أو لاحق معرفة  ، في التعامل مع نص أدبي يُماثل  تلك المذكرات المكتوبة بقلم الدكتور ” عوض “، فقد كشف الأستاذ ” عودة ” النقاب عن رواية نادرة مكتوبة أيضاً باللهجة العامية المصرية ، وعنوانها ” قنطرة الذي كّفّرْ ” وهي عن دراما الحياة الشعبية قبل وخلال ثورة 1919 وبطل الرواية هو ” عبدالسلام قنطرة ” وقد وّظفّ المؤلف الاسم الى تلك القنطرة التي كانت في درب الجماميز الموصلة الى بيت ” كفاريللي ” أحد علماء الحملة الفرنسية وقد قّلّبّ الشعب المصري اسمه الى ” اللي كّفّرْ ” وقد دُفعت  للنشر في أربعينيات القرن الماضي ، أما الكاتب فهو ” مصطفى مصطفى مُشرَّفة ” الشقيق الأصغر لعالم الفيزياء المصري الكبير ، ومعاون ” إينشتين ” الدكتور ” علي مصطفى مُشرَّفة ” رحمه الله ….

المفكر محمد عودة
المفكر محمد عودة

******

ونعرف أيضاً أن الدكتور ” محمد مندور ” مفكرنا الكبير ، كان بمعرفة بهذا المخطوط ، وظني في ذلك يرجع الى أن الدكتور ” مندور ” قد شّغلّ حيزا غير قليل من تلك المذكرات ، وقد أراد ” عوض ” إطلاعه عليها ، فقد التقى به في باريس وهو في طريقه الى بريطانيا للدراسة في ” كامبريدچ ” حيث رّسّتْ السفينة في ميناء مارسيليا الفرنسي ، ومنها أخذهم القطار الى باريس ، فوجد الدكتور ” محمد مندور  ” قد سبقه الى عاصمة النور ، للدراسة في السوربون ، بغرض الحصول عَلى درجة الدكتوراة ، ويبدو أنه قد حّصّلّ عليها في تلك الفترة ، بيد أنه فُضّلّ البقاء في باريس لبضع سنوات قاربت العشر ، حتى أصبح وبكل مقدرة وقوة ، بمثابة ” عُمدة طلاب مصر والعرب ” في تلك العاصمة التي لا تترك أحداً إلاّ وأمسكت بمخيلته ، وسيطرت عَلى عقله  ، وامتلكت روحه !!

*******

في الكلمات الأخيرة من مقدمة الدكتور ” عوض ” لهذه المذكرات المُثيرة للجدل ، بدا لي مُراجعاً لكتابه ، كأنه ” يُقدٍمْ رٍجلْ ، ويأخر رٍجلْ ” عَلى حد التعبير الشعبي !! فيقول : ” لقد نّبّشٌ كناري قبراً من قبور الماضي ، بعد ربع قرن من الزمان ، بعد أن تغير وجه مصر ، وتّغير وجه أوروبا وأصبح قلب صاحب هذا الكتاب في خريف العمر ، فلم يعد ابن الثانية والعشرين والذي خّرّجْ من مصر غازياً وعاد اليها غازياً ، وكان خياله يّكسو كل شئ بِبُردة من الأحلام ، ولست أدري ان كان كناري قد استخرج لنا من بطن الأرض عظمة أو استخرج كنزاً كما يسميه .. ولكن أياً كان الحكم عَلى هذا الكتاب فهو وثيقة تاريخية نّرىّ منها جانباً من صورة مصر وجانباً من صورة أوروبا وجانباً من صورة فّتّىّ مصري مُتفتح ، كان يريد أن يّجتبي الدنيا في أعطافه بين ١٩٣٧ و ١٩٤٠ ” ….

لويس عوض
لويس عوض

*****

انتهت الكلمات الإفتتاحية

لهذه المذكرات البديعة والجميلة  ، فهل  استطاع الدكتور ” لويس عوض ” بمذكراته المٌثيرة للجدل أن يحسم الإجابة عَلى تلك التساؤلات الأقرب الى الهواجس ، المُتسربلة بالشك وعدم اليقين  ؟

*****

لا أعرف ما كان يقصده الدكتور ” لويس ” من طرحه لهذه التساؤلات التي بدت لي أنها أقرب الى الخواطر والمخاوف معا !!

هل بسبب تلك الطريقة الفريدة في الكتابة ، وهي القائمة عَلى اللجوء الى ” العامية المصرية ” لا اللغة العربية الفصحى ، أم أن السبب يرجع الى تجاوز الزمن والعصر وروح التطور لما وّرّدّ في هذه المذكرات من وقائع وأحداث وشخصيات !!

*****

ظني أن تلك المذكرات سوف تظل خالدة ، لا بخلود صاحبها ، فالله وحده له الخلود ، ولكن بخلود تلك القيم الفكرية والثقافية والتربوية والتاريخية التي جاءت بها صفحات هذا ” الكتاب  الوثيقة ” ولذا يتعين التعامل معها عَلى هذا النحو ، بحُسبانها ” وثيقة تاريخية ” مُتعددة القيم والأفكار والثقافات .

الجزء الأول: «مذكرات طالب بعثة».. لويس عوض عندما يثير الجدل (1-3)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: