رؤى

تأسيس الجيش المصري.. بين محمد على وجمال عبد الناصر (5-5)

لم تحقق معاهدة 1936 لمصر الإستقلال المطلوب، حيث حوت في طياتها ما يحد من السيادة المصرية، فقد ألزمت مصر بتقديم المساعدات في حالة الحرب، وإنشاء الثكنات التي فرضت أعباء مالية جسيمة، مما يؤخر إعداد الجيش المصري ليكون أداة صالحة للدفاع. كما أنه وبموجب هذه المعاهدة تصبح السودان مستعمرة بريطانية يحرسها جنود مصريون، وقد بلغ عدد القوات البريطانية 80 ألفا، في حين أن المعاهدة نصت على 10 آلاف فقط ولم يتحقق تسليح الجيش المصري، وظهر ذلك بوضوح في حرب 1948.

الجيش المصري 1948

مشروع مشبوه

عادت الحركة الوطنية إلى النشاط في فبراير 46 وفشلت مفاوضات صدقي- بيفن، ولم تنجح محاولة النقراشي باشا عرض قضية الجلاء على مجلس الأمن في يوليه 1947[1]. وفي مارس 1950 طالبت وزارة النحاس باشا بالدخول في مفاوضات جديدة مع الحكومة البريطانية، واستمرت تلك المفاوضات حتى سبتمبر 1951، وظهر فيها تشدد الجانب البريطاني، مما جعل النحاس باشا يعلن قطع المفاوضات وإلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتي السودان في أكتوبر 1951 وقدم للبرلمان مراسيم مشروعات القوانين المتضمنة لهذا الإلغاء، فصدق عليها البرلمان وصدرت القوانين التي تؤكد إلغاء التحالف بين بريطانيا ومصر، وعلى ضوء ذلك اعتبرت القوات الموجودة في منطقة القناة قوات محتلة، ومن هنا بدأ النضال يشتعل مرة أخرى ولكن هذه المرة كان النضال مسلحا.  

وفي 13 أكتوبر 1951، وذلك بعد خمسة أيام من بيان النحاس، تقدمت حكومات أمريكا وإنجلترا وفرنسا وتركيا بمشروع «قيادة الشرق الأوسط» للحكومة المصرية بصفة رسمية. عكف مصطفى النحاس ومستشاروه على قراءته بمذكرته التفسيرية وتبينوا ما فيه من قيود، تجعل من إلغاء معاهدة 1936 حبرا على ورق، أواستبدال سيد بسيد آخر أشد وطأة، فما كان منه إلا أن أعلن رفض المشروع في يوم 15 أكتوبر.

حادث 25 يناير 52

لم تعترف بريطانيا بإلغاء النحاس للمعاهدة، ووصل التوتر إلى قمته بين الجانبين، عندما اشتدت الأنشطة الفدائية ضد معسكرات الإنجليز وجنودهم وضباطهم في منطقة القنال. فقد كانت الخسائر البريطانية نتيجة العمليات الفدائية فادحة، خاصة في الفترة الأولى، كما أدى انسحاب العمال المصريين من العمل في معسكرات الإنجليز، إلى وضع القوات البريطانية في منطقة القناة في حرج شديد. كما توقف المتعهدون عن توريد الخضراوات واللحوم والمستلزمات الأخرى الضرورية لإعاشة ثمانين ألف جندي بريطاني. فأنعكس ذلك في قيام القوات البريطانية بمجزرة الإسماعيلية، التي تعتبر من أهم الأحداث التي أثارت غضب الشعب والإسراع بالثورة في مصر.

فقد أقدمت القوات البريطانية على مغامرة لإهانة الحكومة  المصرية ، حتى تتراجع عن قرارها بإلغاء المعاهدة.، في صباح يوم الجمعة 25 يناير 1952 قامت القوات البريطانية بمحاصرة مديرية أمن الإسماعيلية، بعد إنذارها بتسليم أسلحة الجنود، غير أن ضباط وجنود الشرطة رفضوا قبول هذا الإنذار، فأطلق البريطانيون نيران أسلحتهم بشكل مركز ومروع وبدون توقف ولمدة زادت عن الساعة الكاملة، ولم تكن قوات الشرطة مسلحة بشيء سوى البنادق العادية القديمة،. فسقط خلالها (خمسون) شهيدًا و(ثمانون) جريحا وأسر من بقي منهم.

  وفي صباح اليوم التالي السبت  26 من يناير1952 انتشرت أخبار الاعتداء في مصر كلها، واستقبل المصريون تلك الأنباء بالغضب والسخط، وخرجت المظاهرات العارمة في القاهرة، واشترك جنود الشرطة مع طلاب الجامعة في مظاهرات ملأت شوارع القاهرة بالجموع الغاضبة من المصريين ، ثم اندلع حريق القاهرة ،ليطلب الملك فاروق من حكومة الوفد إعلان الأحكام العرفية، وبعد ذلك أقالها وحل البرلمان،فمهد بذلك الطريق لقيام ثورة 23 يوليو ،حيث سادت حالة  الارتباك وعدم الاستقرار في الحياة السياسية  خلال تلك الفترة التي شهدت تعيين وإقالة أربع حكومات في  الأشهر الستة التي سبقت حركة الجيش. وبذلك أفلس النظام شبه الليبرالي بشكل نهائى.

بعد استيلاء الضباط الأحرار على الحكم ليلة 23 يوليو 1952، وتنازل الملك فاروق عن العرش في 26 يوليو، دخل مجلس قيادة الثورة برئاسة جمال عبد الناصر في مفاوضات مع الإنجليز بشأن الجلاء، وبشأن معاهدة 1936. وامتدت المفاوضات من أبريل 1953 إلى يوليو 1954، وفي الشهر الثاني من بدء المفاوضات وفي مايو 1953 جاء جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا إلى القاهرة وقابل عبد الناصر، فعرض عليه نفس ما عُرض على النحاس من قبل ،وهو إلغاء معاهدة 1936، على أن تدخل مصر في منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط Middle East Defense  Organization. والاسم الجديد كان بديلا لاسم قيادة الشرق الأوسط، الذي عُرض على النحاس.

وعندما سأل جمال عبد الناصر وزير خارجية أمريكا عن «الدفاع ضد من..» أجابه دالاس بوضوح: ضد الشيوعية.. فقال له ناصر ليس هناك خطر على الشرق الأوسط من الشيوعية وإنما الخطر يأتي من إسرائيل.[2]

جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا مع الرئيس جمال عبد الناصر

من جهة أخرى كانت المفاوضات مع الولايات المتحدة للحصول على السلاح قد بدأت في ديسمبر 1952، في شكل تجديد للطلب الذي سبق أن تقدم به النحاس باشا عام 1951، عقب إلغائه لمعاهدة 36 من طرف واحد.وقد فشلت بعثة على صبري في ذلك حيث أبلغها الجنرال برادلي رئيس الأركان الأمريكية المشتركة صراحة، أنهم لا يستطيعون تدعيم مصر بالسلاح ،طالما أن هناك قضايا لم يتم حسمها.وأشار إلى أن بلاده مستعدة فقط لتزويد مصر بقنابل مسيلة للدموع وأسلحة خفيفة لقوات الشرطة.[3]

وفي 27 يوليه 1954 تم الاتفاق مع بريطانيا حول مبادئ عامة تتضمن إلغاء معاهدة 36، وجلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية على مراحل مدتها عشرون شهراً من تاريخ توقيع الاتفاقية، والاعتراف بالحكم الذاتي للسودان وإعطائه حق تقرير المصير. وفي أكتوبر 1954 تم توقيع الاتفاقية، وفي 18 يونيو عام 1956تم جلاء القوات البريطانية.[4]

سباق التسليح

منذ صيف 1954 كان سباق للتسلح قد بدأ بين مصر وإسرائيل. فقامت إسرائيل بعقد اتفاقات مع فرنسا، أعادت بمقتضاه تسليح قواتها البرية والجوية. وفي ربيع عام 1955 أرسلت القيادة العامة في الجيش المصري وفداً عسكرياً إلى كل من بريطانيا وفرنسا لكن النتائج كانت سلبية. وكان المصدر الوحيد الذي لم تستطلع مصر إمكانياته هو الإتحاد السوفييتي[5].

ففي 28 فبراير 1955، أي بعد قيام حلف بغداد بأربعة أيام، قامت إسرائيل بشن غارة مفاجئة على قطاع غزة بدون أي مقدمات، وبلغت الخسائر البشرية حوالي 38 ما بين ضابط وجندي. وقد أحدثت هذه الغارة تحولا في تفكير عبد الناصر وقادة الثورة تجاه إسرائيل باعتبارها العدو الأول. فقد انتهت هذه المرحلة بهذا الحدث الذي كان بمثابة نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي المصري. وجاءت الفرصة أثناء انعقاد مؤتمر باندونج في أبريل 1955، وجرى أول اتصال بين الرئيس عبد الناصر وشوإن لاي رئيس وزراء الصين، ودار الحديث عن الأوضاع في الشرق الأوسط، وما تتعرض له مصر من تهديدات إسرائيلية وموقف الغرب من قضية التسليح، ثم سأله عن إمكانية مساهمة الاتحاد السوفييتي في ذلك ووعد شوان لاي بمفاتحة السوفييت في الأمر. وبالفعل بحثت موسكو الطلب بجدية وعقب عودته للقاهرة بفترة بسيطة طلب السفير السوفييتي مقابلة عبد الناصر  لتسليمه رسالة من القادة السوفييت تضمنت موافقتهم على طلب مصر بشأن الحصول على الأسلحة.

مؤتمر باندونج في أبريل 1955

 نص مشروع الاتفاقية بين القاهرة وموسكو، على أن تشتري مصر أسلحة سوفييتية من بينها مقاتلات من طراز «ميج» وقاذفات للقنابل من طراز «إليوشن» و«توبوليف»، ودبابات من طراز «ستالين» و«ت 54 و55» وغواصات ومدافع ميدان ومضادة للطائرات من جميع العيارات الثقيلة والخفيفة، وزوارق طوربيد، وعربات مدرعة، ونظام راداري كامل. على أن يسدد ثمن هذه الصفقة بالقطن المصري والأرز وسلع تقليدية مصرية أخرى، بفترة سماح لأربعة سنوات ثم يقسط الثمن على عشرين سنة، بفائدة 2% سنوياً.

 ولم تكن المسألة مجرد صفقة سلاح بين مصر والاتحاد السوفييتي، بل كانت بمثابة تعديل كلي لمفاهيم السياسة الدولية، فلأول مرة يقوم الاتحاد السوفييتي بتسليح دولة غير شيوعية، ويخرج إلى منطقة حساسة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية هي منطقة الشرق الأوسط.[6]. يصف الرئيس الأمريكي  الأسبق ريتشارد نيكسون ذلك بقوله: «كانت سياسة الولايات المتحدة هي الاحتواء. فقد حاولت أن تحاصر الاتحاد السوفييتي بسلسلة من الأحلاف، وبذلك تحول دون التوسع السوفييتي … ونجحت هذه السياسة في الأجل القصير، لكنها فشلت في الأجل الطويل…. وفي وقت مبكر يرجع إلى الخمسينات، خرجت من إطار الاحتواء، وقفزت فوق حدود أحلافنا، لتقيم علاقات، بدأت مع جمال عبد الناصر في مصر»[7].

 كما كانت هذه الصفقة  الأساس الذي أقيم عليه بناء جيش مصري حديث. والذي أعيد تسليحه وتدريبه  بعد هزيمة 1967، حيث كانت الجهود الشاقة التي بُذلت في أعقاب النكسة لإعادة تنظيم وتأهيل القوات المسلحة، بمثابة التأسيس الثاني للجيش المصري، والذي أضيف إليه سلاح جديد، هو سلاح الدفاع الجوي، وهو الدرع الذي حمى القوات العابرة في حرب أكتوبر 1973.

[1] أحمد حمروش: مرجع سبق ذكره، ص ص 102-142

[2]https://www.facebook.com/assem.eldessouki

[3]سامي شرف: مرجع سبق ذكره، ص 176.

[4]محمد حافظ إسماعيل: مرجع سبق ذكره، ص ص 41-42.

[5]نفس المرجع السابق، ص 44.

[6]سامي شرف: سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر، شهادة سامي شرف، الكتاب الأول، (القاهرة: المكتب المصري الحديث، 2014)، ص ص 180- 186.

[7]ريتشارد نيكسون: 1999 نصر بلا حرب، (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1988)، ص ص 65-66.

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock