ثقافة

الروائية ضحى عاصي: الأدب يستطيع تحقيق مصالحة إنسانية مع التاريخ

ضحى عاصي.. واحدة من  أميز الأصوات الروائية فى المشهد الثقافي المصري.. قدمت مجموعتها القصصية الأولى «سعادة السوبر ماركت» التى صدرت عام 2012 ومن ثم ترجمت إلى اللغة الروسية، ومن بعد دخلت الى عالم الرواية بروايتها الأولى «القاهرة 104» الصادرة عن بيت الياسمين عام 2016، وهى الرواية التي قدمت فيها الحياة الاجتماعية للمصريين في فترة خمسينات القرن الماضي عبر سرد ممتع لتفاصيل الحياة فى الحارة المصرية.

  عرفت كتابتها نقلة نوعية أخرى عبر روايتها الثانية «غيوم فرنسية» التي طرحت فيها سؤال الهوية، الذي يبدو أنه أحد أبرز الأسئلة الأساسية للمشروع الإبداعي لضحي عاصي، وذلك عبر قراءة روائية لفترة مطمورة من تاريخ مصر… في هذه السطور تحدثنا ضحى عاصي عن تجربتها الإبداعية…

خيال يتكىء على التاريخ

من رواية «القاهرة 104» وصولا إلى «غيوم فرنسية» ثمة مسافة ونقلة.. حدثينا عنها؟

لا أعتقد أن «القاهرة 104» و«غيوم فرنسية» بعيدتان بشكل كبير بالرغم من الاختلاف الهائل فى الزمن والشخصيات والأزمات، ولكن أشعر أن هناك مرتكزا مشتركا بينهما وهو محاولة الغوص فى الشخصية المصرية على تنويعاتها المختلفة وفى أزمنة وظروف سياسية واجتماعية مختلفة.

هل سبق كتابة «غيوم فرنسية» استعداد ما للتعرف على عوالم الرواية التي قررت كتابتها؟   

لا أتصور أنه كان هناك تحضير بعينه لكتابة النص، وغالبا ما تتجه لكتابة نص تملك مفاتيحه الأولية، ولكن أثناء الكتابة تبدأ فى العمل على تأصيل الفكرة والمعلومة ورسم الشخصيات وأجواء المكان والزمان فمثلا من يكتب عن الثورة الفرنسية لابد أن يمتلك خلفية عنها، ولكن وقت الكتابة لابد أن يعاود قراءة هذا التاريخ من وجهه نظر شخصياته، ويركز أكثر على تفاصيل ربما فى المطلق لم يكن لها نفس الاهتمام عنده، وكذلك بالنسبة لشخصيات «غيوم فرنسية» فمعظمهم أقباط مسيحيون فهل يعقل أن أكتب عنهم دون أن أحاول الإلمام قدر المستطاع بالعقيدة المسيحية وتاريخ الأقباط المسيحيين ووضعهم فى المجتمع منذ ظهرت المسيحية والتحولات السياسية والدينية مثلا تحت حكم الرومان ثم الحكم الاسلامى ثم ظهور الدولة المصرية القائمة على مبدأ المواطنة، ولكنى لم أدرس خصصيا من أجل كتابة الرواية، فقد كنت مهتمة فى الأصل بأن أكون على دراية أعمق بالتراث العربى المسيحي وخاصة أننى ككاتبة مسلمة، كنت أشارك فى فعاليات كثيرة عن المواطنة ومواجهة التطرف ولكن بالطبع استخدمت هذه المعرفة فى رسم الشخصيات وعوالمها، و هذا لا يتعلق بخصوصية هذا النص كونه تاريخى أو أن أبطاله من ديانة أخرى فقد فعلت هذا في القاهرة 104 حيث حاولت بقدر الإمكان أن أفهم الحارة الشعبية وسكانها.. أنماطهم السلوكية فى الأكل واللبس ومفردات حديثهم, والأهم أرضية الوعى التى تقوم عليها الشخصيات

هل  أردت إعادة صياغة التاريخ فى «غيوم فرنسية» ؟

أنا لا أكتب تاريخا بل أكتب رواية ، جميع شخصيات وأحداث الرواية متخيلة ولكنها تتكىء على حدث تاريخي حقيقي هو انضمام جماعة من الشباب إلى الفرقة التى كونها المعلم يعقوب الذي أثار جدلا كبيرا في تاريخنا الحديث وخروج جماعة منهم مع الحملة الى فرنسا.

اهتممت بالتخييل أكثر وهذا ما أعطانى مساحة التحرك بحرية فى الأحلام والقضايا والاختيارت ومصائر الشخصيات كونهم حالة إنسانية تبحث عن فكرة الحرية في إطار أوسع وأكبر، وأطرح هنا سؤال الشخصيات بما يتوافق مع الزمن والأحداث التي يعيشونها.

لماذا كان اختيارك لشخصيه المعلم يعقوب المثيرة للجدل؟

قلت في أكثر من تصريح إن الشغف بدأ بشامبليون عالم الآثار الشهير، وأننى قرأت أن من علمه القبطية هو كاهن قبطي مصري كان يعيش في تلك الفترة، وبدأت محاولة بحث ودراسة وتقصي حول هذه الشخصية التى بالرغم من عملى كمرشدة سياحية لم أسمع عنها مطلقا حتى وصل بي الحال إلى التخمين بأنه ربما  أحد هؤلاء المصريين الذين هجروا القاهرة مع المعلم يعقوب، اكتفيت هنا بالبحث عن من علم شامبليون القبطية لأجد نفسي مشغولة  أكثر بتلك المنطقة المطمورة والمثيرة للجدل في  تاريخ المصريين بكل ما فيها من جدل حول المعلم يعقوب وجيشه والذى حمل فيه شباب المصريين السلاح لأول مرة هل كانت فكرته حقا نواة لجيش مصرى سبق فيها محمد علي أم أنه كون مجرد فرقة تخدم الجيش الفرنسى وبغض النظر عن هذا الجدل لكنهم فى الحقيقة المؤكدة كانوا أول شباب مصرى يسمح لهم بالتدريب على السلاح وحمله.

ولكننى حاولت قدر الإمكان ألا انجرف وأترك نفسي لتفسيرات ولتأويلات هذا الجدل فهذا يرجع للمؤرخين فعليهم استعادة هذا التاريخ ولكن هذا الحدث التاريخى كان محركا لى لأن أكتب نصا يبحث فيه أبطاله عن هويتهم وانتمائهم وفقا لسياقهم الزمنى ووعيهم

كيف تلقيت استعادة أحفاد المعلم يعقوب لتاريخ جدهم عبر روايتك «غيوم فرنسية»؟

كانت مفاجأة أن أرى أحفاد أبطال روايتي القادمين من عمق التاريخ.. لحظة من المؤكد أنها مختلفة ومميزة عند اى كاتب، عندما قدموا أنفسهم بأنهم أحفاد المعلم يعقوب وقالوا لى أن الرواية أتاحت لهم الفرصة ليس فقط للحديث عن التاريخ المطمور لجدهم وإنما ايضا محاولة فهمه وفهم دوافعه من خلال السياق دون تحيز أو تخوين. فى الحقيقة شعرت بالفرحة وتأكد إيمانى بأن الأدب حقا قادر على تحقيق مصالحة انسانية مع التاريخ  الذى يبدو لنا احيانا جافا وجامدا وربما مقدسا. فالتاريخ في حقيقة الأمر متعدد الوجوه ولذا فاستعادته بشكل عام عبر الأنساق الإبداعية رواية وقصة وشعرا ضروريا لمحاولة الإجابة عن تلك الاسئلة التي تشغلنا.

يبدو أن سؤال المواطنة والهوية هو تيمة أساسية في أعمالك الإبداعية؟

هذه أسئلة الشخصيات والتي هي أقرب لواقعهم وتاريخهم في تلك الفترة، ثمة أسئلة ووجهات نظر مختلفة تطرحها شخصيات الرواية. قد تكون ضمن أسئلتها التي نعيشها وقد لا تكون متوافقة معي بالمرة لكن هذا لا يمنع من طرحها

مشهد العلاقة الحميمة برواية غيوم فرنسية.. جاء في سياق «الكتابة البيضاء» التي لا تخدش العين ولا تجرحها.. هل كنت تقصدين ذلك؟

لست مشغولة بفكرة «الكتابة البيضاء» من عدمها، فقط أكتب  وفقا لمنطق الشخصيات وبطريقتى الخاصة بى والتى ربما تكون محدداتها الداخلية وبدون أن أقصد تميل الى هذا الشكل من الكتابة.

ماذا تمثل لك الترجمة بصفتك مترجمة احترفت الرواية؟

الترجمة هى شريان جديد لحياة النص، وكلما ترجم النص إلى لغة أخرى فهو باب إلى عالم مختلف وقراءة مغايرة ونقد آخر، وعندما تُرجمت نصوصى إلى اللغتين اللتين أتحدثهما، الروسية والانجليزية، كنت أرى ذلك وكأنه شىء منطقي وطبيعي، أما عندما بدأت نصوصى تترجم الى لغات لا أتحدثها مثل اللغة الايطالية، وقتها شعرت بأن الله منحنى هبة جديدة.. أن يتواصل النص بدلا عنى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: