منوعات

عن ميدان التحرير و «وسط البلد».. وحفلات الهجاء المريبة

الجاحد فقط هو الذي ينكر فضل مواقع التواصل الاجتماعي، والغافل هو الذي يقدسها. فمواقع التواصل الاجتماعي التي خلقت حالة فريدة من المعرفة والاستنارة والتواصل بين كافة الشعوب، هى ذاتها التي يستخدمها البعض في إهالة التراب على كل معنى جليل وخطير. قبل أسبوعين أطلق أحدهم «هاشتاج» حمل عنوان «مر أعرابي»، وعندما نجح نجاحًا ساحقًا طاب لبعضهم إطلاق آخر بعنوان «وسط البلد».

وقبل مناقشة الأمرين ننقل عن أحمد فرحات خبير التسويق الإلكتروني تصريحاته التي جاء فيها: «لكي يصل أي موضوع على الإنترنت لمرحلة «الترند» يجب أن يقوم أكثر من 10 آلاف مستخدم بالحديث عنه. ويجب أن يكون كل هؤلاء المستخدمين في منطقة جغرافية معينة كبلد واحد، أو تربطهم علاقة واحدة كمشجعي فريق رياضي معين». تصريحات فرحات كشفت لنا طريقة تحول الهاشتاج إلى ترند مكتسح، ولكن للموضوع جانب نفسي كشفه الدكتور جمال فرويز الذي صرح لموقع مصراوي قائلًا: «للأسف المجتمع يعاني من مشكلة نقص الثقافة وسطحية التفكير، فتشيع ظاهرة القطيع، حيث يتخلى الإنسان عن تفكيره النقدي ويسعى من أجل المشاركة في ترند هو لا يعرف عنه شيئًا».

بالعودة إلى «ترند» «مر أعرابي» سترى كم كان مزعجًا عندما تتفحص محتواه بهدوء، وهو الأمر الذي فعله الكاتب الكبير الأستاذ عبد العظيم حماد فقد كتب مقالين نشرهما بصحيفة «الشروق» القاهرية تحت عنوان «حديث في المنهج» وتناول فيهما ترند «مر أعرابي» كاشفًا عن جوهره وعن حقيقة رسالته فقال: «إن القصد من مرور الأعرابي بمصر هو إلصاق كل النقائص بالجنس العربي، فبالإضافة إلى أن هذا أحد التطبيقات البغيضة للفكر العنصري فإنه أيضا تفكير شائن من الناحية المنهجية، وأقوال مرسلة لا تستند إلى أية حقائق، دون أن يعنى ذلك من جانبنا أنه لم توجد فى ثقافة العرب وأخلاقهم نقائص، لأن هذه بدورها مبالغة شائنة كذلك.. مبدئيا ليس الأعرابى هو العربي، فالأعرابى هو البدوى الذى لا يسكن الحضر، أما العرب فهم جميع سكان الجزيرة العربية من اليمن وساحل عمان حتى بادية الشام وتخوم العراق، ومن البحر الأحمر غربا حتى الخليج وشط العرب فى الشرق.. أغفل هذا الهاشتاج، أو تغافل عن أن البيئات الحضارية فى الجزيرة العربية حققت إنجازات ثقافية وحضارية وسياسية بالغة الرقى بمعايير العصر القديم».

انتهى كلام الأستاذ حماد الذي لم يقع في شرك المبالغة قط، لأنه بالفعل هناك دعوات كثيرة ضد كل ما هو عربي تقودها وتروج لها نخب معروفة.

هجاء ميدان الثورة

نجاح «مر أعربي» أغرى بعضهم بإطلاق «وسط البلد»، الذي بدأ بريئًا بل وضاحكًا، وقد قصر رسالته على تقليد أسلوب ولهجة مثقفي وسط البلد، أي وسط العاصمة القاهرة، كأن يكتب أحدهم: «الأب في كل الدنيا اسمه الأب، ولكنه في وسط البلد يسمى السلطة الذكورية». ثم مع ذيوعه تحول إلى حفل هجاء مقذع لكل ما ترمز إليه منطقة وسط البلد. وبدأ الهجاء بميدان التحرير ليؤكدوا أن مثقفي وسط البلد هم الذين ألصقوا بالميدان دورًا تاريخيًا، الميدان بريء منه!

أي قارئ لتاريخ مصر المعاصر سيدرك على الفور أن وراء الأكمة ما وراءها، فالقصة ليست قصة تقليد بقدر ما هى قصة مريبة تستهدف النيل من مرتكزات الثقافة المصرية بل والعربية، فليس صحيحًا بحال من الأحوال أن ميدان التحرير اختراع حديث.

لقد ظهر الميدان قبل قرن ونصف القرن، وكان يسمى في بادىء أمره بأسماء مختلفة، منها ميدان الخديوي إسماعيل، ميدان الإسماعيلية، ميدان الكوبرى، ميدان الحرية، كلها مسميات حملها ذلك الميدان، الشهير والعظيم.

وبالعودة إلى تاريخ الميدان فقد شهد الميدان انتفاضة طلابية صباح 13 نوفمبر عام 1935 فى ذكرى يوم الجهاد، بسبب تصريحات وزير الخارجية البريطانى وقتها، بعدم صلاحية العودة للعمل بدستور الأمة الصادر عام 1923. يومها تحول الميدان لساحة حرب ما بين هراوات البوليس ورصاصه، وبين طلاب الجامعة، واستمرت المظاهرات لمدة أسبوعين، انتقلت بعدها لأقاليم القطر كله، وسقط فيها شهداء كثيرون، لكنها انتهت بعودة العمل بدستور 1923.

ثم في فبراير 1946 شهد الميدان انتفاضة جديدة للشباب، والسبب تلك المرة هو فشل مفاوضات النقراشى باشا مع الإنجليز الذين رفضوا الجلاء، ليخرج المصريون فى مظاهرات سلمية، عمت أرجاء مصر.

أما أول مليونية شهدها الميدان فكانت فى 14 نوفمبر 1951، ولم يكن لها سوى مطلب واحد، وهو رحيل الاحتلال الإنجليزى عن مصر، وتخليد شهداء الأمة الذين راحوا دفاعاً عن حرية مصر.وفى اليوم التالى للمظاهرة،صدرت الأهرام العريقة بعنوان عريض يقول : «أكثر من مليون يشاركون فى أكبر مظاهرات شهدتها مصر».

وفى يناير 1953 نظم الجيش فى قلب الميدان احتفالاً أطلق عليه اسم «مهرجان التحرير»، التحم فيه الجيش والشعب وصارا يداً واحدة، احتفالاً بمرور 6 أشهر على ثورة 23 يوليو ونجاحها، ويومها تغير اسم الميدان من الإسماعيلية إلى ميدان التحرير، وردد ما يزيد على مليون مصرى كانوا هناك، قسم التحرير.

وفي يوم من أيام وطننا الصعبة والمجيدة، تقدم الزعيم الخالد جمال عبد الناصر ملايين المصريين، منطلقين من قلب الميدان لتشييع جثمان الجنرال الذهبي الشهيد عبد المنعم رياض، وقد هتف الجميع بجملة واحدة:

«نحن فداؤك يا مصر».

بعد تلك الإطلالة السريعة على تاريخ ميدان الثورة، هل أخترع المثقفون للتحرير دورًا؟.

«وسط البلد» وقوة مصر الناعمة

على ضفاف ميدان التحرير تقوم دور النشر والطباعة ومنتديات المثقفين، ودور السينما والمسرح، والأندية الرياضية. فلا فكرة جديدة لامعة إلا وكان منطلقها «وسط البلد»، ولا إسهام حضاري إلا وكان لوسط البلد يد فيه، ولا حالة تنوير واستنارة إلا وكانت جذورها بل وفروعها قادمة من وسط البلد.

هل نذكر مقهى «متاتيا» حيث مجلس جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده والثائر عبد الله النديم، أم نذكر مقهى «ريش» حيث ملتقى شيخ مشايخ الرواية نجيب محفوظ ، أم نذكر عشرات المقاهى التي أثرت الثقافة العربية والمصرية؟.

رواد قهوة متاتيا

المنصف سيقول: إن لحم أكتاف الثقافة المصرية العربية هو من خير «وسط البلد».. أما الببغاء الذي يردد ما يسمع وهو لا يفقه منه شيئًا فنقول له: انتبه فأنت تشارك في لعبة مريبة تتجاوز الفكاهة والمزاح، أنت تُقَبّح كل حسن ولا ترى سوى العيوب.

  العجيب أن يأتي الدفاع عن «وسط البلد» ومكانتها  الحضارية والثقافية من موقع الـ «بي، بي، سي» الاخباري البريطاني الشهير الذي نشر تقريرًا رصعه بمنجزات وسط البلد المصري العربي. أما الأعجب فهو تزامن هذه الحملة على «وسط البلد» مع شيوع خبر هز مصر كلها هزًا عنيفًا، ألا وهو إغلاق أتيليه القاهرة وهو بؤرة ثقافية لا تحتاج لتعريف، تمهيدًا لإعادة المبنى الذي يضم مقر الأتيليه إلى ملاكه القدامى من اليهود.. فهل بعد هذا يحق لهم القول بأن ذلك الترند كان بريئًا؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock