ثقافة

إبراهيم البحراوي و«شهادة باحث خلف خطوط العدو»

كثيرة هي الشهادات المنقولة لنا عن الصراع العربي الإسرائيلي. متعددة ومتنوعة ومعظمها من قادة عسكريين وساسة ورجال استخبارات، لكن القليل منها هو ما يخُص علماء يستقرئون الأدمغة ويطلون على المشاهد طلات أكثر تعمقا وأوسع استكشافا.

من هُنا تستحق ذكريات (أو مذكرات مثلما يسميها) الدكتور إبراهيم البحراوي أستاذ اللغة العبرية والأكاديمي المتخصص في الدراسات الإسرائيلية، والصادرة قبل أيام عن دار الشروق تحت عنوان “حكاية مصري مع إسرائيل” كل عناية ودراسة واهتمام؛ نظرا لما تُقدمه من رؤى تتجاوز تحليلات الخبراء الإستراتيجيين المباشرة، وتتمايز عن خطابات الساسة الزاعقة.

فضلا عن ما توصل إليه من تحليلات مهمة للغاية، بناها اعتمادا على استجواباته للأسرى الإسرائيليين، في حربي 1967، و1973، وقراءاته للقصائد والقصص الأدبية الإسرائيلية إبان ذروة الصراع العسكري فيما بعد، إلى جانب ترجمته لعشرة آلاف صفحة من وثائق حرب أكتوبر الإسرائيلية بعد الافراج عنها مؤخرا.

لقد شاءت إرادة الله أن تصدر الشهادة، بعد أن سبقنا الرجل لدار البقاء، في يناير الماضي لتبدو كعلم يُنتفع به إلى يوم القيامة، ليفتح الباب أمام باحثين وعلماء كثر يدفعهم الشغف نحو الإسرائيليات دراسة وتحليلا واستقراء.

وقبل أسابيع قليلة من رحيله اختار البوح مُقدما للأجيال القادمة حكاياته كمصري مع إسرائيل، بحثا وعلما وتحليلا واستجوابا لأسراها في الحرب، بعد أن تلقى سؤالا من طفلين صغيرين، هما ابنا الأديب والصحافي علاء ولي الدين، يسألانه عما دفعه للتخصص في اللغة العبرية والدراسات الإسرائيلية.

شغف المعرفة

لقد جُذب الرجل جذبا، وهو المولود في 1944 بمدينة بورسعيد، إلى ذلك المجتمع الغريب، الذي صنع دولة من شتات، واغتصب حقوقا لشعب آخر، ليُقيم عليها مجدا زائفا. في سنواته الأولى عندما كان يسمع المارشات العسكرية الخاصة بحرب فلسطين وأنشودة محمد عبد الوهاب الصادحة في الراديو “أخي جاوز الظالمون المدى”، كان يُدرك أن إسرائيل عدو، وفي العدوان الثلاثي سنة 1956 عندما استشهد زميله في المدرسة الإعدادية حسن برصاص المعتدين من الإنجليز، كان يُدرك أن الاستعمار يحاول قطع طريق الثورة بالاستعانة بإسرائيل.

وفي أتون الغارات على مدن القناة بدا واضحا أن بعض اليهود المصريين تخلوا عن مصريتهم وكانوا يرشدون الطائرات المعادية لمواقع تخرين السلاح، ما دفع عقله للتفكر فيما يدفع هؤلاء لذلك الفعل المشين، وما هي قناعاتهم الفكرية، وما هي رؤاهم للحاضر والغد؟ وهي تساؤلات حفزته إلى تعلم اللغة العبرية وإتقانها والبراعة في قراءتها وترجمتها للولوج منها إلى العقل الإسرائيلي.

تخرج البحراوي في1964 وسجل رسالة الماجيستير في الفكر الديني اليهودي وتحديدا في سفر دانيال، وتم تعيينه معيدا بالقسم بجامعة القاهرة، وعندما اندلعت حرب يونيو 1967 اعتبر نفسه جُنديا مسئولا عن المشاركة والتضحية فيها، ما دفعه للاتصال بضابط صديق طالبا منه تسهيل مهمة تطوعه، فدعاه الضابط الذي كان يعمل بالمخابرات العسكرية للقائه فورا لأنهم يحتاجون لمثله. وبالفعل ذهب ليجلسوه في غرفة لسماع الأخبار بالعبرية وترجمها على الفور، وتطور الأمر عندما طلبوا منه استجواب أسير إسرائيلي أُسقطت طائرته.

وعندما جلس أمامه وسأله عن اسم المطار الذي طار منه، وعدد الطائرات وقائد المطار والذبذبات التي يتصل بها؛ أخرج الأسير بطاقته العسكرية وقلبها على ظهرها وعليها مقتطفات من اتفاقية جنيف التي تحدد حقوق الأسير.. وقال الأسير الإسرائيلي “لن أجيب”.

وقال إبراهيم البحراوي له “ليس مهما تجيب أو لا تجيب. فهذه أسئلة روتينية”، ورد الأسير ” لم؟”؛ فادَّعى البحراوي أن الحرب انتهت وأن القوات العراقية والأردنية دخلت من الشرق والسورية من الشمال وأن القوات الإسرائيلية أعلنت الاستسلام التام. وهم بالخروج فناداه الأسير وقال له إن اسمه دان وقد ولد في أسرائيل وإن والديه هاجرا إليها من بولندا قبل خمس وعشرين عاما. وأخبره البحراوي ـ ادِّعاءً ـ أن الأمريكيين أرسلوا سفنا لإجلاء اليهود إلى أوروبا، ثُم طلب منه إعطاءه عنوانه لتسهيل سفر زوجته لكنه انتفض قائلا: لقد ولدنا في إسرائيل وسنموت فيها. وكانت تلك مفاجأة للبحراوي إذ كانت الفكرة الشائعة بين عامة العرب هي أن اليهود الذين جاءوا من أوروبا محموعة عصابات باحثة عن المنافع في الشرق تحت ستار الفكرة الصهيونية، وكانت تلك أول إشارة لجيل الصابرا الذي ولد في إسرائيل ونشأ فيها.

المهم أن الأسير باح يأسا بالإجابات وكان احتجازه وزملائه وفقا لشروط اتفاقية جنيف حتى أنهم أحضروا له وجبة ساخنة من جروبي. وكان إجمالي الأسرى الذين قابلهم البحراوي وقتها هم أربعة طيارين وسبعة ضفادع بشرية.

مرآة الأدب العبري

ويحكي البحراوي أن إغراق المدمرة إيلات بعد أسابيع قليلة من هزيمة يونيو، أعادت إلى قطاع كبير من الشباب الأمل في إمكانية التغلب على إسرائيل وتحويل الهزيمة إلى نصر. وكان الرجل مؤمنا أن العلم طريق رئيسي لتحقيق ذلك، ما دفعه للأخذ بمنهج قراءة المجتمع واستطلاع توجهاته عن بعد من خلال الأدب.

وبالفعل بدأ في ترجمة الشعر المعاصر لحرب الاستنزاف والمنشور في الصحف الإسرائيلية ودراسته. لقد كان ذلك الشعر مرآة صادقة لأوجاع المجتمع الإسرائيلي نتاج ارتفاع أعداد المجندين القتلى.. ومنها مثلا أبيات للشاعرة شوشانه بيلوس تقول فيها “إن جنون اليأس وخيبة الأمل/ يغرسان في نفسها أحلاما حول واقع ما/ إن كان لها غاية ومصير/ من العار أن يضيعا/ بينما الآن مشاهد الطبيعة ميتة/ ومرئيات سقيمة ذابلة/ تترى ملاحقتها في نفسها.”

ومنها كذلك قصيدة للشاعر إسحق بولاق يقول فيها ” أحس بروائح قوية/ روائح جثث/ روائح لحم في ضرام عنيف/ يُشوى على صدر مقلاة من الرمال/ يزيد من رقعتها ومداها/ مصدر عال.”ويبدو القلق من المستقبل عنصرا حاكما في كثير من قصائد الجيل المعاصر للحرب، وهناك رغبة لدى قطاع كبير للخروج من حالة الحزن الوسيع.

سياحة في العقل الصهيوني

وتتعرض شهادة إبراهيم البحراوي لمحاوراته المستفيضة مع أسرى حرب 1973 والتي استهدفت معرفة مدى إدراكهم لعدالة الهجوم العربي على الجبهتين المصرية والسورية باعتباره هجوما عسكريا من جانب دولتين تعرضت أراضيهما للاحتلال من جانب دولة أجنبية هي إسرائيل، ورؤيتهم للمقاتل العربي وإلى أي مدى تغيرت صورته لديهم. وكان من المهم استنتاج أن الصورة العامة المسيطرة على مجموع الضباط الأسرى هي أن الأطراف العربية لا تريد السلام مع إسرائيل، وأنهم يفضلون عدم الالتفات للمبادرات العربية واستيعابها ذهنيا.

ويقول البحراوي “عندما سألتهم إذا كان احتلالكم لأراضينا هو الوضع الأفضل بالنسبة إليكم فأنتم لم تتركوا لنا خيارا إذ سوى الهجوم عليكم لطردكم بالقوة، وكانت إجاباتهم بأنكم ـ أنتم أيها المصريون ـ بهجومكم استطعتم أن تقنعونا بأننا لسنا في الوضع الأفضل.”

ويعني ذلك أن الحرب مع إسرائيل في أكتوبر كانت حتمية، حتى لو كان الغرض منها تحريك القضية، فإسرائيل فكرا لا يمكنها القبول بسلام أو اتفاق وهي في موقع القوة.

كذلك يُمكن القول إن صورة المقاتل العربي تغيرت تماما بعد حرب أكتوبر وهو انتصار فوق الانتصار الفعلي المتحقق على الأرض. لقد كانوا يتصورون أن الضابط العربي دائما يقف في مؤخرة جنوده يدفعهم إلى الأمام ليتعرضوا للخطر بينما يقف هو خلف أحد السواتر، كما كان لدي الإسرائيليين صورة سلبية تخص استخدام السلاح ومدى كفاءة ذلك، لكن تلك الصورة تغيرت تماما خاصة عند اقتحام خط بارليف وأسر عدد كبير من الجنود.

كذلك فقد كشف الاستجواب أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية يمكن أن تقع في فخ الخداع الاستراتيجي الذي نصبته الأجهزة المصرية للتشويش على تقديرات الموساد.

لكن أهم ما قاله الأسرى في الاستجوابات أنه إذا انتهت المعارك دون طرد القوات الإسرائيلية بالكامل من سيناء مع بقاء القوات الصرية التي دخلتها؛ فإنه ليس لديهم مانع من إجراء مفاوضات حول الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء بشرط ان تكون منزوعة السلاح.

أسرار وثائق الحرب

ويبدو الجانب الأكثر أهمية في شهادة إبراهيم البحراوي هو قراءاته للوثائق الإسرائيلية الخاصة بالحرب، والتي أُفرج عنها مؤخرا. ولاحظ البحراوي أن هناك سطورا وعبارات معينة تم شطبها في الوثائق المفرج عنها وهو ما دفعه إلى وضع تصور علمي لإمكانية استنباط تلك الفقرات .

وذكر الشاهد أن ما لفت نظره هو وجود إشارة في شهادات كبار المسئولين مثل جولدا مائير وموشيه ديان تؤكد أنه كانت هناك محطة تصنت إسرائيلية للتجسس على مصر في أم خشيب. وافترض أن المخابرات المصرية علمت بالمحطة واستخدمتها في تسريب معلومات مضللة ساهمت في إنجاح خطة الخداع الإستراتيجي.

كذلك تبدو بعض الحكايات غريبة ووراءها أعمال مقصودة ضمن الخطة، فجولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية وقتها مثلا سافرت إلى النمسا قبل الحرب بأيام قليلة من أجل الاطمئنان على يهود تعرضوا للاختطاف والهجوم من خلال مجموعة فلسطينية، وهو ما يُمكن أن يكون للأجهزة المصرية دور فيه لشغل رئيسة الوزراء بأمور خارجية.

ومن المثير أن صورة الرئيس السادات لدى الموساد كانت صورة كاريكاتورية مفادها أنهم أمام مهرج ديكتاتور يجهل كل شئ ولا يستشير أحدا، وهذه الصورة رسمها عميل مصري لإسرائيل تتحدث عنه الوثائق الإسرائيلية وهو في الغالب أشرف مروان صهر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.

وكشفت وثائق التحقيق مع المسئولين الإسرائيليين عن إهمال آراء وتحذيرات باحث مدني مهم لديهم اسمه ألبرت سودائي وهو من أصل عراقي وكان يرى أن الاستخفاف بالرئيس السادات في غير محله بتاتا.

وقال البحراوي في شهادته إنه يعتقد – بوصفه باحثا مصريا – أن الرئيس السادات استخدم كل الأدوات المتاحة بين يديه ليوقع الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها في فخ خطة الخداع الإستراتيجي بما في ذلك الترويج لصورة هزلية عن شخصيته، وهو ما يجعله يستحق لقب ثعلب الخداع الاستراتيجي في المنطقة.

ويقف إبراهيم البحراوي عند نقطة مهمة هي الاعتراف الإسرائيلي في الوثائق بالهزيمة العسكرية، وهي ما حاولت فيما بعد إنكاره وعمل دعاية مضادة تفيد انتصارها. إن ذلك الاعتراف يتحدد وفق الوثائق بقول موشى ديان إنهم خسروا 300 دبابة من مجموع 700 دبابة يمتلكونها في سيناء، وبطلبه سحب جميع القوات إلى منطقة المضايق على بعد 35 كيلو من القناة، وتأكيد القادة العسكريين لجولدا مائير في اجتماع يوم 8 أكتوبر بأنه لا مفر من استعجال وصول الأسلحة والقوات الأمريكية من القواعد القريبة في أوروبا. وظلت الاستغاثات الإسرائيلية متكررة حتى يوم 13 أكتوبر ما يعني استمرار تعرضهم للهزائم العسكرية.

إن مطالعة الوثائق الإسرائيلية بالرغم من تأخير نشرها أربعين عاما وبالرغم من مواضع الحذف العديدة تعري الحملة الدعائية الإسرائيلة حول التعادل بني الجيشين المصري والإسرائيلي وتبرهن على صحة ما قاله السادات من كونه وجد نفسه يحارب أمريكا وليس إسرائيل بالمعني الحرفي للكلمة وليس بالمعني المجازي، على حد قول صاحب الشهادة.

ويقدم الشاهد حكاية خاصة عن رفضه مقابلة نتنياهو في زيارته للقاهرة سنة 1997، إذ تلقى اتصالا من أسامة الباز مستشار الرئيس يطلب منه الحضور ومشاركة مثقفين مصريين بعدالة القضية الفلسطينية. وأجاب البحراوي قائلا ” أنت تعرف أن نتنياهو غير جاهز فكريا لقبول مبدأ إقامة دولة فلسطينية وهو أسير لشعار من النهر إلى البحر والحوار معه مضيعة للوقت. أجاب الباز: أنا عارف موقفه لكن اختلف معك حول أهمية الحوار معه من جانب مثقفي مصر لأنه يجب أن يسمع وجهة نظركم. وقال البحراوي : إن عقله مغلق تماما على فكرة أن الضفة هي يهودا والسامرة وأنه لا يمكن التخلي عنها. ورد البحراوي أنه سيحضر الاجتماع لو سمح له بسؤاله عن إحساسه بعد أن أصبح رئيسا للوزراء على جثة رابين، خاصة أنه شن ضده حملة أدت إلى اغتياله، فقال الرجل: إن السؤال غير لائق وهو في ضيافة مصر، فقال البحراوي: إذن سأتغيب عن اللقاء لأنني ما زلت اشعر بالغضب لاغتيال رابين وتولي نتنياهو، وتفهَّم الباز رأيه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: