رؤى

العالم على مفترق طرق.. العولمة أو الانقراض

عرض وترجمة: أحمد بركات
يقترب العالم من شهر نوفمبر، وتتجه العيون في جميع البقاع إلى الولايات المتحدة. وفي ظل حرائق في كاليفورنيا، واحتجاجات في ويسكونسين، ورئيس يحرض على العنف في واشنطن، تحظى الانتخابات القادمة باحتفاء السياسيين في الحزبين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري، باعتبارها الأهم على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة. “لقد باتت شخصية الولايات المتحدة على المحك”، كما يحب السياسيون أن يصفوا الحال في دعوتهم للناخبين والأنصار إلى المشاركة والتصويت.

لكن هذه الانتخابات تضع على المحك – في واقع الأمر – ما هو أكثر بكثير من ’الشخصية الوطنية للولايات المتحدة‘. فمن التغيرات المناخية إلى كوفيد – 19، سوف تحدد نتائج هذا السباق مصائر تتجاوز بكثير حدود الولايات المتحدة لأجيال قادمة. هذه القوة الهائلة – وليس دونالد ترمب نفسه – هي ما يرسم ملامح الأزمة الأمريكية الراهنة.

مناظرة الرئاسة الأمريكية بين ترامب وبايدن
مناظرة الرئاسة الأمريكية بين ترامب وبايدن

ثم مفارقة في قلب النظام العالمي. فمن ناحية، هناك اعتراف واسع النطاق بأن تحديات هذا القرن – سواء الخاصة بالمناخ، أو رأس المال، أو الوباء الفيروسي – تتسم بطبيعة عالمية. ومن ناحية أخرى، توجد مجموعة فاعلة صغيرة تتمتع وحدها بصلاحية مواجهة هذه التحديات. ويمثل القوميون السلطويون، من شاكلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، جزءا من هذه المجموعة. وعلى المنوال نفسه، يعمق جيف بيزوس، الرئيس التنفيذي لشركة “أمازون”، أسس إنشاء إمبراطورية عالمية، كما يشكل بيل جيتس الصحة العامة من حسابه المصرفي الشخصي.

ومن ثم، فإن مخاطر الانتخابات لا تعكس فقط الفروق بين دونالد ترامب وجو بايدن، وإنما أيضا هشاشة نظام عالمي يمكن فيه لحفنة من الرجال تدمير عالم بأكمله لمجرد استجابة لنزوة مجنونة. وما لم نواجه هذا الخلل في موازين القوة – بين الشمال والجنوب، وبين الولايات المتحدة وجيرانها، وبين فاحشي الثراء والباقين – فسوف نواصل العودة إلى حافة الهاوية.

اختصارا، لم يعد لدينا سوى خيار وحيد وبسيط، إما الأممية (العولمة) أو الانقراض. إما أن نُكون جبهة مشتركة من العمال والشعوب تستطيع أن تسترد العالم من هذه المجموعة المصغرة من الأوليغاركيين (النخبة الحاكمة) والسلطويين، أو سيواصل هؤلاء جمع الثروة والسلطة، ومشاهدة العالم يحترق من زجاج نوافذهم المُحكمة.

في هذا السياق، دشنت “المنظمة الدولية التقدمية” في مايو الماضي مهمة بناء هذه الجبهة المشتركة، ودعوة القوى التقدمية في جميع أنحاء العالم للانضمام إلى النضال.

منذ ذلك الحين، اتسعت هذه الجبهة لتشمل اتحادات وأحزاب وحركات تعبر عن ملايين الأفراد في جميع أنحاء العالم، بدءا من “التحالف الوطني للحركات الشعبية في الهند”، ومرورا بـ “المؤتمر الشعبي” في كولومبيا، ووصولا إلى “حركة الأشخاص الذين لا يملكون أرضا” في ناميبيا.

التحالف الوطني للحركات الشعبية في الهند
التحالف الوطني للحركات الشعبية في الهند

كما دشن أعضاء “المنظمة الدولية التقدمية” حملات دولية حول قضايا من قبيل إلغاء الديون في النصف الجنوبي من العالم، وقاموا أيضا بتطوير رؤية سياسية حول “العالم بعد كوفيد – 19″، وأنشأوا خدمة سلكية لترجمة ونشر وجهات نظر نقدية تتغافل عنها وسائل الإعلام الرئيسية في جميع أنحاء العالم.

صحيح أن جائحة كوفيد – 19 قد أجلت خطط اجتماع مجلس المنظمة في ريكيافيك، أيسلندا، إلا أن هذه الجائحة قد زادت أيضا من سرعة أزمات الديمقراطية وعدم المساواة والانهيار البيئي، ودعت القوى التقدمية في كل مكان للعمل سريعا وبصورة حاسمة.

لهذا السبب عقدت “المنظمة الدولية التقدمية” قمتها الافتتاحية في النصف الثاني من سبتمبر الماضي لرسم خريطة للأزمة الراهنة، واستعادة المستقبل المشترك، وتعزيز الجبهة العالمية من أجل الاضطلاع بهذا الدور.

وقد جمعت هذه القمة أعضاء المجلس للمساعدة في وضع توجه استراتيجي للعام القادم. وشملت قائمة الأعضاء أرونا روي، ناشطة سياسية واجتماعية هندية، وفانيسا ناكيت، ناشطة أوغندية في مجال العدالة المناخية، اللتين شاركتا في فعاليات التدشين في مايو الماضي. كما ضمت القائمة أيضا اسماء جديدة، مثل الدكتور كورنيل ويست، الفيلسوف والناشط السياسي الأمريكي، وناتاليا بوندافيدس، عضو حزب العمال ومجلس النواب البرازيلي، اللذين انضما إلى المجلس منذ ذلك الحين.

الدكتور كورنيل ويست
الدكتور كورنيل ويست

وجمعت القمة حركات مختلفة لمشاركة نضالاتهم وتشكيل مستقبل المبادرة. وتراوحت الأسئلة التي تم مناقشتها بين ’إنشاء نظام عالمي جديد”، و”بناء القوة في فترة أزمة كوفيد – 19″. ودعت القمة الجماهير للمشاركة في المناقشات. وتضمنت فعاليات اليوم الثاني كلمات رئيسية لكل من نعوم تشومسكي، ويانيس فاروفاكيس، ونعومي كلين. كما شملت حلقات نقاش حول موضوعات مثل “مستقبل الديمقراطية في أمريكا اللاتينية”، و”آفاق ما بعد الرأسمالية في العالم”. وبرغم أن “المنظمة الدولية التقدمية” لا تزال في طور التكوين، إلا أن الرحلة نحو إنشاء عولمة جديدة وقوية بما يكفي لدرء الانقراض قد انطلقت للتو. وتمثل هذه القمة خطوة مهمة في هذه الرحلة، ليس فقط لهزيمة دونالد ترمب، وإنما أيضا لبناء عالم جديد لا تكبله مشاعر الخوف منه.

ديفيد أدلر – زميل في كلية الحوكمة عبر الوطنية، والمنسق العام في “المنظمة الدولية التقدمية”
*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: