مختارات

“هيكل” يرصد الساعات الأخيرة فى حياة جمال عبد الناصر 

كان البحر الأبيض ـ قلب الدنيا وبؤرة التاريخ ـ يستعد يومها لحدث كبير كبير، كان مأساة عنيفة ـ مما روى تاريخ الإغريق ـ كانت تحوم حول آفاقه، وتوشك أن تنزل على شواطئه كالزلزال، ترجه رجا من الأعماق السحيقة، إلى قمم الموج العالية:

{ فى شرق البحر الأبيض، فى عمان، كان القتال مازال محتدما بشدة وقسوة، وكانت دبابات الجيش الأردنى، من طراز باتون، تركز هجماتها على منطقة الأشرفية، تريد أن تخلع منها بقايا جيوب المقاومة الفلسطينية فى عمان، وكان مستشفى الأشرفية، بالذات، هدف تركيز شديد، فقد كان معروفا أن قيادة المقاومة اتخذت منه ـ فى وقت من أوقات الصراع ـ مقرا لها، توجه منه عملياتها.

وكان الدمار فى أبشع صوره قد حل بكل شوارع العاصمة الأردنية القائمة على سبعة تلال، وكان القتلى تحت الأنقاض بالمئات، وكان الجرحى بالآلاف، تتعالى أناتهم وصرخاتهم تطلب النجدة أو تطلب الرحمة، وكان الجوع والعطش يمسكان المدينة بقبضة عذاب أليم، لا عاصم منه ولا مغيث.

الأخ يسفك دم أخيه، ورفاق السلاح لا يقاتلون عدوهم ولكن يقتتلون فيما بينهم!

أحداث أيلول الأسود
أحداث أيلول الأسود

فى شرق البحر الأبيض أيضا، فى القدس المحتلة، كان التدبير الأمريكى الإسرائيلى قد أعد مخططاته كاملة للتدخل فى أزمة الأردن، ولم يكن باقيا إلا صدور الأمر فى اللحظة التى تقتضى التدخل، من وجهة نظر المديرين المتواطئين.

كانت خطة التدخل، كما يقول «بنجامين ويلز»، الصحفى العليم بدخائل الأمور فى واشنطن، قد تم وضعها يوم 21 سبتمبر، بعد مشاورات متصلة بين واشنطن وتل أبيب، وهى مشاورات جرت فى البيت الأبيض نفسه، واشترك فيها مع الرئيس ريتشارد نيكسون كل من: «ويليام روجرز» وزير الخارجية، و«جوزيف يسكو» مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط، و«هنرى كيسنجر» مستشار نيكسون لشئون الأمن القومي، و»ريتشارد هيلز« مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، و«الأدميرال توماس مورر»، رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، و«الجنرال إيزاك رابين» سفير إسرائيل فى واشنطن ورئيس هيئة أركان حربها السابق ومساعده السياسى فى السفارة الإسرائيلية «شلومو آٌرجوف»…

كانت اجتماعاتهم تعقد فى غرفة العمليات فى البيت الأبيض وكانت خرائط المنطقة من حولهم، وكانت المعلومات التفصيلية تتدفق على غرفة العمليات من مصدرين يحددهما بنجامين ويلز بأنهما: المخابرات الأمريكية والمخابرات الإسرائيلية.

وتقرر بينهم أن تكون ساعة الصفر فى التدخل، هى اللحظة التى يزيد فيها عدد الدبابات السورية التى تدخل الأردن ـ كما يقولون ـ على مجموعة اللواءين التى قالوا إنها دخلت وحين دخلت، كان أول ماقيل لي:

« إن الرئيس اتصل بنفسه وسأل عنك.. ولما عرف أنك لم تحضر بعد، قال إنه لاداعى لأن تطلبه، لأنه خارج إلى المطار الآن، وسوف يتصل بك هو عند الظهر».

ولم أذهب إلى وزارة الإرشاد، كما عادة فى الحادية عشرة صباحا، وإنما بقيت فى الأهرام قريبا من التليفون الذى يطلبنى عليه عادة.

كان تليفونه قبل الثامنة والنصف أول اتصال أجراه ذلك اليوم.

ثم قام ـ كما علمت فيما بعد ـ إلى حمام الصباح، ثم جلس إلى إفطاره وأكل تفاحة واحدة من صندوق تفاح جاءه به الوفد اللبنانى إلى مؤتمر القاهرة ثم فنجان قهوة مع السيدة الجليلة قرينته.

وقالت له هى قبل أن ينزل إلى أول وداع رسمى ذلك اليوم فى مطار القاهرة.

ـ إن «الأولاد» سيكونون جميعا على الغداء اليوم.

وسألها عن أحفاده قائلا: – و«هالة» و«جمال» .. وقالت هى «إن جمال» هنا منذ الصباح الباكر.. جاءت به «منى»، وهى فى طريقها إلى عملها، وتركته فى البيت لكى يراه جده فى الصباح كما طلب قبل أن ينام، وأما «هالة» فهى فى الطريق الآن.

وقال لها إنه سوف يراهم جميعا على الغداء .

وخرج من البيت قبل الساعة التاسعة بدقيقتين

وفى الساعة الواحدة دق جرس التليفون فى مكتبى .. وجاءني صوته، وأحسست به متعبا، متعبا إلى أقصى حد.

وأعدت عليه حديث الإجازة، وقال إنه سوف يستريح بعد وداع أمير الكويت..

وسألته عما يشعر به، وقال:

ـ أجد نفسى غير قادر على الوقوف.

وسألته: هل رأيت الطبيب؟

وقال: كان عندى الدكتور الصاوي، وأجرى رسما جديدا للقلب .. وقال لى إن كل شئ كما هو.

وقلت: وآلام الساق.. أما من دواء لها.

وقال: سوف أضع قدمى فى ماء دافئ به ملح، وأظن أن الألم سوف يتحسن .. هو طول الوقوف فيما أعتقد!

وعدت ألح فى حديث الإجازة، وأقترح أن يذهب إلى الإسكندرية وقال: لا أستطيع الذهاب متعبا بهذا الشكل وسوف أنام هنا يوما كاملا.. وبعدها أفكر فى الذهاب إلى الإسكندرية.

ثم تطرق الحديث إلى السياسة كالعادة، وسألنى عن رد الفعل فى إسرائيل لاتفاق حكومة الأردن مع المقاومة.

وأجبته بملخص البرقيات التى وردت ذلك الصباح.

ثم قال:  هل تعرف أن بيرجيس -يقصد دونالد ببرجيس القائم على شئون الرعايا الأمريكيين فى القاهرة ـ سوف يسافر إلى إيطاليا، وهناك سوف يجتمع بنيكسون..أنه اتصل بالخارجية أمس، وسأل إذا كان هناك ما يستطيع أن ينقله الى نيكسون..

أريدك أن تطلبه الآن، وأن تبلغه رسالة منى إلى نيكسون.

أطلب منه أن ينقل له أننى مازلت أسعى إلى حل على أساس قرار مجلس الأمن.. وأن موقفى لم يتغير.

إن الضجة التى يثيرونها عن الصواريخ زادت عن حدودها، وهى بلا منطق.

إذا كانت إسرائيل تنوى الانسحاب من كل الأراضى المحتلة، فما هو خوفها من الصواريخ، على فرض أننا قمنا بتركيبها؟

وإذا كانت إسرائيل لا تنوى الانسحاب.. إذن فإن الواجب يقيضينا ـ إذا لم نكن قد ركَّبنا الصواريخ ـ أن نبادر فعلا إلى تركيبها؟

قلت له: إننى سأطلب بيرجيس.

قال: أطلبه الآن.

ورفعت سماعة التليفون الآخر وطلبت إلى مكتبى إيصالى بدونالد بيرجيس، وقلت له: إن لدى رسالة كلفت بإبلاغها إليك لكي تنقلها إلى نيكسون.

عبد الناصر ونيكسون
عبد الناصر ونيكسون

وقال بيرجيس:،متى تريدنى أن أجيء؟

قلت له: الساعة السابعة مساء واقفلت التليفون معه، والرئيس على الخط الآخر يواصل الحديث، ولا يخطر ببالي أنني سأؤجل موعدى مع بيرجيس، لأن عبد الناصر سوف يكون قد رحل قبل الموعد المحدد.

ثم تشاء المقادير أن أسلم الرسالة، إلى ريتشارد سون الذى رأس وفد العزاء فى عبد الناصر، وكان قد جاء ليتحدث معى، وقلت له:

ليس لدى ما أقوله لك.. غير رسالة كلفنى هو بإبلاغها إلى بيرجيس لنقلها لنيكسون، وهذه الرسالة الآن لك!

واستطرد الرئيس يقول: لا أظنهم سوف يفهمون شيئا، ومع ذلك فلابد أن يكون موقفنا واضحا، ولو أمام أنفسنا، وليتصرفوا هم كما يشاءون.

ثم مضى الرئيس يقول:

قد لا أتصل بك فى المساء لأننى سوف أنام.

ووجدتنى أقول له بطريقة تلقائية:

تصبح على خير.

وقال ضاحكا: “ليس بعد.. نحن مازلنا الآن فى عز النهار”!

وكانت تلك آخر مرة أسمع فيها صوته.

واستراح قليلا فى غرفته، ثم قام يرتدى ملابسه، مستعدا للتوجه إلى المطار لمراسم الوداع الأخير مع أمير الكويت.

واتصل بالسيد سامى شرف يسأله عما إذا كان هناك جديد؟

وقال له سامى شرف إنه ليس هناك جديد، ولكنه يلح على الرئيس فى ضرورة أن يريح نفسه، لأن الجهد الذى يبذله عنيف.

وقال الرئيس: «سوف أنام بعد أن أعود.. سوف أنام نوما طويلا».

ثم استطرد: وفى الغد نتكلم عن الإجازة.

وخرج من غرفته متوجها إلى السلم، وتردد لحظة أمام المصعد، ثم ضغط على الزر يطلبه، وكانت أول مرة منذ تركيب المصعد فى بيته يستعمله فيها للنزول.. كان دائما يستعمله فى الصعود.. وعند النزول كان يفضل السلم.

وفى وداع أمير الكويت، أحس فى الدقائق الأخيرة، أنه متعب بأكثر مما يحتمل، لكنه تماسك بجهد لا يصدق.

وقبل أمير الكويت وهو يتصبب عرقا.. والدوار يعتريه.

وصعد أمير الكويت إلى طائرته، والتفت الرئيس يطلب سيارته.. وكان ذلك على غير المعتاد، فقد كانت العادة أن يذهب هو ماشيا إلى حيث تقف سيارته وأن يحيى جماهير المودعين.

عبد الناصر يودع أمير الكويت
عبد الناصر يودع أمير الكويت

وجاءت السيارة ودخل إليها وهو يقول للسيد محمد أحمد: أطلب الدكتور الصاوى يقابلنى الآن فى البيت.

واستقل المصعد من الدور الأول فى بيته إلى الدور الثانى.. وكانت الأسرة كلها فى انتظاره.

واحسوا جميعا أنه متعب ولكنه وقف وسطهم دقيقة يتحدث فيها مع حفيديه «هالة» و«جمال»، ويتوجه بعد ذلك إلى غرفة نومه، وتلحق به السيدة الجليلة قرينته، تسأله متى يريد الغداء، ويقول لها وهو يخلع ملابسه: «لا أستطيع أن أضع شيئا فى فمى».

ويرتدى بيجامة بيضاء مخططة بخطوط زرقاء ويدخل إلى سريره ويجيء الدكتور الصاوي، وتستأذن السيدة الجليلة قرينته فى الخروج، لأنها ـ كما عودها دائما ـ لا تقف فى الحجرة وهناك فيها غيره، حتى ولو كان الطبيب.

لكن قلبها لا يطاوعها على الخروج بغير سؤال لمحه الرئيس فى عينيها قبل أن تنطق به.

وقال لها مطمئنا: لا تخافي، أظنه نقصا فى السكر…

وقالت بسرعة: هل أجيئك بشيء…؟

وقال الدكتور الصاوى: أى عصير…

وذهبت هى تعصر كوب ليمون وكوب برتقال…

بينما الدكتور الصاوى يشعر من أول لحظة أن هناك طارئا خطيرا.. ويخرج من الغرفة ليتصل بالسيد محمد أحمد على التليفون، ويطلب منه استدعاء الدكتور منصور فايز، والدكتور زكى الرملي.

ويعود إلى الغرفة، والسيدة الجليلة قرينة الرئيس تدخل إليه حاملة كوب عصير برتقال وكوب عصير ليمون.

ويختار الرئيس كوب البرتقال ويشربه.. وتخرج هى من الغرفة، ويبدأ الدكتور الصاوى محاولاته لوقف الطاريء الخطر.

كان تشخيصه على الفور أن هناك جلطة فى الشريان الأمامي للقلب.. ولما كانت الجلطة السابقة فى سبتمبر من العام الماضى قد أثرت فى الشريان الخلفي.. إذن فإن الموقف دقيق وحرج.

ويصل الدكتور منصور فايز، وعند وصوله، تحس السيدة الجليلة قرينة الرئيس أن هناك شيئا غيرعادي، كانت طوال الوقت واقفة تنتظر فى قاعة الجلوس التى تجتمع فيها الأسرة، وهي على مدخل البهو المؤدى إلى غرفة مكتب الرئيس، ثم غرفة نومه فى الدور الثانى من البيت.

آخر وداع

كانت طوال الوقت واقفة تنتظر فى قاعة الجلوس التي تجتمع فيها الأسرة، وهي على مدخل البهو المؤدي إلى غرفة مكتب الرئيس، ثم غرفة نومه فى الدور الثاني من البيت.

وحين وجدت الدكتور منصور فايز أمامها، اقتربت منه والقلق يشد ملامحها، لتقول له: «لا تؤاخذنى يا دكتور… لا أقصد اساءة… ولكن مجيئك يقلقني… أنت تجيء عندما يكون هناك شيء غير عادى».

وقال لها الدكتور منصور فايز: «أرجوك أن تطمئني… كل شئ بخير إن شاء الله».

ودخل وبعد قليل لحق به الدكتور زكى الرملى.

كان التشخيص واحدا، وكانت الإسعافات التى بدأها الدكتور الصاوي قبل مجيئهما مستمرة، وكان الرئيس متنبها إلى كل ما يجري. وحوالى الساعة الخامسة، بدا أن الأمل يقوي.

كان النبض قد بدأ ينتظم، وضربات القلب تعود إلى قرب ماهو طبيعي.

واستراح الأطباء، والتقطوا أنفاسهم وهم بجواره، وهو يراقبهم بابتسامة هادئة على شفتيه. ثم بدأ يتحدث معهم كانت الساعة الخامسة إلا خمس دقائق بالضبط.

وقال له الدكتور منصور فايز: «إن الرئيس فى حاجة إلى اجازة طويلة».

وقال الرئيس: كنت أريد أن أذهب إلى الجبهة قبل الاجازة… هل أستطيع أن أذهب وأرى «أولادنا» هناك قبل أى إجازة.

وقال الدكتور منصور فايز: «إن ذلك سوف يكون صعبا …. ويجب أن تسبق الإجازة أى نشاط آخر».

وقال الرئيس: «أن كل الوزراء اليوم فى الجبهة… لقد طلبت أن يذهبوا إلى هناك، وأن يعيشوا يومين مع الضباط والجنود… يجب أن يعرفوا، ويعرف كل مسئول حقيقة ما يقوم به الجيش فى الجبهة».

وهم الرئيس من فراشه ومد يده إلى جهاز راديو بجانبه وفتحه، يريد أن يسمع نشرة أخبار الساعة الخامسة من إذاعة القاهرة.

وبينما اللحن المميز لنشرة الأخبار من إذاعة القاهرة ينساب فى الغرفة، ويبدد بعض الشىء جوها المشحون بالطارئ الخطر أحس الدكتور منصور فايز أنه يريد أن يدخن سيجارة، وتصور أن خروجه من الغرفة ليدخن سيجارته قد يكون فرصة يطمئن فيها السيدة الجليلة قرينة الرئيس على صحته.

وخرج فعلا إلى غرفة المكتب ثم إلى البهو المؤدى إلى غرفة الجلوس ووجدها أمامه ويداها تعصران وجهها من القلق ومشقة الانتظار.

وقال لها باسما: «انه بخير والحمد لله»

وسألته بلهفة: صحيح؟؟

وقال لها: «اننى كطبيب، أسمح لك بأن تذهبى وتريه بنفسك».

وقالت له: «أخشى اذا دخلت أن يشعر بقلقى ويتضايق… انه لم يتعود أن أدخل وهناك أطباء، وإذا دخلت فقد يتصور أن هناك شيئا غير عادي».

فى غرفة النوم، كان المشهد يتغير بسرعة لم تكن متوقعة.

استمع الرئيس إلى مقدمة نشرة الأخبار ثم قال:

«لم أجد فيها الخبر الذى كنت أتوقع أن أسمعه…»

ولم يقل شيئا عن الخبر الذى كان ينتظر سماعه.

وتقدم منه الدكتور الصاوى وقال:

الا تستريح سيادتك…

انك فتحت جهاز الراديو ثم قفلته ولا داعي لأى مجهود الآن؟

وعاد الرئيس يتمدد تماما على فراشه، ويقول بالحرف: «لا يا صاوي… الحمد لله… دلوقت أنا استريحت»

ولم يفرغ الدكتور الصاوى من عبارة يقول فيها:

الحمد لله يا فندم لم يفرغ، ونظره مركز على الرئيس، حتى وجده يغمض عينيه ثم وجد يده تنزل من فوق صدره، حيث كان وضعها، وتستقر بجواره.

بعدها لم يشعر عبد الناصر بشىء…

لم يقل كلمة.

وكانت ملامح وجهه تعكس نوعا غريبا من الراحة المضيئة.

وجرى الدكتور الصاوى هالعا، ينادى الدكتور منصور فايز، ووقف كل الأطباء حول الفراش، وبأيديهم وعقولهم كل ما يستطيعه العلم.

ووصلت إلى البيت، وصعدت السلم قفزا، وكانت السيدة الجليلة قرينة الرئيس أول من لقيت، وكانت إحدى يديها تضغط على خدها، واليد الأخرى تمسك برأسها، وليس على لسانها، وقد ملكها الخوف والخطر، إلا نداء واحد: «جمال… جمال…»

وكانت تكتم نداءها. حتى لا ينفذ إلى حيث يرقد هو.

وعبرت غرفة مكتبه بسرعة إلى غرفة نومه، وإلى فراشه، وكان الأطباء ما زالوا من حوله، وكان ممددا على الفراش وسطهم… بالبيجامة البيضاء وخطوطها الزرقاء.

وفوجئت بما رأيت.

عندما دعيت إلى البيت لم يخطر ببالى ما قدر لى أن أراه.

أقصى ما خطر ببالى عندما دعيت إلى بيته «لأنه متعب»، هو أن شيئا ما ألم به فى العام الماضى قد عاوده.

لكننى لم أكن مهيأ لما رأيت.

ولأول نظرة على الفراش، فإننى أحسست بما لا أستطيع اليوم، ولا غدا أن أصفه من مشاعرى.

كان هناك على الفراش هدوء غريب.

صمت كامل…

كان هناك شيء واحد يلمع بشدة، وهو دبلة الزواج فى يده، ينعكس عليها ضوء النور المدلى من السقف.

ولم أحاول أن أقترب من أى واحد من الأطباء، فلم يكن من حق أحد أن يشغلهم.

والتفت حولى إلى بقية من فى الغرفة: شعراوى جمعة، وسامى شرف، ومحمد أحمد.

وكانوا جميعا مثلى معلقين بين السماء والأرض.

ووجدتنى أدور فى الغرفة وأبتهل…

أردد والدموع تنزل صامتة: «يارب… يارب».

ثم أرقب محاولات الطب الأخيرة، وأناديه فى علاه: «يارب غير ممكن… يارب غير معقول» أردد والدموع تنزل صامتة:

يا رب… يا رب.

ثم أرقب محاولات الطب الأخيرة، وأناديه فى علاه:

«يا رب غير ممكن… يا رب غير معقول».

وتستمر محاولات التدليك الصناعى للقلب.

وتتكرر تجربة الصدمة الكهربائية، والجسد الطاهر المسجى يختلج، ولكن الهدوء يعود بعد كل اختلاجة… بلا حس ولا نبض.

وأحسست أن الأطباء قد فقدوا الأمل… وأنهم لا يحاولون بالعلم… ولكن يحاولون ضد العلم.

وجاء على صبرى ووقف مبهوتا أمام ما يجرى.

وجاء حسين الشافعي، واستدار إلى القبلة يصلى لله.

وجاء أنور السادات ووقف أمام الفراش رافعا وجهه إلى السماء يتمتم بآيات من القرآن.

ودخل الفريق أول محمد فوزي والذهول يملأ وجهه، فى نفس اللحظة التى قال فيها أحد الأطباء:

«أن كل شيء قد انتهى…»

وقال الفريق أول فوزى بحدة ملتاعة:

 «لا… لا يمكن… واصلوا عملكم »

وانفجر الدكتور منصور فايز باكيا… وانفجر معه كل الأطباء باكين.

وانهمرت الدموع.. طوفان من الدموع.

ودخلت السيدة الجليلة قرينته إلى الغرفة المشحونة بالجلال والحزن، لا يمكن لأحد أن يصف أحزانها المتوهجة كالجمر المشتعل…

أمسكت يده تقبلها وتناديه.

وسمعت أحد الباكين يقول:

 الرئيس… الرئيس…

والتفتت تقول:

« لا تقولوا الرئيس… قولوا أنه جمال عبدالناصر وكفى… سيبقى بالنسبة لى وللناس كلهم جمال عبدالناصر ».

ثم انحنت عليه تقبل يده مرة أخرى وهى تقول:

« لم يكن لى فى الدنيا سواه… ولا أريد فى الدنيا غيره… ولا أطلب شيئا إلا أن أذهب إلى جواره حيث يكون».

ثم التفتت إلى السيدة الجليلة فى حزنها الذى يفتت الصخر، تسألني: «قل لى أنت… رد عليّ… ألن أسمع صوته بعد الآن؟»

وأقبل أحد الأطباء يغطى وجهه.

ونظرت إليه متوسلة بالدموع والنشيج:

«اتركوه لي… أنظر إليه… أملأ عينى به».

واستدار كل من فى الغرفة خارجين… تاركين لها اللحظة الأخيرة، وحدها معه.

وعندما جاءت السيارة التى تنقل جثمانه الطاهر إلى قصر القبة، كانت فى وداعه حتى الباب، وكانت كلمتها المشبوبة باللهب الحزين والسيارة تمضى به:

« حتى بعد أن مات… أخذوه مني… لم يتركوه لى»

وانطلقت به السيارة فى جوف الليل الحزين.

وسرى النبأ كعاصفة برق ورعد وزلزال يهز البحر الأبيض ـ قلب الدنيا وبؤرة التاريخ ـ من أعماق الأعماق إلى ذرى الأمواج العالية:

< وفى شرق البحر الأبيض ـ فى عمان ـ تسمرت الدبابات فى أماكنها، وخرج رجال المقاومة من خنادقهم يصرخون وينادون عليه.

وأجهش حافظ أسد وزير الدفاع السورى بالبكاء وهو يقول: كنا نتصرف كالأطفال، وكنا نخطىء.. وكنا نعرف أنه هناك يصحح ما نفعل ويرد عنا آثاره.»

< وفى شرق البحر الأبيض ـ فى تل أبيب ـ كان النبأ أخطر من أن يصدق للوهلة الأولى، وقالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل: من الذى أطلق هذه النكتة السخيفة؟»

ثم تأكد النبأ، وخرجت جولدا مائير تشارك شعب إسرائيل فرحته بالخلاص من أعدى أعداء إسرائيل.

وأصدر ديان أمره إلى القوات المعدة للتدخل الإسرائيلى الأمريكى أن تتفرق..

< وفى شمال البحر الأبيض، كان الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون قد صعد لتوه إلى ظهر حاملة الطائرات ساراتوجا.. ثم توجه إلى كابينة القيادة التى سيحل بها أثناء مناورات الأسطول الأمريكى السادس، التى كان الهدف منها أن يسمع جمال عبدالناصر فى القاهرة، صوت مدافعه.

ودخل عليه مساعده هالدمان بالنبأ.

وذهل نيكسون..

ثم كان قوله بعد قليل: «لا داعى الآن لهذه المناورة كلها».

وصمتت قعقعة السلاح على قطع الأسطول الأمريكى السادس، وطأطأت المدافع رؤوسها للحدث الخطير الذى يتعدى بآثاره كل الحدود.

وران على البحر الأبيض ـ قلب الدنيا وبؤرة التاريخ ـ سكوت كسيف، وهدأت العواصف وارتمت الأمواج على الشواطىء وقد استنفدت كل قواها، وكان جمال عبدالناصر فى حياته أكبر من الحياة.

وكان جمال عبدالناصر بعد رحيله أكبر من الموت!

محمد حسنين هيكل

بصراحة.. الأهرام في: 16-10-1970

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: