رؤى

روسو ضد هوبز.. هل نحن بطبيعتنا فاسدين؟

ترجمة: كريم سعد
وثَّق توماس هوبز عام 1651، مقولته الشهيرة بأن «الحياة في حالتها الطبيعية – أي حالتنا الطبيعية خارج سلطة الدولة السياسية – مُنعزلة، ورديئة، ووحشية بغيضة، وقصيرة الأجل»، وبعد مرور ما يزيد قليلاً عن قرن من الزمان، ردَّ جان جاك روسو على تلك المقولة، بأخرى أكد فيها بأن «الطبيعة البشرية خيِّرة في جوهرها، وأنه كان من الممكن أن نحيا حياة سعيدة وهادئة قبل التطور إلى ما يُدعى (الدولة الحديثة)».

للوهلة الأولى، يبدو لنا، أن هوبز وروسو يمثلان قطبين مُتعارضين في إجابتهما على سؤال قديم حول الطبيعة البشرية مفاده، «هل نحن بطبيعتنا خيرين أم فاسدين؟»، لكن واقع الأمر أن مواقفهما الفعلية أكثر تعقيدًا وإثارة للاهتمام مما يوحي به هذا الانقسام الصارخ، ولكن تساؤلا يطرح نفسه أمام تلك الجدلية ومضمونه، «فيما يفيد التفكير الآن في الطبيعة البشرية وهذا النوع من المصطلحات، وما الذي يُمكن أن نجده في العودة إلى هذا الجدل الفلسفي، ويجعلنا نستطيع أن نقيم عالم السياسة الذي نعيشه اليوم؟».

جزء من لوحة السقوط لـ هوجو فان دير جوس، 1479
جزء من لوحة السقوط لـ هوجو فان دير جوس، 1479

قد تبدو جدلية «ما إذا كان البشر بطبيعتهم خيرين أم فاسدين» بمثابة ارتداد إلى خلافات لاهوتية حول الخطيئة الأصلية، والتي ربما ينبغي على الفلاسفة الجادين أن ينحوها جانبًا؛ فالإنسان بعد كل شيء، كائن مُعقد قادر على الخير والشر على حدٍ سواء، وانجرافه صوب خيار واحد في هذا الجدل قد يبدو طرحًا ساذجًا إلى حد ما، وعلامة على الإخفاق في فهم الحقيقة الفوضوية للحالة البشرية. ومع ذلك، فإن ما رآه هوبز وروسو بوضوح شديد هو أن أحكامنا بشأن المجتمعات التي نعيش فيها تتشكل إلى حد كبير من خلال الرؤى الأساسية للطبيعة البشرية والاحتمالات السياسية التي تنطوي عليها.

والذي حدث، هو أن هوبز لم يعتقد حقًا أننا فاسدون بالفطرة، فوجهة نظره بالأحرى، هي أننا لسنا مُجبرين على العيش معًا في مجتمعات سياسية واسعة النطاق؛ لأننا لسنا «حيوانات سياسية» بشكل طبيعي مثل النحل أو النمل، الذين يتعاونون بشكل غريزي ويعملون معًا من أجل الصالح العام؛ فنحن بخلاف ذلك مهتمون بأنفسنا ونعتني بها فقط أولًا وقبل أي شيء ونهتم بسمعتنا، فضلًا عن رفاهيتنا المادية، وبقدر ما تدفعنا رغبتنا في الحصول على مكانة اجتماعية، فهي تدفعنا أيضًا إلى الصراع التنافسي على الموارد النادرة.

وجادل هوبز بأنه إذ أردنا العيش معًا بسلام، فيجب علينا أن نُخضع أنفسنا لشخص موثوق يتمتع بسلطة إنفاذ القوانين وحل النزاعات، وأطلق هوبز على هذا مفهوم «صاحب السيادة»، وطالما أن صاحب السيادة يحافظ على السلام، فلا ينبغي لنا أن نشكك أو نتحدى شرعيته، لأن هذا الفعل سيقودنا إلى «حالة الطبيعة»، والتي هي أسوأ موضع يُمكن أن نجد أنفسنا فيه. ولا يهم ما إذا كنا نتفق شخصيًا مع قرارات الحاكم أم لا، فالسياسة تتميز باختلاف الآراء، وإذا ارتأينا أن معتقداتنا السياسية أو الدينية أهم من التعايش السلمي، فإن تلك القناعات هي المشكلة بذاتها وليست الإجابة.

لوحة غلاف كتاب اللفياثان (1651) لـ توماس هوبز ، صُممت بواسطة أبراهام بوس
لوحة غلاف كتاب اللفياثان (1651) لـ توماس هوبز ، صُممت بواسطة أبراهام بوس

وكان هوبز قد رأى عن كثب أهوال الحرب الاهلية الإنجليزية، التي لاتزال النموذج الأكثر إقناعًا عن رؤيته للحالة الطبيعية، واليوم، يميل القراء غالبًا إلى رفض أفكاره باعتبارها قاتمة للغاية، لكن هذا الرفض ربما يعبر عنا أكثر ما يعبر عنه. فهوبز رأى السلام الدائم كإنجاز نادر وهش، وهذه هي الحقيقة التي قد ينساها كل من كان محظوظًا بما يكفي لعدم اختباره للحرب. لكن الكثير من تاريخ البشرية مزقته الحروب، ولا يزال هُناك الكثير من الناس للأسف الذين يعيشون في دول مزقتها الصراعات والمعارك حتى الآن، وفي مثل هذه الأوضاع، فهوبز يتحدث عبر العصور.

ولكن حتى لو كان هوبز مُحقًا بشأن الحرب الأهلية، فهل كشف النقاب حقًا عن حقيقة الحالة البشرية؟ روسو لا يعتقد أنه فعل ذلك، واتهم هوبز بالخلط بين خصائص مجتمعه والنظرة الأبدية حول طبيعتنا البشرية. والرسالة المهُيمنة في نقد روسو لهوبز هو أنه لم يكن من الضروري أن يكون الأمر على هذا  النحو؛ فبالتأكيد، نحن مخلوقات ذات مصلحة ذاتية وتنافسية اليوم، لكن الأمر لم يكن دائمًا هكذا.

معركة مارستون مور (من أحداث الحرب الأهلية الإنجليزية) لـ جيمس باركر
معركة مارستون مور (من أحداث الحرب الأهلية الإنجليزية) لـ جيمس باركر

وفقًا لـ «التحليل الهوبزي»، فإن الدولة السياسية الرسمية هي الحل لمشكلة اهتمامنا بمصلحتنا الذاتية وطبيعتنا التنافسية. إلا أن روسو نظر إلى الأشياء بشكل مختلف وبدلًا من ذلك ارتكز جداله على أننا مهتمون بأنفسنا ومنغمسون في المنافسة؛ بسبب الطريقة التي تطورت بها المجتمعات الحديثة. وكان يعتقد أنه في المجتمعات ما قبل الزراعية – بعد أن حصل على تقارير عن الشعوب الأمريكية الأصلية من المسافرين كنموذج له – تمكن البشر فيها من أن يعيشوا حياة مسالمة وراضية، وارتبطوا معًا بمشاعر مجتمعية تجعل رغباتنا التنافسية وأنانيتنا تحت السيطرة.

فبالنسبة لروسو، كل شيء بدأ يسير بشكل خاطئ بمجرد إتقان البشر لفنون الزراعة والصناعة؛ مما أدى في نهاية المطاف إلى مستويات غير مسبوقة من الملكية الخاصة، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، وعدم المساواة. والأخيرة هي التي تولد الانقسام الاجتماعي. وفي حين توحدت المجتمعات ذات يوم بروابط اجتماعية قوية، فسرعان ما حولنا تصاعد عدم المساواة إلى منافسين – لا يرحمون – على المكانة والهيمنة، والجانب الأخر لإيمان روسو بالطبيعة الخيرة هو أن المؤسسات السياسية والاجتماعية هي التي تجعلنا فاسدين، كما نحن الآن. وفي روايته العلمانية للسقوط، يحل ظهور اللامساواة الاقتصادية محل طردنا من جنة عدن. ولاتزال تلك واحدة من أقوى لوائح الاتهام الموجهة للمجتمع الحديث في تاريخ الفكر الغربي.

الثورة الزراعية
الثورة الزراعية

ويعتقد روسو أنه بمجرد إفساد الطبيعة البشرية، فإن فرص الخلاص ضئيلة للغاية. وفي أيامه، لم يكن لديه سوى قليل من الأمل بالنسبة للدول التجارية الأكثر تقدمًا في أوروبا، ورغم أنه لم يشهد أبدًا بداية الراسمالية الصناعية، إلا أنه من نافلة القول أن نقول إنها كانت فقط ستؤكد أسوأ مخاوفه بشأن عدم المساواة. والمؤلم في تحليل روسو هو أنه حتى لو كان هوبز مُخطئًا بشأن الطبيعة البشرية، فإن المجتمع الحديث هو «هوبزي حتى النخاع» ولا يوجد سبيل الآن إلى العودة للوراء.

وإن كان جمع خيوط الامور بهذه الطريقة، يقود إلى حيث يفترض أن يكون هوبز هو المتشائم ورسو هو المتفائل. لكن إن كان هذا الأمر صحيحًا بالنسبة لأفكارهما حول الطبيعة البشرية، فإن العكس هو الصحيح عندما يتعلق الأمر بتقييمهما للسياسة الحديثة. فإذا كنت تعتقد أن الحياة الحديثة تتميز بالمصلحة الذاتية والمنافسة، فإن أحد الردود ستكون أنه عليك أن تُمعن النظر وتتساءل حول الكيفية التي تمكنت بها هذه المخلوقات الفردية من تشكيل مجتمعات سلمية. ولكن إذا كنت تعتقد أن هناك جانبًا أفضل للطبيعة البشرية – أي أننا بطبيعتنا أخيار – فمن المرجح أن تسأل: «كيف آلت الأمور على هذا النحو الخاطئ؟»؛ ففي حين رأى هوبز أن المجتمعات منقسمة بسبب الحرب وقدم طريقًا للسلام، رآي روسو المجتمعات متداعية بسبب عدم المساواة وتنبأ بسقوطها.

ولا تزال وجهات النظر المتباينة هذه تقسم العالم إلى اليوم. فهل حولتنا الرأسمالية إلى أعداء يتنافسون مع بعضهم البعض إلى ما لا نهاية من أجل الربح والمكانة؟، أم أنها اكتشفت طريقة حميدة نسبيًا لتنسيق أنشطة الملايين من الناس في أي دولة دون الإنزلاق إلى الصراع؟ ستعتمد طريقة إجابتك على هذا السؤال إلى حد كبير على ما تعتقده من بدائل، وتستند هذه البدائل إلى افتراضات حول الطبيعة البشرية؛ فسواء ما كنا خيرين أم فاسدين، أي إذا ما كان من الممكن تنظيم المجتمعات حول أفضل الجوانب من طبيعتنا – بقيم التعاطف، والكرم، والتضامن – أو ما إذا كان أكثر ما يمكن أن نامله هو إيجاد طرق بارعة نجعل بها مصلحتنا الذاتية تخدم غرضًا مفيدًا. وحتى لو كنت تعتقد أننا أخيار بصورة طبيعية، فسيظل السؤال المطروح هو ما إذا كان من الممكن الاستفادة من أفضل صفاتنا في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. وفيما يتعلق بهذا السؤال، فإن روسو – وليس هوبز – هو من يعطينا أسباب أكثر لليأس.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي من هنا

الوسوم

كريم سعد

مترجم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: