رؤى

السلفية.. المظلة الأقدم للتطرف والتكفير

يعتقد كثيرون أن الإخوان المسلمين هم أول من أصّل للعنف والإرهاب باسم الدين، وأن إنشاء النظام الخاص أول ميليشيا عسكرية انتهجت العنف والاغتيالات سبيلا للوصول للأهداف السياسية، كان البداية التي أنتجت لنا كل العنف الذي شاع في عالمنا اليوم، تحت عناوين كالجهاد والجماعة الإسلامية أو القاعدة أو داعش، فهل كانت البداية الحقيقية على يد الإخوان أم أن جذر العنف في واقعنا أقدم بكثير من ظهور الإخوان، الذين جسدوا حالة مخاتلة بين العنف والسياسة مراوحين بينهما بحسب الواقع السياسي والتنظيمي الذي عاشوه.

في الحقيقة قد تعود البداية الأٌقدم لفكرة العنف للتصور السلفي للدين، أو ما أنجزته السلفية من مقولات وفرضيات رئيسية، استلهمها الإخوان وغيرهم فأنتجت في واقعنا ما انتجته من عنف.

يعتقد الكثيرون أيضا بكثير من السطحية والتبسيط ربما، أن السلفية سواء كتيار أو جماعات أو مشايخ بعيدة عن التطرف والعنف، وأنها تدعو الى صيغة من الدين تتسم بالتبسيط والتسامح، وأنها لا تناهض أي واقع اجتماعي تكرهه سوى بأداة التزكية والتربية، متوسلة بعملية طويلة من طلب ما يسمى بالعلم الشرعي في المساجد، لكن ما هو هذا العلم الشرعي، هذا الاسم الذي يخفى الكثير.

اقرأ أيضا:

في دراسة بعنوان «سلفيون جهاديون أم ثوريون؟.. الدين والسياسة في دراسة في الإسلامية العسكرية» يتساءل توماس هيغهامر الباحث المتخصص في حركات العنف الإسلامية ،عن فائدة مصطلح السلفية، إن كانت تستطيع أن تضم الاتجاهات المستكينة مثل اتجاهات ناصر الدين الألباني ومقبل هادى الوادعي من جهة، وفاعلين راديكاليين مثل أبى محمد المقدسي (المنظر الجهادي الأردنيأستاذ أبى مصعب الزرقاوي) أو إرهابيين مثل أبى يحيى الليبي من الجهة الأخرى (الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال)، متسائلا أيمكن أن ينطبق لفظ السلفية الجهادية على كل هذه الجماعات المتنوعة؟

يبقى السؤال مشروعا هل السلفية منتجة للعنف أو الجهاد بمفهوم الجهاديين؟

إذا كانت عملية طلب العلم الشرعي تمر عبر تبنى مفاهيم ملتبسة تصنع أرضية التطرف والإرهاب، مثل التصور السلفي للولاء والبراء على سبيل المثال الذى يعتبر وصفة جاهزة للتطرف، فهو يعنى أن على كل المسلمين أن يظهروا الولاء لله ثم للإسلام ثم للمسلمين، وأن كل شيء ماعدا ذلك يجب ان يتبرؤوا منه، وهو تقليد ثقافي اجتماعي يعود إلى الجاهلية بأكثر مما ينتسب للإسلام. ففي الوعى التاريخي لدى العرب كان من تقاليد القبيلة أن تمارس بحق من تغضب عليهم من أفرادها عقوبة النفي أو النبذ أو التبرؤ.

وقد كان الخوارج أول جماعة استخدمت مفهوم الولاء والبراء وصار جزءا من عقيدة الجماعة، فقد أظهروا ولاء عظيما لأعضاء جماعتهم وبراءة من الغرباء عنهم، وامتد هذا المفهوم للأفعال والمعتقدات، الى المدى الذى صار كل مظهر من مظاهر الحياه إما مستحقا لولاء الخوارج أو براءتهم، ومن ثم أضحى العالم بين أبيض وأسود حق وباطل خير وشر، وتكرس مفهوم تقسيم العالم بين دار حرب ودار إسلام، دارة موالاة ودار معادة، فسطاط إيمان وفسطاط كفر.

لم يكن المفهوم قاصرا على السنة من المسلمين، بل كانت الشيعة من أوسع وأهم الفرق التي توسعت فيه، لم يكن المفهوم شائعا في كتابات علماء السنة فالعالم الحنبلي ابن أبى يعلى (1059-1131) يصرح بأن الولاية والبراءة بدعة دينية، وهذه العقيدة بدعة دينية قبل أن يضيف: فأحذروها. أما «ابن بطة» وهو عالم حنبلي أخر (توفى في 997) فيستبعد الولاية والبراءة ويصفهما بالبدع، بينما اقتصر ابن تيمية ربما في الحديث عن اتباع غير المسلمين في أنواع من العبادة أو دمج شعائر دينية شائعة في الإسلام، مثل دعوة المسلمين إلى الامتناع عن زيارة القبور أو اتخاذها مساجد او الصلاة في مسجد قبة الصخرة، بمعنى أنه بقى معنيا أكثر بفكرة الولاء القلبي والنية كأمر عقدي، لكن المفهوم قطع أشواطا أبعد مع الصراع السياسي بين الفرق الذى ظل يتطور تاريخيا، حتى وصلنا الى شيوع أفكار منظرين كأبى محمد المقدسي الذى طور أفكار جهيمان العتيبي (صاحب فتنة اقتحام الحرم وقائد الجماعة المحتسبة في العام 1979) حيث يقرر المقدسي أن التبرئة من الكفار أفضل طريق لها هو الجهاد ،الذى يراه نتيجة طبيعية للبراء مقررا «أن الواجب عليك إذا كنت تريد الجنة أن تكفر بطاغوت العصر وتتبرأ منه ومن خدمه وأوليائه، وأن تبغضهم وتبغضهم لأطفالك وأسرتك ،وأن تعمل وتجاهد طوال حياتك من أجل هدمه وابطاله، وأنك لا تزهد في ذلك ولن تكون راضيا أو سعيدا ،مالم يكن هناك حكم الله وتشريعه ،وإلا فهناك الجحيم»، هكذا يمسك السلفيون بمفاتيح الجنة والنار.

اقرأ أيضا:

تلك الأفكار ليست مقطوعة الصلة عن أفكار سيد قطب في «معالم في الطريق»، والتي يقرر فيها أن كل المجتمعات تعيش حالة مشابهة للعصر الجاهلي، لأنها تستند الى معتقدات خاطئة ومؤسساتها وقوانينها ليست مستمدة من الشريعة، ففي رأى قطب اغتصب الساسة عبر التشريع حاكمية الله لذا يجب أن ينظر إليهم بوصفهم طواغيت. وستجد في كتاب محمد عبد السلام فرج «الجهاد.. الفريضة الغائبة» الذي كان ميثاقا لمجموعات الجهاد التي قتلت السادات أفكارا مشابهة، استندت بالأساس الى مناقشة فتاوى ابن تيمية.

وهكذا تمضي الأفكار السلفية، التي هي مفردات العلم الشرعي المزعوم، في انتاج كل تلك الجماعات والفرق، في مشهد يؤكد أن السلفية ستبقى بأفكارها ومعتقداتها ومقولاتها المظلة الأقدم للتطرف والإرهاب.

أحمد بان

كاتب و باحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock