رؤى

٢٠ عاماً على «انتفاضة الأقصى» التي أحيت الشارع العربي

في مثل هذه الأيام من شهر سبتمبر عام ٢٠٠٠ أي منذ عشرين عاماً بالتمام والكمال، كان كاتب هذه السطور واحداً ضمن آلاف من المصريين ممن الذين ملأوا جنبات الشوارع في القاهرة تلبية لنداء المسجد الأقصى الذي أطلقته الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي حملت اسمه.

كانت الهبة الجماهيرية التي انطلقت في الثامن والعشرين من سبتمبر رداً على اقتحام مجرم الحرب الصهيوني ارييل شارون لباحات الحرم القدسي خاتمة لمرحلة خاضتها الأمة برمتها وفاتحة لعهد جديد في رأيي وذلك لعدة أسباب:

اولاً: أخرجت الانتفاضة الشعب الفلسطيني من صحراء التيه التي أدخلته إليها مفاوضات مدريد ثم اتفاقية أوسلو في مطلع التسعينات، واستبدلت صورة الفلسطيني المفاوض بالفلسطيني المقاوم مرة أخرى بعد غياب طويل لتلك الصورة التي عهدها العالم منذ انطلاق الكفاح الفلسطيني المسلح؛ أو ما يعرف بالثورة الفلسطينية عام ١٩٦٥.

كما أعادت الاعتبار للنضال الشعبي بأشكاله المختلفة سواء السلمي كما تمثل في الحركة النشطة في مدن وقرى الضفة الغربية ضد جدار الفصل العنصري الذي شيده شارون، أو في شكل المقاومة المسلحة التي تأثرت بنموذج المقاومة في الجنوب اللبناني (١٩٨٢-٢٠٠٠) والتي أنتجت بحلول عام ٢٠٠٥ انسحاباً صهيونياً من قطاع غزة وتفكيك الكتل الاستيطانية هناك.

ثانياً: أسست الانتفاضة لمرحلة جديدة من التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية وساهم في ذلك إلى حد كبير انتشار القنوات الإخبارية العربية وقدرتها على توثيق التجاوزات الصهيونية بالصوت والصورة، كما في حادثة الطفل الشهيد محمد جمال الدرة الذي قضى برصاص جنود صهاينة وهو في حضن أبيه وباتت صورته بمثابة أيقونة للانتفاضة مما أفقد الجانب الصهيوني القدرة على تقديم ذاته كضحية، وهي الصورة التي دأب على تقديمها للجمهور الغربي على مدار سنوات طوال.

ثالثاً: أخرجت الانتفاضة الشارع العربي وخاصة المصري من حالة سكون طويلة امتدت منذ المظاهرات الشعبية التي رافقت الغزو الصهيوني للبنان عام ١٩٨٢، حيث انتشرت المظاهرات والفعاليات الجماهيرية المتضامنة والمؤيدة للانتفاضة انتشار النار في الهشيم، وشملت فئات عدة من بينها الطلبة والعمال والموظفين، كما تجاوزت التظاهرات الحزبية الضيقة وجمعت أطيافاً شتى تماماً كما جمعت المسلمين والأقباط.

كما تفننت الجماهير في ابتكار أشكال مختلفة للتعبير عن تضامنها مع القضية فلم يقتصر الأمر على التظاهر وإنما امتد إلى حملات المقاطعة والمؤتمرات الشعبية والمحاكمات الشعبية لمجرمي الحرب الصهاينة.

ويمكن القول إن سنوات الانتفاضة مهدت لاستعادة الشارع لدوره، ذلك الدور الذي برز مرة أخرى إبان العدوان الأمريكي على العراق عام ٢٠٠٣.

فما إن هبطت أولى القذائف الأمريكية على العاصمة العراقيه بغداد في العشرين من مارس عام ٢٠٠٣؛  حتى تدفقت الجماهير إلى شوارع القاهرة في خروج عفوي وصفه مراسل وكالة رويترز في القاهرة آنذاك بانه الأكبر من نوعه منذ جنازة جمال عبد الناصر.

ومن الملاحظ أن ذات النشطاء الذين خرجوا إلى الشوارع عام ٢٠٠٠ والذين ابتكروا أنماطاً مختلفة للحراك وإيصال الدعم اللازم إلى أهل فلسطين هم ذاتهم الذين أبدعوا بداية من عام ٢٠٠٤ أشكالاً للاحتجاج تتجاوز الإطار الحزبي الضيق مثل حركة كفاية وحركات التضامن مع النضال العمالي وغيرها.

توج هذا الحراك الذي استمر في التمدد والتوسع على مدار سنوات سبع متتالية بانتفاضة الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١.

وهنا أيضا وفي قلب ميدان التحرير الذي بات عنواناً ومقراً ورمزاً لتلك الانتفاضة الشعبية كانت فلسطين حاضرة في هتافات وشعارات المتظاهرين، بل أن العلم الفلسطيني كان العلم الوحيد بخلاف العلم المصري الذي رفرف عالياً في سماء التحرير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: