رؤى

شمال وجنوب.. قل عالم منهوب ولا تقل عالم “ثالث” 

كنت أتابع بشغف موخراً فيلماً تسجيلياً عما عرف ب”الأزمة الماليزية” التي استمرت منذ نهاية الأربعينيات وحتى مطلع الستينات.

كان تعبير “الأزمة الماليزية” تعبيراً نقشه عن عمد الاستعمار البريطاني لذلك البلد الآسيوي لوصف الكفاح المسلح الذي بدأه الحزب الشيوعي الماليزي طلباً لاستقلال البلاد٫ وبطبيعة الحال لم يرد المستعمر استخدام تعبيرات من قبيل “انتفاضة مسلحه” أو “حرب تحرير” لوصف هذه الأحداث واكتفى بلفظ أزمة في محاولة لنزع أي نوع من الشرعية عن هذا النضال.

الأزمة الماليزية
الأزمة الماليزية

لفت نظري جملة وردت على لسان إحدى الشخصيات البريطانية المشاركة في الفيلم حيث أكد تمسك بريطانيا بهذه المستعمرة ورفض منحها الاستقلال بالرغم من أن حرب العصابات المستعرة في غاباتها كان يرجع إلى طبيعة الموارد التي كانت ماليزيا تملكها وكانت بريطانيا تستغلها.

كانت ماليزيا تملك ثروة طبيعية هائلة من كل من القصدير والاخشاب إلا أن أرباح مبيعات كلا الموردين كانت تصب مباشرة في خزانة الإمبراطورية البريطانية في لندن.

ولم تجد بريطانيا حرجاً في استخدام عمال من كل من الهند والصين بأجور زهيدة للعمل في مصانع الاخشاب والقصدير التي أقامتها بطول البلاد وعرضها٫ الأمر الذي غير التركيبه السكانيه لماليزيا وحولها من بلد متجانس عرقياً الى حد ما الى فسيفساء من ثلاثة أعراق: الملايو والصينيين والهنود.

أخشاب ماليزيا
أخشاب ماليزيا

وبطبيعة الحال فلم تكن بريطانيا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة اقتصادياً على استعداد للتضحية بهذه الموارد الطبيعية٫ خاصة وأن موارد ماليزيا كانت تجلب لها من الدولارات الامريكية ضعف ما كانت تجلبه لها مستعمراتها الأخرى مجتمعة.

لم أملك إلا أن أقارن قصدير وأخشاب ماليزيا بقطن مصر الذي أصر اللورد كرومر٫ مهندس الاستعمار البريطاني على أرض المحروسة على حصر منتجات مصر الزراعية فيه وذلك بطبيعة الحال لكي يلبي القطن المصري طويل التيلة احتياجات مصانع الغزل والنسيج في بريطانيا.

وجدت نفسي أمام حقيقة تاريخية ثابتة أكدها لي هذا الفيلم :

أن ذلك الجزء من عالمنا الذي يصر السيد الأبيض القاطن في عالم الشمال (أمريكا الشمالية – أوروبا) وتابعه “الليبرالي” في بلداننا على تسميته بـ “العالم الثالث”، ليس في الواقع “ثالثا” ولا نامياً ولا كما يقول البعض في فجاجة “متخلفاً”، إنه ببساطة عالم منهوب مستلب، تناوب على نهبه، منذ فجر القرن السادس عشر الميلادي، قوى عالم الشمال وأثرت على حساب ثرواته الطبيعية، فما كان لفرنسا مثلاً أن تكون كما يراها زائرها اليوم لولا نفط كل من الجزائر والغابون وأخشاب الكاميرون وماسات سييراليون وما كان لبلجيكا أن تشهد نهضة في عهد ملكها ليوبولد الثاني لولا أن هذا الأخير اعتبر بلداً افريقياً هو الكونغو مزرعته الخاصة وسخر شعبه بأكمله لزراعة المطاط في عملية راح ضحيتها عشرة ملايين كونغولي.

ليوبولد الثاني والكونغو
ليوبولد الثاني والكونغو

وحتى بعد نيل الغالبية العظمى من بلدان الجنوب استقلالاً اسمياً لا أكثر عن مستعمريها الشماليين، لم تتوقف منظومة النهب والسلب الاستعمارية ،إلا أنها اتخذت شكلاً أخر لا غير: شكل الانقلابات العسكرية التي تطيح بأية أنظمة لا تفتح الأسواق على مصراعيها (مصدق- الليندي- نكروما…الخ) وأيضاً اغتيال أية قيادات تجرؤ على طلب الاستقلال الحقيقي (سانكارا- لومومبا…الخ) وذلك حتى يبقى غاز الجنوب يشعل مدفأة السادة في عالم الشمال وحتى يبقى نفطه محركاً لمصانعهم وحتى تبقى مواده الخام على اختلافها معروضة في أسواقهم.

إن استخدام مصطلحات من قبيل “العالم الثالث” والدول النامية والبلدان المتأخرة في محاولة لتحميل أبناء الجنوب وزر هذا “التأخر” هو في حقيقة الأمر إعفاء مجاني وتبرئة للمتسبب الحقيقي في ما كان ويكون.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: