رؤى

اعتقالات سبتمبر.. هيكل والسادات والعملية رقم «9»

قبل اغتياله بأسابيع، وخلال رحلته الأخيرة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، جمع الرئيس الراحل أنور السادات حوله الصحفيين الذين رافقوه بالطائرة وأخبرهم عزمه على القيام بحملة تصفية واسعة «تطهير» عندما يعود إلى القاهرة، ثم قال لرؤساء تحرير الصحف القومية أن في استطاعتهم  أن يتخلصوا من أي عناصر يعتبرونها مثيرة للشغب في صحفهم، وأن عليهم أن يقدموا مثل هؤلاء الصحفيين في قوائم إلى وزير الداخلية.

كان السادات في مزاج سيء معظم أوقات الرحلة، أحس أن استقبال وسائل الإعلام له قد تغير عما كان عليه من قبل، «لم يكن أحد على استعداد أن يسمعه وهو يتحدث عن خطط مصر لمحاربة الشيوعية، ولقد جادله بعض ممثلي الإعلام الأمريكي في قدرة مصر على أن تصبح شرطي المنطقة»، يروي الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه «خريف الغضب.. قصة بداية ونهاية أنور السادات».

خريف الغضب.. قصة بداية ونهاية أنور السادات
خريف الغضب.. قصة بداية ونهاية أنور السادات

سأل الصحفيون الرئيس المصري عن المصاعب الداخلية التي تواجهه في مصر، بما في ذلك الفتنة الطائفية، وهو ما صعد من غضبه، فالرئيس المصري كان يرى نفسه نجم الإعلام الدولي منذ أن شطح بعيدا وقرر زيارة القدس وتوقيع سلام منفرد مع العدو الإسرئيلي قبل هذا التوقيت بعامين، «مما زاد الأمور سوء أن الجمعيات القبطية في أمريكا نشرت إعلان في -واشنطن بوست، ونيويورك تايمز-، تعبر فيها عن المضايقات التي يلقاها الأقباط في مصر»، ثم خرج أعضاء تلك الجمعيات في مظاهرتين ضد الرئيس، إحداها أمام البيت الأبيض أثناء اجتماعه مع ريجان، والثانية أمام متحف «المتروبوليان» الذي كان سيحضر فيه السادات احتفالا بإقامة قسم جديد للآثار المصرية.

انتهت الرحلة إلى واشنطن والقلق محيق بالسادات، وفق ما يروي هيكل، «أحس من لغة الإدارة الجديدة في واشنطن أن اهتماهم يتحول عنه، لقد بذل جهدا واضحا في أن يتحدث بلغتهم، خصوصا عن الشيوعية الدولية والاتحاد السوفيتي، لكن ذلك لم يغير شيئا من موقفهم، وبدا له أن أولوياتهم في التعامل مع الشرق الأوسط تتركز بالدرجة الأولى على إسرائيل أولا، ثم السعودية ثانيا، ويجيء هو في الدرجة الثالثة».

خريف الغضب

عاد السادات إلى مصر مثقلا بالإحباط غاضبا، ودخل في نوبة من نوبات الشرود التي كانت تنتابه، وخلال تلك الأيام التقى الرئيس بوزير داخليته وبرئيس المخابرات العامة، وشعر وزير شئون الرئاسة منصور حسن أن شيئا ما يجري تدبيره، ولكنه لم يعرفه بالظبط، كل ما عرفه «أن السادات سيتخذ تدابير عنيفة تضع حدا للتمرد والعصيان التي كان يشعر بها، لكن أحد لم يخطره بشيء محدد وحاول منصور حسن أن يقابل السادات لكنه لم يستطع».

كانت مصر في تلك الأثناء تمر بما وصفه هيكل «خريف غضب»،: رئيس غاضب بلغ به حد الغضب أن يقرر بعد أيام اعتقال رموز كل الاتجاهات السياسية والفكرية في مصر، ومجتمع غضب وصلت به الظروف الاقتصادية الاجتماعية مضافة إلى فساد استشرى إلى حد جعله يدير ظهره لكل شيء، ومسجد غاضب أصبح في نهاية المطاف ملاذا لكتل فقدت أملها في الدنيا ولم تجد غير الله تهاجر إليه، وكنيسة غاضبة بذلت قصارى جهدها لتفادي الفتنة فإذا برئيسها الأعلى رهن الاعتقال وراء أسوار دير في الصحراء.

وبعد أن تحدث هيكل عن أسباب الغضب الذي أصاب مصر نهاية 1981، والذي تبلور في حملة اعتقالات سبتمبر الشهيرة، وبلغ ذروته عندما التقت هذه الحالات كلها وتصادمت في حادث المنصة ظهر يوم 6 أكتوبر من تلك السنة، وقف على تفاصيل حملة الاعتقالات التي طالت رموز مصر وطالته هو شخصيا.

اعتقالات سبتمبر

«بدأت عمليه الانقضاض الكبير فجر يوم 3 سبتمبر بعد أسبوع واحد من عودة السادات من واشنطن، كان الانقضاض حملة اعتقالات واسعة شملت 3000 شخصية وكانت أسماء جديدة تضاف إلى القائمة كل دقيقة، كانت بعض الاعتقالات بين صفوف الشباب من الطلبة وأعضاء الجماعات الدينية سهلة نسبيا، لكن اعتقالات بعض الساسة والمثقفين وعدد من القيادات الدينية من المسلمين والمسيحين جرى تخطيطها بعمليات شبه عسكرية سواء في التوقيت أو الإجراءات».

ويضيف: «لم أستطع أن أتبين حجم عملية الاعتقالات ومداها الحقيقي، إلا عندما وصلت إلى السجن ضمن المعتقلين، فانا أواجه في ساحة الاستقبال الخارجية أكبر تجمع سياسي كان يخطر على البال.. وجدت أمامي مجموعة من مشاهير السياسيين أمثال فؤاد سراج الدين، وعبد الفتاح حسن، وفتحي رضوان، وعبد العظيم أبو العطا، وطلعت إبراهيم، ومحمد عبد السلام الزيات، ومحمد فائق، وحلمي مراد، وحامد زيدان، ومحمد أبو الفضل الجيزاوي، وإسماعيل صبري عبد الله، وفؤاد مرسي، وفريد عبد الكريم، وعبد العظيم المغربي، وعادل عيد، وكمال أحمد، ومحمد فهيم، ومحمد عيد، وعبد العزيز الشوربجي، وميلاد حنا، وعبد المحسن حمودة، وعصمت سيف الدولة، وصلاح عيسى، وحسين عبد الرازق، وحمدين صباحي، وكمال أبو عيطة، والشيخ المحلاوي، وعمر التلمساني والشيخ كشك.. ».

ووصلت أنباء إلى سجن طرة أن الحملة طالت قيادات نسائية من بينهن الدكتور نوال السعداوي والدكتورة لطيفة الزيات، والصحفية صافيناز كاظم، وغيرهن.

صافيناز كاظم ولطيفة الزيات ونوال السعداوي
صافيناز كاظم ولطيفة الزيات ونوال السعداوي

باختصار فتحت أبواب السجون لتستقبل أبرز رموز التيارات السياسية والفكرية والصحفية والدينية في مصر، إضافة إلى كل من فتح فمه بكلمة معارضة ضد معاهدة كامب ديفيد، أو ضد الفساد، أو ضد تجسيم واستغلال القضية الطائفية في مصر.

لم يخطر ببال هيكل أن يصل غضب صديقه القديم ضده إلى أن يضعه في السجن، «كان السادات مغرما بأن يصف معارضيه بأنهم حفنة من الأرذال، لكن يبدو الآن أنه راح يعتبر كل القوى الوطنية في مصر مجموعة من الأرذال».

روى هيكل وقائع عملية اعتقاله فجر يوم 3 سبتمبر من شقته بالإسكندرية، «أفعل ذلك في حقيقة الأمر لشرح صورة الاعتقالات في حد ذاتها، لأن ما حدث معي  حدث مع مئات غيري في طول مصر وعرضها، ولا بد أن التجربة التي رأيتها بعيني قد عاشها كل هؤلاء الذين كان من قدرهم أن يتعرضوا لغضب السادات».

زوار الفجر في منزل هيكل

يقول هيكل:«في الثانية من صباح يوم 3 سبتمبر كانت هناك طرقات على باب شقتي في الإسكندرية حيث كنت هناك بعد عودتي من باريس.. ذهبت وفتحت باب الشقة.. وجدت ضابطين وأخبراني أنني مطلوب لمباحث أمن الدولة.. ذكرتهما أنني أنا الذي صغت عبارة (زوار الفجر) في مقالاتي بالأهرام وانتقدت فيها تجاوزت الأمن في وقت الرئيس عبد الناصر، فيكف يحدث في عصر يدعي الديمقراطية أن يدق بابي أحد في مثل هذه الساعة».

أبلغ الضابطان هيكل أنهما مكلفان بالأمر واعتذرا له، وسمحا له بتغيير ملابسه وإحضار حقيبة بها ملابسه وأدويته، واصطحباه إلى الخارج ليكتشف أن كل أدوار العمارة من الردهة إلى المدخل مرورا بالمصعد تحولت إلى ثكنة عسكرية.

سمع هيكل أحد الضباط يبلغ قادته عبر اللاسلكي بأن العملية رقم (9) قد تم تنفيذها، فتساءل باسما: «إذن فأنا العملية رقم 9؟»، لكنه لم يتلق جوابا. ركب هيكل سيارة الشرطة، وسأل الضابط المرافق له: «إلى أين نحن ذاهبون؟»، فأجابه «انتظر وسوف ترى بنفسك كل شيء حينما نصل إلى مركز قيادة العملية في الإسكندرية».

وصلت السيارة إلى مديرية أمن الإسكندرية، وهناك كان المئات من الجنود يحيطون بعشرات السيارات التي تحمل معتقلين آخرين، «التفت حولي فإذا بخليط هائل من المعتقلين.. شباب وشيوخ، مشايخ وقسس، كلهم في نفس المصير، وحملقت في سيارة الأسرى التي كانت على وشك التحرك».

بدأت عملية إعداد «الترحيلة» التي ستنطلق بالأستاذ إلى القاهرة، وضع هيكل في سيارة شرطة مع النائب الوفدي السابق إبراهيم طلعت وعادل عيد أحد النواب المستقلين البارزين، والقائد العمالي البارز الأستاذ أبو العز الحريري، وانطلق الركب على الطريق الزراعي نحو القاهرة.

استقر الموكب أمام سجن من سجون منطقة طرة، «كان سجنا جديدا، ويبدو أنه بني بمعونة أمريكية وكان البحث لا يزال جاريا عن اسم له، ومن المفارقات، أن الاسم المقترح له في ذلك الوقت كان اسم سجن السلام».

صادرت إدارة السجن كل ما كان يحمله هيكل وغيره من كتب وأوراق وأقلام، «حتى الملابس سمح لكل منا غيار داخلي واحد ومنشفة وفرشة أسنان دون معجون لأن المعجون كان يعتبر من الأدوية ويجب أن يوافق عليه أطباء السجن، وقيل لنا أن هؤلاء الأطباء سوف يقررون في اليوم التالي ما يلزم أي واحد منا من الأدوية بما فيها معجون الأسنان».

التفت هيكل حوله ليجد في صالة استقبال السجن، مصر كلها تقريبا، «هناك شخصيات بارزة في الحياة العامة، وساسة ومشاهير، واقتصاديون، وكتاب ومثقفون كبار.. قيادات ورموز لكل التيارات الساسية والفكرية في الحياة المصرية كلها، كان هناك أيضا رجال دين إسلامي، أما رجل الدين المسيحي الذين رأيتهم في الإسكندرية فلم يكونوا معنا».

اقتاد الحراس هيكل إلى الزنزانة رقم 14 «زنزانة صغيرة عليها باب من الحديد في أعلاه قضبان تصل منها أصوات الضجة الجارية في السجن.. كانت هناك عشرة مراتب من المطاط ملقاه داخلها وعشرة بطاطين تفوح منها رائحة الـ( د.د.ت)، وحفرة في ركن تمثل الحمام، وفي ركن آخر مجموعة أواني صاج.. تمددت على إحدى المراتب أفكر في كل ما جرى وأحاول تمثيل معانيه وأبعاده».

بعد ساعة انفتح باب الزنزانة عن جاويش يتبعه أثنان من الجنود، أحدهما يحمل صفيحة علاها الصدأ، وأخر يحمل صفيحة آخرى ملائ بأرغفة الخبز، وتغطي الأثنتين سحابة من الذباب، سأل الجاويش هيكل بحزم: «أين قروانتك»، فقال له: «ليس عندي قروانة»، فأشار بيده إلى كومة الأواني المصنوعة من الصاج وقال له: «هذه هي القروانات ولك واحدة فيها»، سأله هيكل ماذا يريد، فرد: «أريد أن أعطيك طعام اليوم».

«كان واضحا أنه يريد أن يعطيني بعضا من العسل الأسود في القروانة ورغيفين من الخبز.. اعتذرت له شاكرا، مع أنني كنت قد بدأت أشعر بالجوع، فقد كان منظر المعروض على من الطعام كافيا لصد أي شهية»، أخطر الجاويش إدارة السجن أن نزيل تلك الزنزانة رفض استلام الطعام، فحضر إلى هيكل ضابط ليسأله لماذا لم يستلم طعامه، فاعتذر له هيكل وسأله عن باقي رفقاء الزنزانة فأجاب الضابط«أننا نبحث لك عن رفاقا يناسبوك».

وبعد قليل نقل إبراهيم طلعت وكمال أحمد إلى الزنزانة رقم 14، وبعدها حضر الضابط مرة أخرى وطلب من هيكل أن يأتي معه، وتوجه به إلى حجرة مدير السجن وهناك وجد ضابط برتبة لواء ومعه ثلاثة من العمداء في انتظاره، «ظهر أن الموضوع يتصل بطلب تفتيش شقتي ومكتبي وبيتي الريفي، وبدأت مسيرتنا في موكب مسلح جديد في اتجاه بيتي ومكتبي في الجيزة وبعد أن تم التفتيش وصادروا ما عثروا عليه من أوراق، سألتهم مشيرا إلى بعد المسافة ومشقة الطريق إلى بيتي الريفي، وتسألت إذا كان من الممكن تأجيل ذلك إلى الغد لأني معتب، لكن الأوامر صارمة».

سأل هيكل الضابط عما يبحثون عنه فرد عليه «أوراقك السياسية»، فقال «أن الكل بمن فيهم الرئيس يعرفون أنني منذ زمن طويل نقلت أوراقي السياسية التي أخشى عليها إلى خارج مصر.. إذا كنتم تريدون أوراقي السياسية فلماذا لا تعيدوا إلى جواز سفري الذي صادرتموه من مكتبي ثم نسافر معا إلى الخارج لنعود بهذه الأوراق».

وصل الموكب إلى برقاش حيث منزل هيكل الريفي الذي وقع تحت احتلال عسكري حسب وصفه، وعاث الجنود بأحواض الزهور التي كانت محل اهتمامه، «شغل أحد الضباط نفسه بإصدار الأوامر إلى الجنود بالكف عن أكل ثمار شجر المانجو، رجوته بأن يتركهم كما شاءوا شريطة أن يبتعدوا عن أحواض الزهور».

كان الجوع قد طغى على هيكل، فسأل الضابط إن كان باستطاعته أن يطلب طبقا من البيض المقلي، «جاءني الطبق عائما في السمن.. فسألته مرة أخرى إذا كان يمكن استبدال البيض المقلي ببيض مسلوق لأن كثرة السمن يمكن أنت تسبب مشاكل المرارة».. ووصل البيض بعد انتهاء الحملة من التفتيش، وأستأذن هيكل في حمله مع بعض الأرغفة إلى السجن، و«هكذا فإنني في الأيام الخمسة الأولى للسجن لم أتناول غير 5 بيضات و5 أرغفة عدت بها من بيتي الريفي.. الغريب أنها اتسعت لاستضافة رفاقي في الزنزانة أيضا».

تعامل هيكل مع تجربة حبسه باعتباره صحفيا يراقب ويتابع الأحداث أكثر مما هو ضحية من ضحاياها، «كنت شديد الثقة أنني سأكتب في يوم من الأيام قصة ما جرى، وهكذا فإن الأسير في العملية كلها تراجع ليفسح المجال للصحفي كي يتابع ويراقب ويتأمل ويربط أطراف الدراما التاريخية التي تتحرك حوله بصرف النظر عن أنه هو نفسه جزء منها، ولقد كان بعض رفاقي يدهشون من برودة أعصابي في مواجهة ظروف أقل ما يقال عنها أنها كانت مزعجة، ولم ينتبه أحد بالقدر الكافي إلى عملية الانسلاخ التي جرت بين الأسير والصحفي».

لم يبرح هيكل الزنزانة لمدة 11 يوما، لم يكن مسموحا لنزلائها بالشاي أو القهوة وحتى المياه كانت محدودة، «حاول أحد شبان الجماعات الإسلامية أن يعلمني كيف أستطيع أن أستحم بكوب ماء لا أكثر.. وبعد أيام صرح لنا الأطباء ببعض ما كنا نحتاجه من أدوية».

السادات يفقد أعصابه

في خطابه أمام مجلس الشعب في 5 سبتمبر استند السادات في كل إجراءاته على المادة 74 من الدستور التي تمنح الرئيس عند قيام طوارئ مفاجئة أو خطر يهدد أمن البلاد أن يعطل كل الضمانات الدستورية، واتخاذ أي إجراءات يراها مناسبة لمواجهة تلك الأخطار.

وبعد خطاب السادات الشهير في البرلمان عقد مؤتمرا صحفيا في منزله في ميت أبو الكوم، وحضر المؤتمر عددا من الصحفيين الأجانب، كان السؤال الأول في المؤتمر عن حبس هيكل وهو ما أغضب الرئيس، لكن السؤال الثاني جاء ليحدث انفجارا مدويا، سأله مندوب محطة «أي. بي. سي» الأمريكية: «سيادة الرئيس أنك كنت في الولايات المتحدة قبل أقل من أسبوع، فهل أخطرت الرئيس ريجان بما تنوي عمله؟»، ففقد السادات أعصابه ورد على الصحفي قائلا: «لو لم تكن في بلد حر لكنت أخرجت مسدسي وضربتك بالنار»، وكان المشهد بالغ الغرابة حتى بالنسبة لأسرة السادات فقد خرجت ابنته الصغرى من المؤتمر والدموع في عينيها.

قرر السادات بعد مؤتمر ميت أبوالكوم أن يتوجه بحديث آخر إلى الأمة وفي 15 سبتمبر ظهر على شاشة التلفزيون، وراح يتحدث عن فؤاد سراج الدين للنحو ساعة كاملة «هذا الباشا الإقطاعي الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وعاش حياته كلها غارقا في الترف»، ثم مضى لمدة ساعة أخرى في هجوم مباشر على هيكل ونسب إليه 5 اتهامات، «أولها بأنني ملحد وأنني اعترفت به بذلك بنفسي، ثم أنني في كتابي عن الثورة الإيراينة قلت أن التيار الاسلامي هو موجة المستقبل.. ولم يكن ذلك صحيحا بشقيه ومع ذلك فقد بدا غريبا أن يلصق بي تهمة الإلحاد والتشيع للجماعات الإسلامية في نفس اللحظة».

أما الاتهام الثاني الذي وجهه السادات لهيكل هو أنه «صديق للملوك والرؤساء في العالم العربي وخارجه وأن هذا يجعل منه مركز قوة»، والثالث أنه «كون ثروة من عائد كتبه التي يهاجم فيها مصر»، والرابع أن هيكل «أعطى للعالم الخارجي صورة مشوهه عن مصر»، والخامس أن هيكل «كان يرتب مع فؤاد سراج الدين إصدار جريدة تنطق بلسان الوفد».

ثم اتجه السادات إلى الجامعات الدينية، مركزا هجومه على الشيخ المحلاوي، ثم وصل إلى قمة العصبية حين قال: «والآن هذا الرجل -يقصد المحلاوي- ملقى في السجن كالكلب».

في 28 سبتمبر قرر بعض نزلاء سجن طرة إقامة احتفال في ذكرى وفاة عبد الناصر، «اختفى هيكل في زنزانته، وقال لي أحد الذين يشاركونه سكناها من زملائنا المعتقلين: إنه أخفى وجهه تحت غطائه واندفع في بكاء حار»، يقول الأستاذ صلاح عيسى في كتابه «شخصيات لها العجب».

ويضيف عيسى: «في 6 أكتوبر 1981 سمعنا خبر مقتل السادات..  ورغم المشاعر المتعددة التي ناوشتنا بعد سماعه، فقد كان هيكل هو الوحيد الذي أغلق عليه باب زنزانته، واندفع مرة أخرى في بكاء عنيف».

«كان صوت جميل يأتي من بعيد، يتلو قول الله عز وجل: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير»، يختم عيسى الفصل الذي خصصه عن هيكل في كتابه.

أما هيكل وبعد أن أسهب في سرد تفاصيل الطريق إلى المنصة محاولا فك ألغاز عملية اغتيال السادات في كتابه «خريف الغضب»، فقال «لقد كانت المأساة الحقيقية في حياة أنور السادات وموته أنه رجل حاول أن يتحرك كثيرا، لكنه لم يتقدم إلى الأمام ولقد كان أصدق تعليق سمعته بعد اغتياله أنه مات حين مات».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: