رؤى

أغنيات النصر.. بين بطولات الجنود ومحاذير السياسة 

منذ لحظة المحنة التى عاشتها مصر فى الخامس من يونيو 1967 ولم تتوقف الأغنيه عن التبشير بالنصر ولم تنكسر رغم الهزيمة المعنوية التى أصابت البعض، لكن الفنون ظلت مرابطه على خط النار.. تدفع الجنود نحو الثأر وتحرض الشعب على التماسك والإستعداد لمعركة التحرير..

فلا شىء سوى الحرب ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة وصار الوجدان الجمعى الذى نضج خلال الحلم القومى صار قادرا على الصراخ فى وجه العالم صرخة “محسنة توفيق” فى فيلم الراحل يوسف شاهين “عودة الإبن الضال” حين صرخت وصرخ معها الجميع “هنحارب … هنحارب “

لم تفلح النكسه فى كسر إرادة شعب عرف التحديات والعدوان لأكثر من أربعين مرة – على الأقل – فى تاريخه.

بعد أقل من شهر من يونيو الحزين تبدأ واحدة من أعظم الحروب المصرية وهى حرب الاستنزاف وينطلق صوت “عبد الحليم ” بكلمات “عبد الرحمن الأبنودى “فى صيحة أمل: “أبدا بلدنا للنهار … بتحب موال النهار “.

وتستمر المعركة ويستمر الغناء ويقدم صناعها أروع ما سمعته مصر من أغنيات وطنية عبر تاريخها المعاصر فالجميع يتسابق للغناء على الجبهة حيث الجنود المرابطون انتظارا للحظة الحسم وساعة الصفر

كانت الأغنية هى الأداة الفنية الأسرع والأكثر تأثيرا ونفاذا إلى الوجدان بالمقارنة بالأدوات الفنيه الأخرى كالسينما والمسرح والدراما التي تحتاج بعض الوقت لتقديمها للجمهور بينما كان “بليغ حمدي” يجلس على سلالم” الدور السابع بالإذاعة لكتابة الألحان وتسجيلها فى استوديو الإذاعة رقم 46 الذى شهد تسجيل أغلب أغانى العبور.

كانت اللحظة التى انتظرها ملايين العرب تتجسد بصوت الإعلامى “حلمى البلك” يتلو بيانات القوات المسلحة تباعا لتتحول مصر إلى ساحة كبرى للاحتفال بالعبور وترقب تطورات الموقف ويحتضن الجميع أجهزة “الراديو” وتشرئب الرؤوس وتلمع العيون بالفرحة ونشوة الانتصار .

كان الشاعر “عبد الرحيم منصور ” هو الأسرع فى التفاعل مع لحظة العبور وكتب أغنيه “بسم الله … الله أكبر ” والتى لحنها على الفور بيلغ حمدى لتكون أول أغنيه تقدمها الإذاعة بصوت المجموعة..

ويواصل الثنائي “بليغ حمدى – عبد الرحيم منصور” حضورهما المميز والأكثر إنتاجا في لحظة النصر وفى فجر يوم 7 أكتوبر يقدمان بصوت “وردة ” واحدة من أروع أغنيات النصر وهى “على الربابة باغنى”..

وقد واجهت تلك الأغنيه عقبة عدم توفر ميزانية حيث كانت كل الميزانيات في الإذاعة موجهة للمعركة، وبالتالي لم يكن هناك ميزانية لتتحمل الإذاعة المصرية تكاليف تسجيل الأغنية للموسيقيين والكورال، فكتب الموسيقار بليغ حمدي والفنانة وردة إقراراً بتحملهما كافة مصاريف الموسيقين والكورال، وعند وصول قائد الفرقة الماسية الراحل أحمد فؤاد، قام بإبلاغ مسؤول إنتاج الإذاعة المصرية الأستاذ وجدي الحكيم أن جميع الموسيقيين والكورال متبرعون بأجرهم بالكامل وسيسجلون الأغنية بدون أجر والإذاعة قدمت فقط الأستوديو لتسجيل الأغنية وبالفعل تم تسجيل الأغنيه وتمت إذاعتها على الفور وتحولت إلى أيقونة فنية:

“وانا على الربابة بغني
وابارك كل خطوة اتعدي عاالطريق الصعب .. يامصر
وانا على الربابة بغني
وبغني غنوة الحرية قول معايا ياشعب
تحيا مصر تحيا مصر
حلوة بلادي “

ويواصل الثنائي “بلبغ – منصور” تألقهما المدهش وإنتاجهما الغزير ويستلهمان من مقال “توفيق الحكيم” الذي نشره بصحيفة الأهرام تحت عنوان “عبرنا الهزيمة” ليقدما أغنيه بنفس العنوان وتغنيها الراحلة شادية.

كان المخرج “يوسف شاهين ” قد انتهى من فيلم “العصفور” الذى شارك فى كتابته “لطفى الخولي” وكانت نهاية الفليم هى أغنيه تبشر بالنصر كتبتها الشاعرة “نبيلة قنديل” ولحنها زوجها الموسيقار “على إسماعيل” وكان الفليم قد تأجل عرضه بسبب اعتراض الرقابة عليه وعندما عبرت القوات المصرية توجه “شاهين” إلى الإذاعي وجدى وأهدى الإذاعة تلك الأغنيه قائلاً: “لأن الوطن أغلى من الفيلم” وذهب إلى الإذاعة بصحبة الموسيقار علي إسماعيل وسجلت المجموعة الأغنية. وتم استبدال مشهد النهاية بأغنية “الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم “مصر يا امه يا بهية ” وهى الأغنيه التى استوحى منها “لطفى الخولى” فكرة الفليم منذ أن سمعها..

وقدمت الشاعرة “نبيلة قنديل” مع الملحن “على إسماعيل ” أحد أهم أغنيات النصر وهى “أم البطل” التى غنتها شريفة فاضل عقب استشهاد ابنها في حرب أكتوبر

وفي أثناء تسجليها بالإذاعة وبمجرد أن غنت المقطع الأول؛ سقطت من شدة التأثر، وتكرر هذا الموقف عدة مرات، حتى سمعت المطربة فايزة أحمد، التي كانت موجودة بالأستوديو مصادفة، وقالت لها “لو مش قادرة تغنيها.. بتغني ليه؟!”. وقالت شريفة فاضل أن هذا الجملة زادت من إصرارها وتماسكت وقررت أن تسجلها من أول مرة دون توقف، وقد كان ولم يستغرق تسجيلها أكثر من ساعات .

وكانت الأغنية العظيمة التي وردت في فيلم العصفور (رايحين شايلين في إيدنا سلاح.. راجعين شايلين رايات النصر) من كلمات نبيلة قنديل وألحان علي إسماعيل إحدى تجليات الانتصار العظيم..

لم يكن “عبد الحليم حافظ ” بعيدا عن المشهد رغم التوتر الذى نشأ بينه وبين الرئيس السادات منذ توليه بسبب توجيهات الرئيس بمنع عدد من أغنيات ثورة يوليو من الإذاعة بالإضافة إلى رغبة كل من “العندليب” و”كمال الطويل” عدم الغناء لشخصٍ بعد ذلك

بحث العندليب عن أغنيه يقدمها للعبور وعُرض عليه فقدم مع كمال الطويل أغنيه “عاش اللى قال للرجال عدوا القنال” من كلمات محمد حمزة.

بينما كانت أغنيه “الباقى هو الشعب ” من نصيب “عفاف راضي” وعانت تلك الأغنية من منع لسنوات وتهميش كبير من الإذاعة المصرية وذلك لأسباب رقابية!

وبعد عام من العبور لجأ العندليب إلى “الأبنودى ” الذى كان حينذاك مقيما فى لندن ضمن وطلب منه كتابه أغنية لسيناء وكانت واحدة من أروع ما كتب عن العبور “صباح الخير يا سينا” والتى لحنها “كمال الطويل”

فى الاوله …
قلنا جيِّنلك وجينالك ولا تهنا ولا نسينا
والتانية ….
قلنا ولا رملاية فى رمالك عن القول والله ما سهينا
والتالته ….
إنتي حملي وأنا حمالك صباح الخير يا سينا
وصباح الخير يا سينا رسيتي فى مراسينا

وتواصلت الأغنيات التي احتفت بالجندي المصري وسجلت بطولاته بعيدا عن اختزال النصر فى الزعماء والقادة؛ فقدمت “سعاد حسنى” من كلمات “أحمد فؤاد نجم” ولحن “كمال الطويل” أغنيه “دولا مين ودولا مين

وخلال أكتوبر 1973 ذهبت السندريلا سعاد حسني إلى الإذاعي وجدي الحكيم وقالت له: “أنا عايزة أغني للأبطال” وأسمعته الكلمات، فقال لها الإذاعي وجدى الحكيم: أين الشاعر؟ هنا دخل إلى المكتب الشاعر  أحمد فؤاد نجم وقال: “أنا أرسلت سعاد حسني لأنني لو حضرت سوف ترفض الكلمات لأنك لا تحبني”. فقال له وجدي الحكيم: “لا.. أنا بحب الكل” وهنا قال الشاعر: “إذن أنا فهمت غلط، وسجلت سعاد حسني الأغنية .

وكان الجميع يتسابق لتقديم أغنيات النصر، كثير منها لم يحقق النجاح المرجو، وقد بلغ عدد الأعمال الغنائية التي قدمت لعبور أكتوبر ما يقرب من 70 عملا بينها 15 أغنيه من غناء المجموعة.

ومن أهم تلك الأغنيات “صبرنا وعبرنا” للمجموعة تلحين محمود الشريف، و”سمينا وعدينا” لشهر زاد تأليف علية الجعار وتلحين عبد العظيم محمد، و”باب الفتوح” لنجاة، و”النهاردة كل شىء أصبح له معنى” تأليف مجدى نجيب، و”صباح النصر” لفايزة أحمد وقدمت المطربة نجاح سلام “صوت المآذن” مع الملحن أحمد صدقى، أما الملحن محمود الشريف فعاد وقدم “صبرنا وعبرنا” وقدم محرم فؤاد “يا مصرنا يا حرة”، وقدم المطرب السورى موفق بهجت “يا جندي بلادى يا بطل”، وعفاف راضي “يا قمر خدنى لحبيبى” و”تسلمى يا شدة يا صانعة الرجال” فيما قدم محمد رشدى “مصر أول حب” و”راجعين لعشنا”، بينما قدمت فايزة أحمد أغنية صباح النصر يا مصريين.

رصيد هائل من الغناء منحته “ملحمة أكتوبر” للأغنيه الوطنيه لكنه سرعان ما توقف، ربما يكمن السبب فى اتفاق وقف إطلاق النار الذى وقعته مصر وما تلا ذلك من توجه معلن نحو الرغبة في السلام والتصريح بأن أكتوبر آخر الحروب إضافة إلى توتر قد نشأ مبكرا بين أنور السادات وعدد من رموز الفن والثقافة دفع مطرب بحجم “عبد الحليم حافظ ” إلى التوقف عن تقديم أغنيات وطنيه واكتفى بالأغنيات العاطفية والقصائد الطويلة ..

رغم كل شىء يبقى العبور ملهما للإبداع وكاشفا عن طاقات إبداعيه ما تزال تمنحنا القدرة على الحلم والغناء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: