فن

محمود ياسين .. نجم “أفلام النصر” وفارس سينما السبعينيات

من المفارقات القدرية الغريبة التي ربما تنطوي على دلالة هامة هي أن يرحل الفنان القدير محمود ياسين نجم السينما المصرية بالتزامن مع ذكرى أيام نصر أكتوبر المجيدة، وهو أهم الفنانين المصريين الذين خلدوا ذلك النصر العظيم وتلك الأيام الخالدة، وأكثرهم مشاركة في الأفلام التي احتفت بالنصر وخلدته.

رحل محمود ياسين صباح اليوم الأربعاء الرابع عشر من اكتوبر .. وهو التاريخ الذي يوافق النصر المؤزر الذي حققته القوات الجوية المصرية منذ 47 عاما على قوات العدو الصهيوني في معركة المنصورة التي ستبقى درسا عسكريا عظيما لقنه نسور الجو المصريون للعدو الإسرائيلي.

تفاصيل المرض

فارق محمود ياسين الحياة بعد صراع مع المرض استمر ما يقرب من سبع سنوات اختفى فيها الفنان الراحل عن الأنظار في أغلب الأحيان، وكثرت الشائعات حول حقيقة مرضه.. لكن المؤكد أن مرض محمود ياسين كان من أمراض الشيخوخة المعروفة..

وكان آخر ظهور سينمائي لمحمود ياسين هو دوره الكوميدي الجميل في فيلم جدو حبيبي عام 2012الذي قام فيه بدور العجوز الثري حسين الذي تقيم حفيدته فكرية “بشرى” في لندن وتتعرض لضائقة مالية وتعرف أن لها جدا ثريا في مصر فتجئ من لندن طمعا في ثروة جدها، وتحدث كثير من المفارقات الكوميدية في الفيلم.. وقبلها كان لمحمود ياسين حضور قوي ومؤثر في فيلمي الجزيرة وابراهيم الابيض مع أحمد السقا، وبعد فيلم جدو حبيبي تدهورت الحالة الصحية لمحمود ياسين بشكل تدريجي ففي عام 2014 رشح عادل إمام زميله وصديقه وأحد أبناء جيله محمود ياسين ليشارك معه في مسلسل صاحب السعادة الذي عرض في رمضان آنذاك.. لكن سرعان ما أعلن بعد ذلك انسحاب محمود ياسين من العمل.. وتحدث البعض عن وجود خلافات بين النجمين الكبيرين.. لكن الواضح أنه لم يحدث أي خلاف بين عادل ومحمود بدليل أن عادل هو الذي رشح رانيا ابنة محمود ياسين لتشارك بأحد أدوار البطولة في مسلسله الرمضاني الأخير فلانتينو الذي عرض في رمضان الماضي..

الأقرب للحقيقة والمنطق هو أن مرض الزهايمر كان قد بدأ يداهم محمود ياسين فكان ينسى المشاهد التي كان من المفترض أن يؤديها ليقوم حسين فهمي بالدور بديلا له..

وكان آخر كلام عن الحالة الصحية لمحمود ياسين منذ أكثر من شهرين حين تحدثت زوجته الفنانة شهيرة في مداخلة هاتفية مع الإعلامي وائل الإبراشي في برنامج التاسعة مساء على شاشة التليفزيون المصري عن مرض زوجها، وحسمت الأمر بقولها إن مرض محمود ياسين مالوش علاج.

عاشق المسرح

ولد محمود فؤاد ياسين بمدينة بور سعيد الباسلة في الثاني من يونيو عام 1941 وتلقى تعليمه بالمدينة حتى المرحلة الثانوية وكان أبوه موظفا بهيئة قناة السويس ثم انتقل إلى القاهرة والتحق بكلية الحقوق بجامعة عين شمس التي تخرج منها عام 1964 وعرف خلال دراسته بحبه للمسرح وبقيامه بتمثيل وإخراج عدد من المسرحيات على مسرح الجامعة، وعقب تخرجه عمل ياسين لفترة قصيرة بالمحاماة وكان من الممكن أن يصبح محاميا شهيرا فقد كان بارعا في الحجة وفي الإلقاء والخطابة وكان يجيد اللغة العربية إجادة تامة؛ وكلها وسائل لتحقيق النجاح في مهنة المحاماة لكن حب الفن ونداهته طغى على كل تفكير وتخطيط الشاب الموهوب فاتجه إلى حبه الأول والكبير وهو المسرح ليعين ويعمل بالمسرح القومي مخرجا نابها وممثلا بارعا ليشارك في بطولة عدد كبير من المسرحيات التي عرضت بالمسرح القومي مثل الحلم وسليمان الحلبي وليلى والمجنون والزير سالم، واستمر محمود ياسين بالمسرح حتى عين مديرا للمسرح القومي في الفترة من عام 1988 إلى عام 1990 وقام في الثمانينات ببطولة المسرحية الشهيرة الخديوي..
وتميز بصوته الرخيم وقدرته على نطق اللغة العربية نطقا سليما وإجادته التامة لقواعد النحو والصرف وتأليفه الشعر الموزون.. وقد تداول رواد التواصل الاجتماعي له عقب وفاته مباشرة مقطعا يلقي فيه قصيدة الكلمة لعبد الرحمن الشرقاوي إلقاء جميلا ومعبرا بصوته المميز.

نجم السبعينات

سرعان ما لفت محمود ياسين في بدايته أنظار السينما إليه فقام بدور صغير في فيلم الرجل الذي فقد ظله مع كمال الشناوي وماجدة، كما شارك بدور صغير أيضا في فيلم شئ من الخوف مع شادية ومحمود مرسي قبل أن يقوم لأول مرة بالبطولة المطلقة مع شادية أيضا في فيلم نحن لا نزرع الشوك، وتحمس له المنتج رمسيس نجيب الذي سيكون منتجا لأغلب أفلام محمود ياسين في فترة تألقه السينمائي الذهبية في السبعينات؛ تلك الفترة التي كان فيها ياسين نجم السينما الأشهر وعنوانها وقاسما مشتركا في عدد هائل من أفلامها.. وهي الفترة التي كان فيها الشباب محمود ياسين في تسريحته وموضة ملابسه..

في بداية السبعينات وقبل أن يسطع نجم محمود ياسين أعلنت فاتن حمامة عن مسابقة لتختار من خلالها وجها جديدا يقف أمامها في فيلم الخيط الرفيع، وتقدم محمود ياسين وفاز بالمسابقة وبثقة فاتن حمامة وكادت هذه الثقة تهتز أثناء تصوير مشهد يقبل فيه ياسين فاتن حمامة ارتبك فيه النجم الصاعد بقوة، وتمت اعادة تصوير المشهد لأكثر من عشرة مرات وقالت فاتن لمحمود ياسين إياك تكسفني.. بعدها شارك محمود ياسين فاتن حمامة بطولة عدد من الأفلام مثل أفواه وأرانب وحبيبتي..

إلا أن الفنانة الأكثر مشاركة لمحمود ياسين في أفلامه خاصة في السبعينات كانت نجلاء فتحي التي شاركت ياسين بطولة أكثر من عشرين فيلما منها حب وكبرياء والعاطفة والجسد والوفاء العظيم وبدور وأنف وثلاث عيون، كما شارك ياسين ميرفت أمين بطولة 13 فيلما منها ليتني ما عرفت الحب ولا تتركني وحدي وثالثهما الشيطان، ومع مديحة كامل قام محمود ياسين ببطولة فيلم الصعود إلى الهاوية..

أما مع النجمة الاستثنائية سعاد حسني فقد قام محمود ياسين ببطولة أفلام الحب الذي كان وأين عقلي وعلى من نطلق الرصاص..

وهكذا كان محمود ياسين النجم الأكثر شهرة ونجومية وحضورا في السبعينات وشارك تقريبا كل نجمات السينما السوبر ستار في بطولة أهم أفلام تلك الحقبة وفي أغلب أدواره كان ياسين يقوم بدور الشاب العاشق الرومانسي الذي يحب البطلة وغالبا ما تتوج قصة الحب بالنهاية السعيدة..

ولكنه لم يكن دائما ذلك الرومانسي الحالم ففي أين عقلي هو الزوج المريض نفسيا الذي يتعرض لصراعات داخلية عنيفة، بعد أن تزوج فتاة فقدت عذريتها بعلمه ومن ثم يقوم بأفعال من شأنها أن تدمر زوجته، وفي على من نطلق الرصاص هو المجني عليه الذي يحاول أن يقتل رئيس مجلس الإدارة الفاسد و يموت في النهاية مقهورا..

وحين جاءت فترة الثمانينات كان محمود ياسين لا يزال يحتفظ بكثير من حضوره وألقه الفني لكن ليس بذات الدرجة التي كان عليها فى السبعينات ربما لعامل السن الذي بدأ يتجاوز مرحلة الشباب وشارك في بطولة أفلام مع نجمات أخريات مثل سهير رمزي التي مثل معها عصر الحب، وزوجته شهيرة التي مثل معها نواعم،ك وعودة الهارب وغيرها، كما مثل محمود ياسين مع نادية الجندي أفلاما مهمة مثل الباطنية ووكالة البلح وعالم وعالمة.

وحين جاء عقد التسعينات بدأ محمود ياسين يتجه بشكل كبير إلى الدراما التليفزيونية التي كانت قد بدأت تخطف الاضواء والذيوع من السينما فقام بأدوار خالدة في تاريخ الدراما التليفزيونية مثل دور حلمي عسكر في سوق العصر والغرباوي في العصيان، كما شارك في مسلسلات تاريخية ودينية مثل أبو حنيفة النعمان وشكل مع الفنانة الكبيرة سميرة أحمد ثنائيا فنيا فى عدد من المسلسلات التليفزيونية مثل غدا تتفتح الزهور التي غنى فيها أغنية باتت معروفة هي حلوة يا زوبة كما شاركها بطولة مسلسلي ضد التيار وماما في القسم.

أفلام النصر

كما أسلفنا فإن محمود ياسين كان من أكثر الفنانين الذين شاركوا في أفلام تناولت حرب اكتوبر وحرب الاستنزاف والصراع مع العدو الصهيوني فقد شارك في ستة أفلام تندرج تحت هذه النوعية من الأفلام الوطنية مثل أغنية على الممر عام 1972 والذي كان من أجمل أفلام السينما المصرية وتناول حرب الاستنزاف وقام فيه ياسين بدور الجندي شوقي الذي يحلم مع رفاقه بالنصر رغم إحباطات النكسة ويعطون دروسا في المقاومة والصمود.. وفي عام 1974 قام محمود ياسين ببطولة ثلاثة أفلام عن النصر منها اثنان مع نجلاء فتحي هما بدور الذي قام فيه بدور صابر عامل الصرف الصحي الذي يرتبط ببدور التي كانت تحترف السرقة ويستدعى صابر للحرب ويعود منتصرا وتتغير بدور وتتوب عن السرقة..

وفيلم الوفاء العظيم الذي قام فيه بدور الضابط صفوت الذي يرتبط بقصة حب مع ولاء وتقف عقبات كثيرة أمام هذا الحب ويعود بعد النصر الذي شارك فيه لتتغير الظروف، أما فيلمه الاشهر عن الحرب فكان مع نجوى ابراهيم وحسين فهمي وهو فيلم الرصاصة لا تزال في جيبي الذي يقوم فيه بدور المجند محمد الذي يعاني من الإحباط بعد النكسة ويهرب من العدو في غزة ويعود إلى مصر ويعاني من نظرة المحيطين به ويرتبط بقصة حب مع فاطمة التي يحاول والدها تزويجها لأحد الفاسدين و تندلع الحرب ويعاهد فاطمة على النصر ويذهب إلى الجبهة ويعود منتصرا ليتزوج محبوبته ويحصل محمود ياسين على جائزة وتكريم خاص عن أفلامه عن الحرب عام 1975 وفي عام 1978 يقوم بدور الضابط خالد الذي يقبض على الجاسوسة عبلة سليم او هبة سليم وفي آخر أفلامه عن الحرب يقوم ياسين بدور المشير محمد علي فهمي قائد الدفاع الجوي في فيلم حرب البطولات عام 1998

محمود ياسين متزوج من الفنانة شهيرة منذ نصف قرن وربما تعتبر هذه الزيجة هي أطول الزيجات الفنية وأكثرها استقرارا وله ابنة هي الفنانة زوجة الفنان محمد رياض وابن هو عمرو محمود الذي بدأ حياته ممثلا ثم اتجه بعدها للكتابة والإنتاج..
رحم الله النجم محمود ياسين.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: