ثقافة

«سيدات القمر» للعُمانية جوخة الحارثى.. أول رواية عربية تفوز بالبوكر العالمية

فازت الروائية العمانية، جوخة الحارثي، بجائزة «البوكر العالمية» لهذا العام عن روايتها «سيدات القمر»، لتكون بذلك أول عربي يفوز بهذه الجائزة. والمعروف أن البوكر هى الجائزة الأدبية الأهم والأشهر بعد جائزة نوبل في الآداب.

تقدم الرواية صورة واقعية وعميقة لتطور المشهد الثقافي والاجتماعي العماني، وتدور موضوعاتها حول الضغوط التي تعرضت لها ثلاثة أجيال من أسرة عمانية واحدة نتيجة التغيرات الاجتماعية الكبرى التي مرت بها البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي، ومن ثم فإنها تجعلنا نشعر بأنها «تبدأ من داخل حجرة ضيقة، وتنتهي في العالم الرحب»، كما عبرت المؤرخة ورئيسة لجنة التحكيم، بيتاني هيوز، أثناء حفل تسليم الجائزة الذي أقيم في مسرح راوندهاوس في لندن.

صورة ذات صلة

بيتاني هيوز

خارطة طريق

تنطلق «سيدات القمر»، التي ترجمتها إلى الإنجليزية الأكاديمية الأمريكية «مارلين بوث» بعنوان «Celestial Bodies» (الأجرام السماوية)، من قرية «العوافي» في سلطنة عُمان، وتتبع المسيرة الحياتية لأخوات ثلاث، تمثل كل واحدة منهن تجربة مختلفة تغوص بها الكاتبة في أعماق مشكلات مجتمعها. هؤلاء الأخوات هن مايا، التي تتزوج من شاب ينتمي إلى عائلة ثرية بعد أن عاشت أوقاتا عصيبة كادت تعصف بسلامتها النفسية، وأسماء، التي تتزوج انصياعا للقانون الديني الاجتماعي، وخولة، التي لا تزال تنتظر شابا هاجر إلى كندا.

نتيجة بحث الصور عن مارلين بوث

مارين بوث مع جوخة الحارثي

تقدم الكاتبة مجتمعها بانفتاحية شديدة تجعل روايتها أشبه بخارطة طريق «نتعرف من خلالها على هذا المجتمع بجميع مكوناته، بدءا من أفقر الأسر التي تعمل كالعبيد، إلى الأثرياء الذين يجمعون ثروات طائلة في مسقط  العاصمة، وفى كل أنحاء سلطنة عمان، وذلك من خلال المواقف والمحكات التي يمر بها هؤلاء الناس في رحلة حياتهم، وفي انتصاراتهم وانكساراتهم، «وحتى في حبهم أو فقدهم للأحبة»، كما قالت هيوز التي تضيف قائلة: «إنها أفكار وخبرات تختلف عن تلك التي نعيشها في بلادنا، أو نقرأها بلغتنا».

نجحت الكاتبة إلى درجة كبيرة في تجاوز التنميط في تناول مشكلات التمييز الجندري والإثني في المجتمع العماني وفي تحليلها لقضية العبودية التي ظلت تخيم على هذا المجتمع حتى سبعينيات القرن الماضي، وربما لا تزال تترك بعضا من ظلالها القاتمة على بعض أوجه الحياة فيه. وبرغم أن هذه القضايا جميعا لا تخص المجتمع العماني وحده، وإنما تمثل – كما تقول الكاتبة – «جزءاً من التاريخ الإنساني المشترك»، إلا أنها نجحت بامتياز في تقديم منظور مختلف للمشكلات والحلول. في هذا السياق تؤكد هيوز: «كان الكتاب حافلا بالمفاجآت. لقد نال إعجابنا حقا».

كسر المحظورات

وبرغم الطبيعة الشائكة للموضوعات التي تتصدى لها الرواية، خاصة في المجتمعات العربية، وعلى نحو أخص في المجتمعات الخليجية حتى أنها- كما تقول الحارثي- «تصل إلى درجة التابوهات»، إلا أن هيوز تؤكد أن المُحكّمين قد أخذوا بالبراعة الفنية التي تجعل السرد ينساب في هدوء وطمأنينة. وتضيف «ربما تبدو الرواية أقل توهجا من روايات أخرى كانت تنافسها، لكنها لم تخل من حيل شعرية فاتنة، حيث جاءت فيما يشبه النص الغنائي، وتراوحت بين إيقاعات شعرية بسيطة ولغة الحياة اليومية بكل تعقيداتها… إنها  تستحضر القوى التي تقيدنا، وتلك التي تحررنا على السواء». وتتابع: «تبدأ الرواية كدراما محلية في عالم ساحر، لكن تدخلات الفلسفة وعلم النفس والشعر، تجعلك تجد نفسك منجذبا إلى النثر… لقد شجعتنا على قراءتها بطريقة مختلفة قليلا».

تتداخل الموضوعات في بعض الأحيان إلى درجة تجعل القارئ غير قادر على التمييز بينها. وتُرجع جين هوشام، الناقدة الأدبية في صحيفة الجارديان، هذا التداخل  إلى طبيعة البناء السردي، حيث يتناوب السرد بين راوي من خارج شخوص الرواية و«عبدالله» رجل الأعمال المتزوج المسكون بقسوة والده. خلال ذلك، تُنسج قصص أخري كثيرة، مما يجعل بناء الرواية أشبه بخُصل متشابكة أكثر منه خطا مستقيما. ربما تتناسب هذه الخصل المعقدة مع «قضايا الزمن والفناء والتغيير التي تثيرها الرواية»، على حد تعبير هيوز.

عن الجائزة

رواية «سيدات القمر» هي أول رواية عربية تفوز بجائزة «مان بوكر العالمية»، التي تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه إسترليني يتم توزيعها مناصفة بين الكاتب والمترجم. نُشرت الرواية مترجمة إلى الانجليزية عن مطبعة ساندستون في مدينة إينفرنيس في أسكتلندا، وتعتبر أول رواية عربية تقوم هذه المطبعة بنشرها.

كانت القائمة الطويلة للروايات التي رُشحت لهذه الجائزة هذا العام قد ضمت 13 عملا أدبيا، بينها عملان عربيان هما «نكات للمسلحين» للكاتب الفلسطيني «مازن معروف»، إضافة إلى رواية «سيدات القمر». أما القائمة القصيرة فقد اقتصرت على خمس كاتبات وكاتب واحد، وكانت جميع الأعمال في هذه القائمة منشورة من جانب جهات مستقلة. لكن خوخة الحارثي تفوقت في المنافسة على كُتاب من بينهم أولجا توكارتشوك، الفائزة بالجائزة في العام الماضي، والروائية الفرنسية الشهيرة آني إيرنو، والكاتب الكولومبي خوان جابرييل فاسكيز.

نتيجة بحث الصور عن أولجا توكارتشوك

أولجا توكارتشوك

وفي حفل تسليم الجائزة، الذي أقيم على مسرح «راوندهاوس» في العاصمة البريطانية لندن، أكدت الحارثي أن «القراء من جميع دول العالم يجب أن يعلموا أن سلطنة عمان لديها مجتمع أدبي نشط وحافل بالكُتّاب المبدعين الذين يعملون من أجل فنهم». وأضافت: »ستفتح هذه الجائزة نافذة كبيرة لمزيد من الأعمال العربية».

من جانبها، لفتت المترجمة والأكاديمية مارلين بوث إلى أن «ما نعلمه حقيقة هنا عن العالم العربي أنه يمتلك العديد من الروائيين الرائعين في جميع ربوعه، وليس فقط في مراكز الإبداع الأدبي الكبرى، مثل مصر وفلسطين ولبنان والعراق والمغرب. إنه يمتلك هذه المواهب أيضا في بلد قلما يُمثل على الخريطة الأدبية، مثل سلطنة عمان».جدير بالذكر أن الحارثي، البالغة من العمر 41 عاما، لها روايتان أخريان ومجموعتان قصصيتان ومجموعة قصصية للأطفال، وتُرجمت أعمالها إلى العديد من اللغات، مثل الألمانية والإيطالية والكورية والصربية.

الفيديو جرافيكس
تحريك ومونتاج: عبد الله إسماعيل

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock