عام

«مذكرات طالب بعثة».. لويس عوض عندما يثير الجدل (3-3)

 تتوزع وقائع هذه المذكرات للدكتور ” لويس عوض ” عن فترة وجوده في بريطانيا للحصول عَلى درجة الدكتوراه من جامعة ” كامبريدچ ” العريقة على خمسة عشر فصلاً ، بالإضافة الى مقدمة بقلم الدكتور ” لويس ” وكلمة بقلم ” كناري ” في مقدمة الكتاب ، فضلاً  عن كلمة ثانية في نهاية المذكرات ، بقلم ” كناري ” الذي ظلت ” مذكرات طالب بعثة ” في حوزته لنحو ربع قرن …

******

الفصول الخمسة عشر مكتوبة جميعها باللهجة العامية المصرية ، ويُستثنى من ذلك كلمات المُقدمة والنهاية والتي جاءت بلغة عربية فصيحة وجميلة .

من بين عناوين هذه الفصول ، نجد ” الحّرْ ومكتب البعثات ، ف عرض البحر ، صخور دوفر ، شهر العسل في المتحف البريطاني ، كامبريدج من بعيد ، نادي الفراعنة ، كورس العبيد ” وغيرها من فصول تُمثل  في مجموعها وقائع وأحداث حصلت للدكتور ” لويس عوض ” مُنذ خرج من قريته ” شارونا ” التابعة وقتها لمديرية المنيا ، والغير بعيدة عن قرية ” الكيلو ” مّسقّطْ رأس أستاذه ومّثلهُ الأعلى ، الدكتور ” طه حسين ” والذي زّكّاه بوصفه عميداً لكلية الآداب بالجامعة المصرية ، “جامعة فؤاد الأول” للحصول عَلى تلك المنحة .

جامعة القاهرة (فؤاد الأول سابقًا) في العشرينات
جامعة القاهرة (فؤاد الأول سابقًا) في العشرينات

*******

لم تكن باريس هي أول المدن التي مّرّ بها طالب البعثة القادم من قلب الصعيد ، فقد توجهت  السفينة التي أقلعت من ميناء الإسكندرية متوجهة الى أول ميناء قصدته في حوض البحر الأبيض ، وهو ميناء ” جنوة ” الايطالي ، ثم “مارسيليا ” الفرنسي ، ومنها الى عاصمة ” الجن والملائكة ” عَلى حد وصف الدكتور ” طه ” لتلك المدينة التي قّضىّ  فيها بعض من سنوات عمره ، ولذلك كانت باريس هي الحاضرة بتاريخها مع من سبقوه إليها ، فيكتب الدكتور ” عوض ” مشاعره المتدفقة نحوها ، مُستدعياً ذكريات وكتابات من سبقوه ، فيقول :

“… الحي اللاتيني ، أنا في الحي اللاتيني ، حاجة تخلي الواحد يضطرب ، كل حاجة عادية ، مجرد الفكرة إني ف الحي اللاتيني اللي اتشرد فيه كل أدباء مصر خلتني ارتعش ، امتى ياربي أتشرد في الحي ده زي زكي مبارك والصاوي أحمد الصاوي وتوفيق الحكيم ، امتى ياربي أتشرد وأكتب زي ما كتبوا ” …

لكن الحظ أفاده وأسعده في تلك المدينة الساحرة ، فقد سبقه اليها الدكتور ” محمد مندور ” الذي أخذه بيديه ، ليطلعه عَلى أسرارها ، فهو الخبير الذي لا ينافسه أحد بشوارعها ومتاحفها وجامعاتها ومقاهيها وبناتها ونساءها ومواطنيها ، فيقول مُعترفاً بفضله :

” .. مندور قال لي عَلى كل حاجة ف ” الكتاب الأزرق ” ، دليل السياح لمدينة باريس ، الحق يتقال غن من غيره أنا كنت دخلت فرنسا حمار وطلعت منها حمار ، الحق يتقال إن بسببه عرفت عن باريس وفرنسا والفرنسيين واللغة الفرنسية حاجات كتيرة ناس عاشوا ف فرنسا ما يعرفوهاش ، طبعا ده ماحصلش كله ف اليوم اللي مضيته ف باريس أول ما سافرت ، إنما حصل لما زرت باريس تلات مرات بعد كده ” …

محمد مندور
محمد مندور

******

لكن من الطريف ، أن الدكتور ” عوض ” أراد أن يصف الدكتور ” مندور ” بتلك الكلمات العامية ، فبدا الأمر مُثيراً للبهجة لمن يقرأ ذلك الوصف ، ويمنحنا بعض الإشارات لمظهر وزي الشباب المُبتعٍثْ لأوروبا في تلك الفترة ، يُحدثنا عن رجل كان واحداً من أعلام السياسة والفكر والاستنارة في مصر ، قبل ثورة يوليو وبعدها ، فقد كان ” مندور ” هو صحوة التقدم بين صفوف حزب الوفد خلال سنواته الأخيرة ، حيث كان مؤسساً  ل ” الطليعة الوفدية ” ذات التوجه التقدمي في صفوف حزب سيطرت عَلى مفاصله الأرستقراطية الإقطاعية ، مع زملاءه ” عزيز فهمي وعزيز ميرهم ” وغيرهم  …

يقول ” عوض ” عن ” مندور ” ذلك الوصف وتلك المشاعر :

” واحنا بنعدي الشارع قعدت أتأمل ف مندور دا ، لاقيته شاب طويل ف اعتدال مليان أسمراني شعره أسوِّد قوي زي شعر الهنود وطويل قوي قوي زي شعر الأرتيستات ومناخيره واضحة ف وشه ، أما ملامحه كلها فتدل عَلى أنه من أصل روماني ما فيش شك ، مفهوش مصري غير سماره ” .

*****

وفي باريس ، يترك ” عوض ” الدكتور ” مندور ” ليُمارس دور “العُمَدة ” عَلى كل من يهبط اليها ، غير أنه يُلبي رغبة الوافد المصري الجديد ، قبل أن يُغادر عاصمة النور  ، حيث يأخذه لرحلة علمية وأكاديمية الى ” السوربون ” وباقي الجامعات المُتناثرة في أحياء باريس ، قبل أن يترك فرنسا متوجها الى بريطانيا ، وحتى يقارن بينها وبين ” كامبريدج  ” الوافد اليها ..

*****

وفي تلك الجامعة التي يصل اليها ، أي ” كامبريدچ ” وينتظم في صفوفها ، يجد” العّجب العُجاب ” حيث يلتزم  بإجراءات  أكاديمية عريقة وعتيقة  ، تشمل الجدول الدراسي والسكن والتكليفات العلمية والأبحاث ، وحتى مواعيد النوم ووجبات الطعام ، والإجازات الأسبوعية ، وهي مجموعة من نُظُمْ حياتية وعلمية  لم يعرف الطالب الجديد لها شبيهاً من قبل ، فهيهات ما تعلمه وتّرّبىّ عليه في مدارس  المنيا أو الجامعة المصرية بتلك الجامعة !!

 حتى أنه لم يسمع حتى بتلك الإجراءات في الجامعات الفرنسية ومنها السوربون !!

غير أنه أدرك ما هو أهم ، ففضلاً عن معرفته بقيمة ” كامبريدچ ”  العلمية ومكانتها بين جامعات العالم ، فقد اكتشف بين جُدرانها وقاعاتها العلمية والبحثية بل وأنشطتها الطلابية مّعنىّ ” حرية الرأي ”  بكل ماتُمثلهُ تلك القيمة الإنسانية الرفيعة من أثر في حياة الأفراد والأُمم فيقول  :

” حرية الرأي ف إنجلترا تلاقيها في أساتذة الجامعة لما يهاجموا النظام القائم بأوضح العبارات ، تلاقيها في الصحافة ، وتلاقيها في المناظرات والمحاضرات السياسية زي ماحصل مرة من اتحاد جامعة أوكسفورد اللي عمل مناظرة أيام أزمة ميونيخ موضوعها أنه لا يجوز الدفاع عن الملك والوطن ، وزي ماحصل ان اتحاد جامعة كامبريدج عمل مناظرة موضوعها ان ” الإمبرطورية البريطانية خطر دائم عَلى سلام العالم ” وف الحالتين الجانب الثوري كسب أغلب الأصوات وأتنشر في الجرايد ” …

جامعة كامبريدج
جامعة كامبريدج

*********

لكن إعجاب طالب البعثة ، لا يقف عند حرية الرأي والفكر واستقلال الجامعات ، ولكن يمتد حتى الى حدائق الجامعة ، وتحديداً ، الحشيش ( يقصد النجيلة )  فيقول :

” … حشيش كلية الملك مشهور قوي ، وعلشان كده تلاقي عَلَيْه نوادر كتير قوي ، بيقولوا مره واحد أمريكاني انبسط قوي من الحشيش دا ، وبعدين سأل واحد من أساتذة الكلية ، اذا الواحد حب يعمل في أمريكا حشيش جميل زي دا ، يعمل ايه ؟ قام الأستاذ رد عليه : المسألة بسيطة ، يٍقلٍبْ الأرض ويرمي التقاوي ، وبعدين يستنى عليها ربعميت سنة ” !!

*******

ويعلق الدكتور ” عوض ” عَلى ذلك بقوله ” دا طبعاً كان أحسن رد على واحد أمريكاني ، ومعناه بالعربي حتى حشيشنا له تاريخ وأنتو شعب لسه صغير السن مالكمش ماضي ولا تقاليد ، أنا با أقول دا كان أحسن رد لأن فيه أمريكان كُتار يفتكروا انهم يقدروا يشتروا لنفسهم تاريخ بالفلوس وينقلوا ماضي الشعوب التانية بالتقليد ” …

******

ولكن خارج أسوار ” كامبريدچ ” كانت هناك اكتشافات الدكتور ” عوض ” عن موضوعات حياتية ، عن الشخصية الإنجليزية ، ولا حظ تكراره لكلمة ” إنجلترا وإنجليزية ” لأنه لم يذهب شمالاً حيث إسكتلندا ، ذات الطابع الخاص في كل شئ ، ابتداءاً بطريقة نطق الإنجليزية ، والتي يّستعّصي عَلى أهل لندن فهمها ، فضلاً عن الطباع الشخصية ، والتي تختلف كل الإختلاف بين سكان لندن وأهل الشمال الإسكتلندي ، ولذلك تبدو ملاحظات الدكتور ” عوض ” عن الشخصية الإنجليزية  تخصها وحدها ، فيقول :

” الانجليزي خليط عجيب من حاجات كتيرة تلاقيه مثلاً خليط من الثقة بالنفس وعدم الثقة بالنفس ، في الوقت اللي تلاقيه مُتكبر جداً ومعتقد تمام أنه بشخصه وجنسيته أحسن منك ومن غيرك ، تلاقيه في نفس الوقت ما عندوش ثقة كافية بنفسه تخليه يكشف لك عن شعوره ومعلوماته وتفكيره قبل ما يعرفك معرفة كافية ، إنجلترا جزيرة وكل واحد إنجليزي ف نفسه زي الجزيرة ، فيه رابط طبيعي بين الشعورين ” …

وثائقي عن لندن في الخمسينات

********

توصيف دقيق من الدكتور ” عوض ” وعن زمن قديم ، ولكن السوكيات المُعاصرة  تؤكدها الوقائع اليومية لمن خالط هذا الشعب ، حتى يومنا هذا ، رغم تباعد السنين بل العقود ، فالشخصية الإنجليزية ” عريقة وعتيقة وتقليدية ” لم يترك التطور والتحديث أي تغير ملموس عَلى صفحاتها !!

******

لكن هل يجوز ، تجاوز ملاحظات شاب ، تّعّدىّ العشرين بقليل ، أن يعيش في إنجلترا دون أن يعرج عَلى معالمها الرئيسية ، المرور عَلى حديقة هايدباك الشهيرة ، أو بُرج مجلس العموم البريطاني وساعته الشهيرة ، والأهم شارع ” أوكسفورد ” وبناته ونساءه وجمالهن !!

فيقول :

” أحكي عن البنات كمان ولا بلاش ؟ ف اكسفورد ستريت أمشي في حقل من الغانيات ما دور راسي يمين وشمال ، ما شوفتش غير جمال ف جمال ، من عجبي ابتديت أعد : دي حلوة ، دي وحشه  ، دي وحشه ، دي حلوة ، دي حلوة … الخ … طلعت نسبة الجمال حوالي تمانين ف المية ، لكن للأسف جمال وشباب ، لكن اتهيألي إنهم عاملين زي تماثيل الشمع ، لا فيها نفس ولا حرارة .. من شدة إعجابي وعجبي قررت إني أول ما أرجع البيت ابتدي قصيدة اسمها ” في متحف الشمع ” أُوصِّف فيها سوق التماثيل اللي كنت باتجول فيها طول الصبحية ، تمانين ف المية يخدوا ستة عَلى عشرة وطالع ، قعدت برضه أفكر ف مصر وبنات مصر … كليوباترا ونفرتيتي ، فيه أجمل من كدا ، العالم كله يعرف ان مصر العاجزة سحرت روما الباطشة وجابتها لورا بجمال العيون وفتنة القدود ” !!

*******

هل هناك أجمل من هذا وصفاً ورؤية وتحليلاً ؟؟

لا أظن ، إلاّ فيما نّدّرْ ممن كتب عن رحلة فتى في العشرين من العمر ، ذهب غازياً للغرب المُستعمر ، وعاد غازياً لبلده المُحتل ، وهو في الحالتين لم يفقد الثقة في نفسه ولا فقد الثقة في وطنه ، فمصر العاجزة ” جابت روما الغازية لورا ” بفتنة نساءها وقدودهن الجميلة ” !!

****

هذا في الماضي السحيق ، لكن في زمن ” لويس عوض ومندور وعباس عمار وشهدي عطية الشافعي وسليمان حُزين وعلي الجريتلي ” وغيرهم وغيرهم من زملائه في السوربون وأكسفورد وكامبريدج وهارڤارد وغيرها من جامعات الغرب ، كان هناك قول آخر ، فذلك هو الجيل الذي صنع النهضة الثانية في حياة مصر  الناهضة بالسيادة الوطنية ، لا العاجزة المُستسلمة والضعيفة …

*****

هذا الكتاب الوثيقة ليس  ” مُذكرات طالب بعثة ” ولكن مذكرات جيل جديد ، كان ” لويس عوض ” أحد أهم الناطقين باسمه ، استنارة وتحضُّرا وجمالاً …. )

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: