رؤى

عبد العظيم حماد يكتب: تاريخ مصر بين الإمبراطورية والقصر

 يحدث أحيانا أن يفاجأ المرء حيث يجب ألا تكون هناك مفاجأة ، إذ أننى أتفق مع القائلين بأن صاحب سلطة السيادة فى مصر مستعد سلفا ودائما لرفض ومقاومة فكرة مشاركة الشعب فى السلطة، بما يؤدى إلى الحد من إرادته المنفردة والمطلقة ، لكنه مستعد دائما للتفاهم إلى درجة عقد الصفقات مع النفوذ الخارجى ، وبالرغم من هذا الإدراك فقد أذهلتنى صراحة الملك أحمد فؤاد الأول فى حديثه إلى اللورد ملنر وزير المستعمرات البريطانى ، عندما جاء الأخير إلى القاهرة على رأس بعثة تقصى حقائق بريطانية فى غمار ثورة 1919 ، وذلك للالتفاف على مطلب الثورة الرئيسى وهو الاستقلال التام لمصر ،  ليس فقط  بإلغاء الحماية المفروضة منذ عام 1914 ، ولكن أيضا جلاء الاحتلال البريطانى تماما ونهائيا .

يقول اللورد فى تقريره إلى حكومته حول نتائج بعثته إنه أبدى للسلطان فؤاد ( حيث لم يكن حظى بلقب الملك بعد ) تحفظه على ضعف الوزارة الإدارية القائمة فى مصر وقتها برئاسة يوسف وهبة باشا فى مواجهة المد الثورى ، وفى مواجهة قوة زعامة سعد زغلول ، واقترح عليه تكليف عدلى يكن من جديد بتشكيل حكومة سياسية قوية تستطيع موازنة نفوذ سعد و زملائه فى الوفد المصرى ،بما أن عدلى شخصية سياسية قوية من الأصل ، وبما أنه يمثل شريحة اجتماعية مهمة فى المجتمع والسياسة فى البلاد ، وهى شريحة كبار الملاك والوجهاء والمثقفين المعتدلين ، ويحظى بثقة واحترام هذه الشريحة ، فضلا عن نزاهته الشخصية ، وخبرته الكبيرة فى الإدارة والسياسة ،وسابقة مواجهته مع سعد زغلول فى الجمعية التشريعية ، إلا أن السلطان فاجأه برفض الاقتراح من حيث المبدأ ، وبالثناء على الحكومة الحالية ، قائلا دون مواربة إنه لا يوجد فى مصر أية قوة سواى أنا السلطان ، وأنتم سلطة الاحتلال ، وأنه يمكن باتفاقى معكم وتأييدكم القوى لى إعادة الأمور إلى نصابها .

تزداد المفاجأة وقعا عندما نكتشف أن السلطان لم يتطرق فى حديثه إلى الوزير البريطانى قط إلى مسألة جلاء الاحتلال ، وذلك حسب ماورد فى التقرير ، مما يمكن تفسيره بأنها لم تكن أولوية لدى أحمد فؤاد ، بما أنه كان يراهن على التأييد البريطانى للعرش أو( القصر) كشريك مصرى وحيد فى حكم البلاد ، وإن كان من المنطقى أيضا أن نفترض أنه كان يعتقد أن مسألة الجلاء يمكن أن تسوى فيما بعد ، ولو على المدى البعيد .

الملك فؤاد الأول
الملك فؤاد الأول

صحيح أن استمرار الزخم الثورى وتصاعده أرغم السلطان على الاستعانة بعدلى يكن مرة أخرى، لكن ذلك كان تنازل المضطر ، وليس اختيار المقتنع ، بدليل أن فؤاد نفسه ، وحتى وفاته لم يقبل إلا على مضض، وتحت ضغط شعبى هائل بقاء أية حكومة منتخبة دون تزوير ، لدرجة أنه أصدر مرسوما بحل برلمان 1925 فى يوم انعقاده ،عندما تبين أن جهود حكومة أحمد زيوار ووزير داخليته إسماعيل صدقى لمنع حزب الوفد من حيازة أغلبية المقاعد باءت بفشل ذريع ، ثم أوقف العمل بدستور 1923 مؤقتا فى عام 1928 ، ثم ألغاه كلية واستبدل  به دستورا ديكتاتوريا (إذا صح التعبير) عام 1930 .

وهنا يجب الانتباه إلى أنه حتى فى فترات اضطرار القصر الوجيزة للتسليم بحكم الأغلبية فإنه كان حريصا بصفة يومية على وضع العراقيل فى وجه الحكومات ، ومع ذلك فليس حديث السلطان فؤاد إلى اللورد ملنر ، وموقفه الرافض من حيث المبدأ لأسس الحكم الدستورى حيث تنبثق الحكومة عن البرلمان المنبثق بدوره عن الأغلبية الشعبية ، وحيث الملك يملك ولا يحكم ، أو أنه يحكم من خلال وزرائه المسئولين أمام البرلمان .. كل هذا ليس إلا حلقة فى سياق متصل من حرص صاحب السلطة العليا الذى لايلين على رفض أية مشاركة شعبية جادة ومؤسسية فى تقييد سلطته المطلقة، و إرادته المنفردة،وإعمال مبدأ المساءلة فى النظام السياسى،و ذلك منذ انطلق فى مصر سعى المحكومين للمشاركة (وفقا لتعبير الدكتور وليم سليمان قلادة ) فى أواخر عهد الخديوى إسماعيل ، فالتاريخ يحفظ لنا أن رياض باشا رئيس مجلس النظار غداة انتخاب أول برلمان مصرى خاطب أعضاءه قائلا : هل صدقتم أنكم نواب حقا حتى تحاسبوا النظارة!؟  أنسيتم أنكم لستم فى لندن ولا باريس ؟!كما يحفظ التاريخ رد أحد أعضاء ذلك المجلس  على مؤاخذيه بسبب تخاذله فى مواجهة النظار : ” إنت عايز أفندينا يودينى طوكر” .

رياض باشا
رياض باشا

غالبا يعرف كل مطلع على تاريخ مصر السياسى أن إسماعيل ما كان ليوافق على قيام برلمان إلا كمناورة  للإفلات أو الحد من النفوذ الأجنبى الذى فرض عليه وعلى البلاد بسبب أزمة الديون ، بل أنه أصلا لم يقبل مبدأ قيام هيئة ( نظارة أو وزارة أو حكومة ) مستقلة ذاتيا و نسبيا عن الإرادة المباشرة والمطلقة للخديوى إلا تحت ضغوط الحكومتين البريطانية والفرنسية ، وبقية الدائنين الأجانب ، وكذلك لم يرضخ لمبدأ فصل مالية الدولة عن ماليته الشخصية ، ولا إلغاء تجارة الرقيق وتحرير العبيد ، ولا لاقامة نظام القضاء المختلط رغم عيوبه إلا تحت هذه الضغوط الأجنبية كذلك .

هنا تجدر الإشارة إلى أن تعدد مصادر الضغط الأجنبى على السلطة المصرية فى ذلك الوقت يعود إلى توازنه القوى الذى كان سائدا فى أوروبا ، بحيث لم تكن الإمبراطورية البريطانية قد انفردت بالنفوذ الكامل وغير المنازع فى مصر، كما تطور الحال بعد الاحتلال ، وعلى أية حال فقد تم عزل الخديوى إسماعيل كلية بالضغط البريطانى الفرنسى على السلطان العثمانى .

أما أسباب الاحتلال البريطانى نفسه فهى أصرح وأوقح نماذج توافق القصر والإمبراطورية على المشاركة فى حكم مصر على حساب مشاركة المحكومين أنفسهم ، فعلى الرغم من أية مآخذ قد ترد على مجريات الثورة العرابية فإن محصلتها النهائية هى أن الخديوى توفيق فضل الاستعانة بالاحتلال البريطانى على الاستجابة لمطلب الحكم النيابى ومشاركة المحكومين فى السلطة ، حتى إذا كان الثمن هو تجريده من كل سلطاته على يد المندوب السامى البريطانى، كما جرت الأمور بعد ذلك !!!!

الثورة العرابية
الثورة العرابية

فى وجود الاحتلال المباشر كانت طبيعة علاقات القوة السياسية هى أن تكون السلطة الفعلية بالكامل فى يد ممثل الدولة المحتلة ، الذى أحبط كل محاولة للخديوى التالى ( عباس حلمى) لممارسة النزر اليسير من السلطة المستقلة ، مثل اختيار الوزراء ورئيسهم ، و مع الاتفاق الودى عام 1904 بين بريطانيا وفرنسا الذى أنهى المناوأة الفرنسية للاحتلال البريطانى لمصر تخلى عباس تقريبا عن التحالف مع الحركة الوطنية الناشئة بزعامة مصطفى كامل ، راضيا أو مضطرا للرضا بالقدر المتاح له من مظهر السلطة ، و تلك هى الحقبة التى وصف فيها لطفى السيد حالة النظام السياسى المصرى بأنه مكون من سلطتين هما السلطة الشرعية للخديوى والسلطة الفعلية للمعتمد البريطانى.

من المعلوم أن هذه الحقبة نفسها انتهت عام 1914 بعزل عباس وفرض الحماية البريطانية ،وتعيين حسين كامل سلطانا على البلاد بقرار بريطانى منفرد ، وكذلك خليفته السلطان فؤاد عام 1918 ، وهو الوضع الذى استمر حتى تصريح فبراير عام 1922 الذى أنهى الحماية ، واعترف باستقلال مصر مع التحفظات الأربعة الشهيرة ، بفضل ثورة 1919 ، التى جاء اقتراح فؤاد على ملنر فى سياق كيفية مواجهتها،أو بالأحرى إجهاضها باتفاق لتقاسم السلطة بين الإمبراطورية وبين القصر .

منذ تلك اللحظة وحتى اتفاقية الجلاء عام 1954 مع ضباط يوليو بقى النظام السياسى المصرى محكوما بنظرية الكرسى ذى القوائم الثلاثة، التى صكها المندوب السامى البريطانى الشهير سير مايلز لامبسون (لورد كليرن فيما بعد) و مقتضاها أن السلطة السياسية فى مصر تشبه مقعدا يستند على قوائم ثلاثة هى القصر الملكى ، والسفارة البريطانية ، وحزب الوفد صاحب الأغلبية الشعبية .

ما يهمنا من تلك الحقبة هو أن التفاهم أو التوافق بين هذين الطرفين كان دائما أسهل من تفاهم أو توافق أى منهما مع حزب الوفد ، الممثل الحقيقي للمحكومين ، أو للأمة ،فالملك ينفر من مبدأ المشاركة الشعبية والحكم الدستورى، والاحتلال يقاوم مطلب الجلاء والاستقلال ، ولم يكن أى من الطرفين يلجأ للتفاهم أو التهدئة المؤقتة مع الوفد إلا تحت ضغوط هائلة ، وتتمثل هذه الضغوط فى حالة الملك فى تراكم الأزمات الداخلية ، إما بالضغط الشعبى ، أو فشل حكومات الأقلية ، وفى حالة السفارة البريطانية بالأزمات الدولية الساخنة كما حدث عندما أدت مقدمات الحرب العالمية الثانية إلى معاهدة 1936 ، وعندما أدى اقتراب قوات رومل الألمانية من الإسكندرية إلى فرض حكومة وفدية على القصر فى حادث 4 فبراير 1942 ، وقد كانت الحرب العالمية هى المناسبة الوحيدة تقريبا التى شهدت تناقضا واسعا و مفتوحا بين القصر والإمبراطورية ، حين راهن الملك وبعض القوى السياسية على التعاون أو التواطؤ مع الألمان، أملا فى التحرر من الاحتلال البريطانى إذا انتصرت ألمانيا فى تلك الحرب ،لكن ما إن اقتربت الحرب العالمية الثانية من نهايتها بانتصار بريطانيا و حلفائها حتى انتفت حاجة البريطانيين للتوافق مع الوفد ، وأطلقت يد الملك لإقالة حكومته .

هكذا فى كل تلك الأطوار كانت الإمبراطورية العالمية طرفا فى تكوين أو فى تغيير أو فى مسارات السلطة المصرية ، وكان من الطبيعى أن ينتقل هذا الدور الإمبراطورى من المركز البريطانى إلى المركز الأمريكى بحلول الإمبراطورية الأمريكية محل الإمبراطورية البريطانية تدريجيا بعد الحرب العالمية الثانية، وقد راهن الأمريكيون فى بداية دورهم المؤثر على شخص الملك و حلفائه من الحزب السعدى لقيادة عملية إصلاح ، تحتوى المطالب الاجتماعية الناشئة حديثا، وتسد الطريق أمام النفوذ الشيوعى المحلى والدولى، مادام أنه يرفض بكل غرائزه إمكانية التفاهم مع الوفد، ولكن الملك أخلد إلى الأرض ، وخذل الأمريكيين كما خذل كل حلفائه المحليين، مما أدى إلى بضع سنوات من الغليان الشعبى ، جعلت الملك يرضخ لعودة الوفد فى انتخابات عام 1950 ،ولكن استمساك بريطانيا بموقعها فى مصر أفشل جهود الحكومة الوفدية فى تحقيق الجلاء ، ثم أحرقت القاهرة وأقيلت الحكومة ، وجاء الضباط الأحرار فى يوليو 1952.

الثابت الآن أن الفيتو الأمريكى هو الذى منع البريطانيين من التدخل لانقاذ الملك و نظامه ، والثابت الآن أيضا أن ضباط يوليو أقاموا قناة اتصال وتنسيق مع الأمريكيين باعتبارهم القوة السياسية الخارجية الأكثر تأثيرا فى المنطقة ، وفى مصر، على أنقاض الدور البريطانى الآخذ فى الأفول ، دون أن يعنى ذلك أن الضباط كانوا عملاء للأمريكيين بالمعنى المبتذل الذى روجه كثيرون فى مقدمتهم الإخوان المسلمون ، ومخلفات العهد الملكى ، بل إن التطورات اللاحقة منذ رفض سياسة الأحلاف الغربية، و كسر احتكار السلاح و معركة السد العالى ،كانت مقدمات قوية لحقبة من استقلال السلطة والقرار فى مصر عن الإمبراطورية العالمية ، وهو ما استمر حتى “الدخول الامريكى الثانى”فى أعقاب حرب أكتوبر 1973 ، فى تكرار تاريخى لحقبة استقلال السلطة والقرار فى مصر تماما و نهائيا عن المركز الإمبراطورى ،أو المراكز الإمبراطورية العالمية فى عصر محمد على، حين ثبت سلطته فوق الجميع منذ عام 1811 حتى 1840، حين تحالفت الإمبراطوريات لهزيمته، وفرضت عليه معاهدة لندن الشهيرة ، وذلك على الرغم من أن وصوله نفسه إلى حكم مصر عام 1805 لم يكن فقط بسبب الحركة الشعبية بزعامة عمر مكرم كما هو شائع ، ولكن أيضا بتوافق قنصلى بريطانيا وفرنسا ، و كان سبب هذا التوافق أن كل طرف من الأطراف الدولية المتصارعة على مصر لم يستطع فرض الموالين له على كرسى الوالى ، وهذه الأطراف هى السلطان العثمانى ، وبريطانيا التى نبهها غزو نابليون إلى أهمية مصر الاستراتيجية لإمبراطوريتها، التى كانت فى طور الإستواء ، وفرنسا التى كانت تتحرق للعودة إلى احتلال مصر .

الحملة الفرنسية على مصر
الحملة الفرنسية على مصر

قلنا فى البداية إن حكم مصر أصبح فى جانب مهم منه  شأنا دوليا منذ حملة نابليون ، ونذكر بما سبق لنا إبرازه فى مقال سابق هنا بالدور الأمريكى فى تطور الأوضاع السياسية فى مصر فى غمار وبعد ثورة يناير 2011 ، ونضيف فى الختام أن تجاهل هذه الحقيقة ليس هو الموقف الصحيح ، بل الصحيح هو الفهم والتعامل معها  للتقليل من آثارها السلبية إلى أدنى حد ممكن ،وتعظيم إيجابياتها إلى أقصى حد ممكن ، والشرط الأول لتحقيق هذا الهدف هو قوة الوضع السياسى الداخلى بضمان أكبر قدر من الرضا العام والتوافق بين السلطة وبين المحكومين

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock